رجـل مُختلف

Printer-friendly versionSend to friend
ميمون حرش*
 
متسربلاً في بذلة أنيقة، يمشي الخيلاء، يبدو واثقاً بنفسه ومن تحرره.. يدخل مقهى فخمة، داخلها فضاء ليلة حكتها شهرزاد، لكنْ ليس لشهريار.. أرضها سماؤها، وصبحها مساؤها .. روادها، وهو واحد منهم، من طينة من يمشي على الأرض، وقطع قطن تسد أنوفهم..
يستقبله النادل بابتسامة صافية. يتجاهله، ويقصد طاولة. يعدل من ربطة عنقه، دون أن ينظر إلى أحد. وبحركات محسوبة سار كمشاهير الفن السابع على بساط أحمر، حرَص على أن يثبّت قدميه فوقه. الحذاء وسُمْك البساط كانا كفيلين بأنْ يجعلاه يترنح كبطة.. وبنفس وبتهاديها نفسه ، خلع الحذاء، فوضعه فوق طاولة. يرغب عن الكرسي المخملي، ويجلس القرفصاء (الوضع الذي يحبّ)... وسط المقهى بدا كمَنْ يمارس رياضة اليوغا على نحو مضحك (كان هناك من يضحك فعلاً) .. ثم يفرد صحيفة الصباح، ويقرأ كل الصفحات دون أن يكترث للعيون التي ظلت ترقبه باندهاش، وعلى الألسن سؤال محير: مجنون أم يتصنع الجنون؟!..
في اليوم الموالي، كان في أبهى صورة. قصد المقهى نفسه، وبصلفه المعتاد يدخل، ولأول مرة ينتبه إلى عبارة مكتوبة بخط مضغوط عليه: "يُمنع الدخول على الكلاب والمعوقين"، في إطار أنيق كلوحة فنية نادرة. قرأ العبارة بصوت مسموع، وأعاد القراءة مرات عدة أثار بها انتباه كل من كان في المقهى .. بعضهم ظل يحملق فيه بذهول، وآخرون نظروا حيث كان ينظر .. وجزء ثالث بدوا غرباء ليس عنه، بل عن أنفسهم.
لم يكن معنياً ما دام لا يصحب معه أي حيوان .. ومع ذلك استفزته العبارة(ربما لإحساسه بأنه مختلف عن الآخرين من إعاقة ما .. قد تكون داخلية رغم ثرائه..)..
يخلع نعليه كما العادة، لكنه لم يقرفص هذه المرة، وإنما ظل واقفاً، يتأمل الشارع من خلال مرايا خاصة، تُظهر الجالسين داخل المقهى كما لو كانوا خارجها .. في يده سيجارته، وعلى الطاولة حذاؤه .. لم يقرأ صحيفته هذا الصباح. بدتْ والحذاء فوق طاولته كسلعتين معروضتين للمزاد العلني، وهو إلى جانب أشيائه بدا أشد حيرةً من ضب، الخارج هو ما يشغله الآن .. رأسه الصغير يحمله عنق مطاطي يلتاع في كل الاتجاهات، باحثاً عمّا لا يدري.. بل يدري ما دامت نظراته مصوّبة نحو سيارته الفارهة..
 في الخارج، كانت سيارته مركونة كما العروس . لونها شفاف، وحجمها كبير، لكنْ جميل وأخاذ، من حولها سيارات كثيرة مبعثرة كحبات الحمص في أعراس الفقراء.. ينتفض فجأة كمن رُشّ بماء بارد، يفرك عينيه، ثم يتأمل غادة حسناء أشبه بـ"كاترين دونوف"، استتلت كلباً أصغر من جوزل، ليس حسنها ما أثاره، وإنما كلبها، وسيارتها المركونة وراء سيارته مباشرة. زفر حين رأى الكلب ينط فوق سيارته، ولما بدا له كأنه يبول على عجلتها الأمامية صرخ:
" كيف تجرؤ  أَيها الـ...  " 
قالها بانفعال، ثم نزا نَزَوان الجراد، وخرج من المقهى مندفعاً كهاربٍ حافيَ القدمين، والبساط الأحمر،الذي يستهويه كل مرة وهو يدخل دخول الفاتحين ، تغير لونه في نظره. كان كل همِّه أنْ يتأكد مِنْ أن سيارته في أمان، وأن كلب الحسناء لم يبل عليها.
يحمل نفسه، ينفض مِذرويْه وهو يخرج، وككرة يستقر في مرمى الخارج ..  (سيعود إلى الداخل وهو يضرب أصْدَرَيْه)..
سيارته في أمان، والكلب لا أثرَ له، والحسناء صاحبة الكلب كانت داخل المقهى لا خارجها، وراء طاولته مباشرة . كانت منشغلة بحديث مهموس في هاتف نقال مخملي، بينما كلبُها، بعيداً عنها، كان يلعق حذاء الرجل..   
 
* أديب من المغرب.