رحيل نجوى قعوار بعد مسيرة من العطاء الأدبي

د. إبراهيم خليل*
        
 
تعد الراحلة نجوى قعوار فرح (1923- 2015) من كاتبات الرعيل الأول في القصة العربية القصيرة في فلسطين، شأنها في ذلك شأن خليل بيدس وعارف العزوني ونجاتي صدقي وأمين فارس ملحس ومحمود سيف الدين الإيراني. وقد اختُلف في سنة ولادتها، فمن قائل إنها ولدت في الناصرة عام 1920 إلى من يؤكد أنها ولدت سنة 1923 وبذلك تكون من الجيل الذي عُرف منه جبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وإحسان عباس وهاشم ياغي وناصر  الدين الأسد.. وغيرهم من أدباء العربية النحارير. 
بدأت نشاطها الإبداعي وهي طالبة على مقاعد الدرس في معهد دار المعلمات في القدس. ويذكر الراحل عيسى الناعوي في مقدمته لمجموعتها القصصية الأولى عابرو السبيل (1954) أنه التقاها في ندوة لها في القدس سنة 1946 وفي تلك الندوة ألقت محاضرة حول موضوع " جهاد الإنسانية " تركت في نفسه انطباعات جيدة، ونشأت بينهما علاقة أدبية استمرت طويلا على الرغم من أن النكبة فرقت بينهما، وقد ساعدها في نشر محاضرتها تلك في مجلة الأديب اللبنانبة، وظهرت فعلا في عدد تشرين الثاني من العام نفسه 1946. 
وبعيد ذلك شقت كتاباتها القصصية طرقها إلى النشر في الصحف، والمجلات، فكانت من كتّاب(الأديب) و(صوت المرأة) و (المنتدى) و(القافلة) و(الغد) المقدسية. وكانت نجوى قعوار قد اقترنت بالقسّ توفيق فرح، الذي تنقل بها من الناصرة إلى عمان، فإلى بيروت، وأنشأت مجلة الرائد سنة 1957 التي لم يكتب لها الاستمرار، وكذلك مجلة " الأرض سفينتنا " التي احتجبت هي الأخرى بعد عدديْن لا غير. 
كتبت نجوى قعوار إلى جانب القصص القصيرة المقالات، والخواطر، والمسرحيات، ونشرت لها مسرحية بعنوان سر شهرزاد 1958، وأخرى عن السيد المسيح بعنوان (ملك المجد) 1961 وكتبت قصصًا للناشئة بعنوان قصص وتراجم في ثلاثة أجزاء؛ ولها أيضا ديون من الشعر النثري، على أن ما يغلب على نتاجها هو القصة القصيرة، وإلى هذا الفن يُعزى حضورها الأدبي.. فقد صدرت لها مجموعاتٌ ستّ، أولاها – مثلما ذكر- عابرو السبيل (بيروت: 1954) مع مقدمة لعيسى الناعوري (أعاد اتحاد الكتاب نشرها حديثا – بلا تاريخ). ودروب ومصابيح (بيروت، 1955) ولمن الربيع(1961) واللقاء (بيروت: 1978) و" عهدٌ في  القدس " ورحلة الحزن والعطاء (1981). واللافت للنظر أن من يقرأ قصصها المبكرة، والمقدمة التي كتبها عيسى الناعوري، يلاحظ بعين الرضا، والإعجاب، ذلك التقريظ الذي حظيت به قصصها من كاتب مخضرم له تجاربه في كتابة القصة، والرواية، والنقد الأدبي، فضلا عن أنه شاعر له عدة دواوين. فهو لا يتردد في في وصف الكاتبة بالبراعة التي تشمل اختيار الحادثة، وإيجاد المناسبة، والحوار في جميع القصص. ولا تقل براعةً في  الوصف، يقول: " وصف  الأجواء القصصية، ووصف الطبيعة، ووصف الأحاسيس، وفي هذا الأخير تتجلى مقدرة المؤلفة على التحليل النفسي الدقيق لمشاعر الحبّ، والحزن، والطفولة، والحنوّ، والاستسلام، والتمرد. " ص 8 من المقدمة.
