رحيل الناقد المغربي عبد الرزاق هيضراني صاحب "جداول الكتابة وأوفاقها الثقافية"

Printer-friendly versionSend to friend
الطاهر الطويل
 لم يمض على احتفال الناقد المغربي عبد الرزاق هيضراني بفوزه بجائزة الشارقة للإبداع العربي سوى بضعة شهور، حتى اختطفه الموت يوم الاثنين المنصرم، مخلفا وراءه صدمة قوية وحزنا عميقا بين أوساط الأسرة الثقافية والتعليمية في المغرب.
وعبّر عدد من المثقفين المغاربة عن مشاعر الأسى التي انتابتهم، مبرزين خصال الناقد الراحل على المستويين الإنساني والأكاديمي. وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي ببلاغات النعي، حيث كتب الناقد سعيد يقطين «جاءني خبر رحيل عبد الرزاق هيضراني كالصاعقة من لدن العزيز حسن المودن. ما أقسى حوادث السير حين تغيب عاشق الأدب والبحث. تعرفت على عبد الرزاق في دروس الماجستير. كان نجيبا وذا أخلاق عالية. جاد ومجد، متواضع وذو طموح كبير. سجل معي أطروحة الدكتوراه، ولم يفرح باستكمال التسجيل بسبب التعثر الذي طرحته الجامعة هذا العام بالنسبة للموظفين؟ كان يتوفر على مقومات الباحث الحقيقي. بدأ مراودة الكتابة وتطويعها وأظهر إمكانات واعدة».
وتحدث الشاعر جمال الموساوي عن مشاعره بالقول «إنه لألم لا يوصف؛ شاب مليء بالحياة يغادر سريعا جدا». وفي السياق نفسه، سطّر الأديب نور الدين بازين ما يلي: «مرة أخرى الموت يخطف في غفلة منا الصديق الناقد والكاتب عبد الرزاق هيضراني». واستحضر الروائي حسام نور الدين بعض ذكرياته مع الراحل قائلا: «كانت لنا معا لمسات مودة، واحترام جميلة جدا، وفوجئت به يكتب عن روايتي مقالا طويلأ في جريدة، بتعمق ودراسة متبحرة كعادته، بدون أن يعرفني أصلا، فكان ذلك، وما زال مصدر فخر كبير لي، ومن أسبوعين تراسلنا، وكان كعادته دائما مهذبا جدا محترما للغاية». وجاء في تدوينة الباحث عبد القادر الدحمني: «هكذا فجأة يقطف الموت شابا متوهجا وباحثا خلوقا وناقدا جادا.. ويخبرنا عن تفاهة هذه الحياة. لم يمض على تعرفي به عام كامل..على هامش نضال غاضب التقينا، تحدثنا في الرواية والنقد ومشاكل الجامعة. وها هو يرحل على حين غرة.. يذكرنا بأن الأمر مجرد عبور سريع». وفي السياق نفسه كتبت إلهام الغوداني: «كان إنسانا طموحا، أصر على إتمام دراسته العليا، فحصل على الماجستير تخصص لغة وأدب. وكان له مشروع التسجيل في الدكتوراه. كانت له مواقفه وآراؤه النقدية. لم يستسلم ويتنازل عنها. وقد أنتج كتابا له اعتبره البداية لشق طريق الكتابة الأدبية النقدية. ترك المرحوم وراءه قلوبا تبكي فراقه. ترك المرحوم وراءه فكرا ورؤية، إذ كانت له بصمته الخاصة».
ومن عصارة فكر الناقد الراحل، صدرت حديثا دراسة بعنوان «جداول الكتابة وأوفاقها الثقافية في القصة القصيرة العربية المعاصرة» عن إدارة الدراسات والنشر في دائرة الثقافة في الشارقة. وهي دراسة فاز صاحبها هذه السنة بجائزة النقد برسم الدورة العشرين لجائزة الشارقة للإبداع العربي (الإصدار الأول)، ويتعلق الأمر بمحاولة في النقد القصصي الذي يتبنى بعض مفاهيم النقد الثقافي ويجترح أخرى في قراءاته لنصوص سردية.
وأوضح الناقد الراحل في حوار أجرته معه مجلة «الموجة» أن هدفه من إصدار الكتاب هو أن يؤكد أن التجاوز في الإنسانيات يجب أن لا يعني القطيعة. من ثمة لا يمكن أن نقول إن النقد الأدبي مات واندثر. هذا حكم قاس. النقد الأدبي استنفد الكثير من إمكانياته، لكننا في الوقت ذاته لا يمكن أن نتصور نقدا ثقافيا دائم التشكل بعيدا عن بعض مفاهيم ومقاربات النقد الأدبي. 
