روايات بمداد مالح (شهادة*)

محمد عبد حسن*

 
كشخصٍ بَصْري يبدأ يومه بماء مالح.. ويُنهيه بماء مرٍّ؛ لا يسعني إلا أنْ أكتب رواياتي بمدادٍ يُشبه ماءَ المدينة، وفصول مثل أحيائها، وأساليب لا تختلف عن طرقها المقطّعة، وما فتح منها فُرش بالحفر والمطبّات.. إذ لا جدوى من روايةٍ لا تُشبه المكان الذي خرجت منه لتتحدثَ عنه، فلا روايةَ من غير مكان أو أمكنة.. كما أنه لا مكان من غير روايةٍ أو روايات.
حين يُجرّد المكان من هويّته.. ونفقد، نحن الذين نعيش فيه، ميراثنا وإشاراتنا ونقاطنا الدالّة؛ تفقد، أو تتنازل، الرواية، هي الأخرى، عن ميراثها وشروطها الصارمة. ولأنّ الأمر كذلك؛ فسنحتاج وقتًا أطول للوصول إلى ما نريده من المكان أو الرواية.. وقتًا نستشعر فيه لذّة الوصول والاكتشاف ممزوجة بوعورة المسلك ومرارة الفقد.
ولأنّ الرواية لنا.. وعنّا؛ فعليها، حين نترك مناطقنا الآمنة نحو المجهول، أنْ تفعل مثلنا: تتخلى عن قوانينها وأشكالها الجاهزة،وأن تنحو نحو طرق تُشبه طرق فرارنا الملغومة  المملوءة بالفخاخ حتى لو وُجد من يخوّفنا من فشل التجربة وسقوط النص.
أتساءل أحيانًا: ما الجدوى من إعطاء أبطال رواياتي أسماء ما داموا يعيشون في مدن لا تعني فيها أسماؤهم شيئًا؟ وحتى لو كانوا بيننا، فسنعرفهم بغيرها خوفًا من نقاط تفتيش تُنصب على عجلٍ، لهذه الجهة أو تلك، وتُرفع على عجل. أمّا مَنْ رحلوا،فقد أخذوا أسماءهم معهم تاركين على شواهد قبورهم أرقامًا تُشير إليهم كلّهم، ولا تشير إلى أحد منهم.
ولأنّ الرواية لنا وعنّا؛ فما دمنا نجد صعوبة في الحصول على مائنا ودوائنا، وقليل من هواء نقي يدفع الموت عنّا فترًا.. لماذا على قارئ الرواية وحده البقاء في استرخائه الموهوم مُقلّبًا صفحاتها دون أدنى جهد لجمع شتاتها، الذي هو شتاتنا في مخيّمات اللجوء، ومدنه.. ودوله، وقراءة ما يُخفيه السارد عبر سرده الكاذب أو المموّه؟
في مدننا، المختنقة بطغيان السلطة، المفجوعة بالحروب، والمزهوّة بصور شهدائها؛ المقابر وحدها تتسع، والقبور وحدها تُجدد ويُعاد بناؤها.
وإذا كانت "الحرب تهدّ البناء الروائي وليس أبنية البشر فحسب" كما تقول الروائية علوية صبح، ولأن الأمر كذلك فعلًا؛ فنحن العراقيين أولى الناس بهدِّ هذا البناء والخروج من أطُره؛ لأنّنا نعيش "الحرب منذ أنْ قامت عصا موسى.. وإلى الآن" كما كان أبي يقول.

(*): شهادة قُرأت في ملتقى الرواية الثالث في البصرة يوم 8/9/2018م.

        
* أديب من العراق/  البصرة.