ومع هذا الإعجاب بقصص نجوى قعوار لم يفتْ الأديب الناعوري أن يشير إلى نقيصة لا تثير لديه سوى التحفظ، فإلى جانب " الحسنات الكثيرة التي يلمسها القارئ في هذه القصص جميعًا يلاحظ أن في بعضها اضطرابًا بين العامية والفصحى، يتكرر كثيرًا، وبشكل بارز كما في  العبارة الآتية: 
- ألا يكفي أنك أنقذتني؟ وِبْتِخْسَرْ منْ جيبَكْ كمان؟ (ص11 من المقدمة)
وما يعده الناعوري اضطرابًا في الحوار ليس بشيء، فلغة القصة- إنْ كانت طويلة أم قصيرة- هي اللغة المشتركة، أو تلك التي يقال لها بالإنجليزية common speech  ولا شك في أنها اندفعت اندفاعًا لاجتياز الخطوط الحمر التي تفصل بين لغة الكتابة ولغة الكلام العادي، تغليبًا وتوفيرًا لعنصر المحاكاة، أي محاكاة الواقع من خلال حوار الشخوص، وهو شيء توجِبُه الأعراف السردية في أيامنا هذه، ويُتناول تحت مسمى (المبدأ الحواري) لطيِّب الذكر ميخائيل باختين.
على أنّ القصص بصفة عامة، وإن حظيت بهذه التزكية من الناعوري، تكاد لا تختلف، ولا تتباين، عن قصص الرواد ممن ذكرنا بعضهم في مستهل هذا المقال. فالقصة القصيرة ليست قصيرة لأن عدد صفحاتها قليلٌ غير كثير، ولا لأن عدد كلماتها يقل عن الآلاف أو يتجاوز الآلاف.. وإنما هي قصيرة لأنها تسلط الضوء على لحظة من حياة الشخصية الرئيسة فيها منفصلة عما سبقها مستقلة عما يليها خلافا للرواية. وقد ظن رواد القصة القصيرة، ومنهم الراحلة الكبيرة نجوى قعوار أنها رواية يجري تلخيصها تلخيصا شديدًا، أو تكثيفها في صفحات قليلة جدا. ولم يكونوا في ذلك على طريق مستقيمة. ففي قصة " أي السبيلين " وهي الأولى في عابرو السبيل نجد شابا أنهى تعليمه الجامعي، ووجد وظيفة حكومية، وقد حاول والداه دفعه دفعًا للتقرب من أحد المسؤولين، ولو بالتودد لكريمته، كي يكون وسيطا يدفع به لترقية تسمو به على مرتبة ابن الجيران، غير أن الشاب ترفَّع عن ذلك، ثم قدم استقالته من تلك الوظيفة لهذا السبب.
وعندما شغرت وظيفة معلم تقدم لها، ولكنه  اصطدم بمدير تقليدي، متحجّر الفكر، يريد له أن يتبع أساليبه البالية في التدريس، فما كان منه إلا أن ضاق ذرعًا بوظيفته الجديدة، كما ضاق بالأولى. وقدم استقالته من التعليم غير آبه باعتراض والديه، ولا بتعليقاتهما الساخرة. واللافت أن الشاب بعد أن استقال من التعليم قرر أن يمتهن حرفة الأدب، فألف كتابا عن العصر العباسي صور فيه بغداد أيام الرشيد، وما فيها من القصور، ومن الجواري الحسان، وما قيل فيها من خمريات أبي نواس، إلى الغزل بالغلمان.. ونشر الكتاب على نفقته كأي أديب مبتدئ، وحظي الكتاب بتنويه من الصحف، وقال فيه أحد النقاد إنه عرض جميل شيق، وفيه قراءة جديدة مبتكرة للتراث الأدبي. غير أن شهورا بعد ذلك مرت دون أن يباع من الكتاب غير القليل، الذي لا يعود عليه بجزء مما أنفقه على طباعته فضلا عن تأليفه. وفي ذروة اليأس، والشعور العميق بالإحباط، يقرر الرحيل، ولكن إلى أين؟ لا هو يعرف، ولا غيره يعرف. 