وأفاد بأن مصطلح الأوفاق يحيل في الثقافة العربية إلى علم يهتم بالغيبيات وفي جزء كبير منه بالشعوذة، اعتمادا على أدوات وجداول سيميائية وآيات قرآنية، بحيث تظهر ممكنات الوفق لإعادة التوازن لحياة الفرد. وذكر أنه وظف الوفق نقديا من خلال معنين اثنين، الأول ربط من خلاله الأوفاق بالكتابة؛ عبر استثمار ممكنات الكتابة التجريبية المؤسسة على توظيف آليات جديدة على مستوى الشكل والموضوع. أما المعنى الثاني فيرتبط بالأول وقَصد به أوفاق المجتمع، وهي أوفاق/ سلوكيات تغريبية تتأسس على التحكم والتوجيه الثقافي الذي يستثمره الأفراد في الحكم على الظواهر أو في تعاملهم مع القضايا العربية والإنسانية الكونية. وفي هذا السياق بالذات، يتخذ الوفق معنيين مختلفين؛ الأول يتعلق بالتجريب باعتباره ممارسة والثاني يرتبط بالتغريب باعتباره سلوكا. 
وسلط الضوء على بعض الإشكالات التي يتأسس عليها الكتاب بالقول: «تقدمنا بافتراض أساس وهو أن الكتابة القصصية العربية المعاصرة، وبالنظر إلى ما حققته من تراكم، لم تعد تشتغل على جاذبية الموضوع/ الحدث فحسب، وإنما اخترقت عوالم التجريب، الذي أصبح ضرورة فنية وثقافية، واستثمرته في كتابتها وفي بنية صياغتها للقضايا المجتمعية المعقدة والمركبة. وبمعنى آخر، فإن التراكم القصصي أصبح في أغلب نماذجه، يطرح سؤال الكتابة بإلحاح؛ إذ إن الكثير منها اكتسب وعيا إبداعيا متجاوزا/ مغايرا للقص التقليدي، مسائلا فعل الكتابة من داخل الكتابة ومستثمرا أوفاقا جمالية وثقافية تثير الكثير من القلق والكثير من التساؤلات. لقد دشنت بعض الكتابات القصصية العربية الحديثة والمعاصرة هذا التوجه التجريبي الجديد، متجاوزة بذلك، ممكنات القصة التقليدية وما تميزت به من خطية ساهمت، أو كادت، في تجذير القراءة الاستهلاكية السريعة الهضم. ولهذا فالتجريب في الكتابة القصصية العربية المعاصرة شكّل إمكانية قرائية جديدة أدخلت القارئ في قلق مضاعف ودفعت به إلى توظيف مجمل قراءاته وما تتطلبه من تقابلات/ تقاطعات بهدف فك جداول قصة تعتمد أوفاق التجريب أداة من أدواتها. ولقد أصبح من المتاح، ونحن نقرأ نصوصا قصصية تجريبية معاصرة أن نتحدث بكل تأكيد عن كتابة أوفاقية مفخخة وملغزة تستثمر الشعر والفلسفة والتصوف وأحيانا الاقتصاد والمعادلات الرياضية».
إن هذا المنزع البديع والشاق الذي يميز الكتابة الأوفاقية/ التجريبية ليجعل من القراءة نشاطا ذهنيا معقدا للتفكير والتأمل، وليس للتزجية وتبديد الملل. فهي كتابة بقدر ما دشنت لتجربة جديدة تقوم على فعل قرائي ممتع، ولكن أيضا شاق يماثل، أو يكاد، متعة الكتابة، شقاءها وقلقها اللامحدود، فإنها قد شيدت جدرانا عازلة بينها وبين قراء سلبيين وقراءات نمطية خطية تجرد الكتابة من آفاقها وأوفاقها الثقافية. ويرجع ذلك إلى أن الكثير من النصوص القصصية المعاصرة بقدر ما تتميز به من فنية وإمتاع جمالي، تضمر حمولة ثقافية تغرس خناجرها في جمجمة القارئ على حد تعبير كافكا، بل أكثر من ذلك تتميز بتحريضها على فعل القراءة المركبة والهادئة والمنصتة في آن، لذلك فالكتابة الأوفاقية بحاجة لقراءة هادئة تنصت للنص القصصي ولشعريته الباذخة. إنها القراءة التي تعيد تدويرالكتابة؛ أي إنها سفر/ رحلة لاكتشاف أراض مجهولة وتسجيلها في خريطة على حد تعبير ميلان كونديرا».
تبقى الإشارة إلى أن الناقد الراحل عبد الرزاق هيضراني حاصل على شهادة الماجستير في النقد الثقافي وعلى شهادة التبريز ، وكان عضوا مؤسسا لجمعية سومر للإبداع والثقافة، وشارك في ملتقيات وندوات داخل المغرب وخارجه، من إصداراته الأخيرة كتاب جماعي بعنوان «بنعيسى بوحمالة.. تأويل العين والروح» إشراف وتنسيق وتقديم (دار الأمان في الرباط)، وكان يعتزم إصدار كتاب «الكتابة والهامش ـ دراسات في الشعر المغربي الحديث» وكتاب «ظواهر مجتمعية أم نصوص ثقافية».
 
عن "القدس العربي".