تؤكد هذه النهاية للقصة " أيُّ السبيلين " أن الكاتبة الراحلة نجوى قعوار تكتب ما تكتبُ تحت وطأة الشعور بفظاعة الواقع ممثلا بمعاناة الشخصيات المهمَّشة، التي شغفت بها شغفا كبيرا مثلما ينوه الناعوري في مقدمته. بيد أن تعاقب الأحداث فيها جعلها أقرب إلى رواية مختصرة منها إلى قصة قصيرة. وخلافا لهذا نجدها في قصة أخرى (بائع الصحف)تلتزم إلى حدٍّ ما بالتركيز على مصير بائع الصحف هذا. مما يربط ربطاً محكمًا بين مجريات القصة والخاتمة التي تتضمن الخلاصة أو المغزى إذا صح التعبير. فبائع الصحف فقد زبائنه الدائمين بمكيدة من منافسه، فما كان منه إلا أن اعتدى على ذلك المنافس. وهذا الجُرْم أفضى به إلى التحقيق، ولأسئلة تطرح عليه لها أول وليس لها آخر. ثم يزج به في سجن الأحداث، وهو أشبه بمدرسة يلقن فيها من الدروس ما يساعده على تقويم سلوكه، بيد أنه غافل الحراس وهرب منه ليلا مُقلدًا بذلك أحد نجوم السينما الذين طالما أعجب بهم. وقد قرر من تلك الليلة أن يصبح نشالا، بل رئيس عصابة من النشالين، متوقعًا أن يضحك طويلا على الشرطة الحائرة في البحث عن الفاعلين. 
ومن الطريف أنّ الكاتبة تسلط الأضواء على الأسباب والنتائج في القصة مما يضفي عليها طابع الحبكة المتماسكة. فالمجتمع مسؤول عن الذي جرى لهذا الفتى إذ لم يجد من منافسه سوى الكيد، والخصومة، ولم يجد من محيطه في الحي من يمد له يد العون، لا سيما أن أمه مريضة، وهو لا يستطيع أن يأتيها بالدواء، ولم يجد كفيلا  يتيح له التحرر من فترة السجن، ولم يجد من يفهمه، فالاعتداء على منافسه جريمةٌ، في حين أن استيلاء منافسه على زبائنه لا يعد جريمة. وليست الثقافة السائدة بمعزل عن هذا، فقد نشأ بائع الصحف على مشاهدة الأفلام المصرية، وأفلام رعاة البقر الأجنبية، التي تمجد المجرمين، واللصوص، والقتلة، فعاش على أمل أنْ يكون واحدًا من هؤلاء طالما أن المشاهدين في دور العرض لا يفتأوون يصفِّقون لهم.
أما قصة العودة، فتبدو للقارئ كأيّ قصة حبّ بين قرويَّيْن، هما: أحمد، وفاطمة.
بيد أن الأوضاع الاجتماعية، والمصالح المادية، تتدخل في الوقت المناسب، فلا تتيح لهذا الحب أن يبلغَ النهاية السعيدة التي ينشدها المحبان. فقد تقدم شيخ خرف، وغني، لوالد فاطمة طالبًا الزواج منها، فوافق الأب طمعا في الصداق الذي يتيح له شراء قطعة الأرض المجاورة لأرضه هو. وهكذا كتب على أحمد أن يهجر قريته في ما يشبه الاحتجاج العاطفي، والنفسي، فلم يعد بمقدوره أن يقيم في قرية ختمت حكاية عشقه بتلك الماساة. وما هي إلا أن جاوز الأربعين بقليل حتى شده الشوق للقرية، ومن المفاجآت التي عمدت إليها الكاتبة في هذا الموقف بالذات تلك الفتاة المراهقة التي لفتت نظره بضحكتها الرنانة، وصوتها الناعم الأغنّ، الذي يذكره بصوت فاطمة، فقرر من فوره أن يخطبها، وهو لا يعلم من هي. ولكنْ لم يطل به الوقت حتى اكتشف أنها ابنة فاطمة من ذلك الخَرفِ الغنيّ. فقد أخبره صديقه جابر بما لا يعرفه من تفاصيل عنها وعن الشيخ الخرف، وعن الأم التي أصبحت بلا زوج بعد أن فارق الشيخ الحياة. وفي الأثناء تبرز شخصية أخرى جديدة في القصة (أم سعيد) لتحدث بدورها تحولا جديدًا. فأم سعيد تخبره بأن فاطمة تنتظره، وأنه حري أن يتقدم لها لا لابنتها، لكنه يفضل الزواج من الفتاة الصغيرة. فتصفه أم سعيد بالشخص سيء النية الذي لا يسمع النُصْح. بيد أن أحمد لم يستطع النوم تلك الليلة. فقد ظل يتقلب في فراشه حائرا بين نصيحة أم سعيد، وما وعده به صديقه جابر. ولكن ما إن يعود به دولاب الزمن للوراء مُتذكِّرًا حوارا جرى مع فاطمة، ودون أن تصرح الكاتبة بما اعتزمه (أحمد) توحي لنا، بأسلوب غير مباشر، باستجابته للكثير مما يدعوه للعودة.
قد تكون هذه القصة رمزية تمضي حبكتها في مسارين، أحدهما مباشر، والآخر يتوصل إليه بالتأويل، فعودة أحمد إلى قريته قد تكون تعبيرا عن عودة اللاجئ إلى فلسطين، أو تشبثه بتلك العودة. وأما فاطمة التي تزوجها رجل غني خرف فترمز لفلسطين التي احتلتها عصابات صهيون اعتمادًا على حق تاريخي مزعوم وخرافي. وأما بيع والدها لها للشيخ الخرف فرمز لبعض الإقطاعيين الذين باعوا أراضيهم طمعًا في المال ليرحلوا به إلى بيروت حيث المؤسسات المالية والمصرفية التي يمتلكونها ويديرونها هناك. ولكن أحمد القروي البسيط ما فتئ يحنّ لقريته، وإلى فاطمته، حتى وإن وجدها في صورة ابنتها التي تتمتع بمثل ما تتمتع به من ضحكة رنَّانة، وصوتٍ ناعِمٍ أغنّ.
على أن الراحلة- للأسف- جعلتْ من هذه القصة قصتين، إحداهما تبدأ وتنتهي في القرية بزواج فاطمة من ذلك الكهل الغني. والثانية تبدأ بعودة أحمد المفاجئة للقرية بعد أن تجاوز الأربعين.. مع ظهور شخصيات جديدة تؤدي أدورا في سيرورة الحدث، أما ما جرى بين ذلك وذلك فقد تركته الكاتبة غفلا، إلا ما كان من إشارة جابر، وأم سعيد لوفاة الشيخ الطاعن. ومثل هذ البناء للقصة القصيرة لا ينسجم مع شروط القصة الجيدة، وإن كان يقربها من الرواية، على أننا في نهاية الأمر نجده بناءً سائدًا مقبولا في الجم  الكثير من قصص الرواد أمثال خليل بيدس، ومحمد تيمور، ومحمود تيمور، ويحيى حقي، ومحمود طاهر لاشين، وأمين فارس ملحس، وعيسى الناعوري، وغيرهم ممن كتبوا القصة القصيرة في النصف الأول من القرن الماضي، فما ينطبق على قصص ذلك الرعيل من المبدعين ينطبق على قصص نجوى قعوار التي هي الرائدة الأولى من كاتبات الجنس الثاني فيما نظنّ، ونحْسَبُ.  
 
 
* أكاديمي وناقد من الأردن.