روسي وأميركية في حديقة الشعر الأمامية

شعر: أوسيب ماندلشتام

 ترجمة: المهدي اخريف

 

ما الذي يمكن أن يجمع بين شاعر روسي وشاعرة أميركية؟
لا شيء.. الشعر فقط ربما يستطيع أن يكون جسراً لكي يلتقيا على صفحتنا هذه.. فالشعر لا يعرف دروب الجغرافيا الطبيعية التي تفرق بين المبدعين، هو يعرف فقط دروب الجغرافيا البشرية، جغرافيا الشعر القادرة على جمع الأرواح في حديقتها الأمامية، بعيداً عن حدائق السياسة الخلفية، هذه المختارات للشاعر الروسي «أوسيب ماندلشتام» والشاعرة الأميركية ليندا باستان لا تفعل أكثر من ذلك... رغم أن العيش في تجربة الشاعرين تضيء الكثير من المشتركات.
 هنا، تبوح القصائد بأن الشاعرين يمتلكان من الوحشة ما يكفي لجعل اللقاء ممكناً، بل وحتمياً، فثمة خيط     من الكلام تتنضّد فيه الأرواح، تماماً، كما ينضدّد الشاعر حروف قصيدته.
وحده شبيهي من سَيَقْتُلني
يُعدُّ «أوسيب ماندلشتام» أحد الأسماء الأكثر تمثيلاً للحداثة الشعرية الروسية المدرجة تحت مسمَّى «القرن الفضّي» للشّعر الروسي الذي يشمل حقبة مدتها ثلاثون عاماً: من 1890 إلى 1920. لقد خلق «القرن الفضّي» هذا «انفجاراً» ضمن الشعر الروسي التقليدي، مقترحاً مَسَالك متعدِّدة للبحث عن لغة شعرية جديدة.
ولد عام 1891 في «فارسوفيا» ثم انتقل مع أسرته إلى سان بترسبيرغ. لقد شرب ماندلشتام منذ بداياته الشعرية الأولى من ينابيع الثقافة الأوروبية. من 1907 إلى 1911 قام بأسفار عديدة إلى أوروبا. درس فقه اللغة الرومانية في جامعة إيدلبيرغ. عام 1910 نشرت مجلة «أبولو» بعض قصائده الأولى وفي العام الموالي ساهم في خَلْق مدرسة شعرية جديدة هي «الأوجيّة» مع نيكولاي غوميليوف وسيرغي غروديتسكي، بالإضافة إلى آنا أخماتوفا. وسرعان ما أصبحت «الأوجيّة» واحدة من التيارات الأساسية للحداثة الروسية، خاصة أنها جاءت بمثابة رد فعل على الرمزية الروسية التي ظلت منغلقة داخل تصوفية معتمة ولغة مجرّدة اصطلاحية.
في 1913 ظهرت المجموعة الشعرية الأولى لأوسيب ماندلشتام: «حجر» فاستُقبلت بترحاب نقدي لِمَا تميزتْ به من تميز في الصوت الشعري وغنى في التلوينات الشعرية والموسيقية الحرة. في سنوات العشرينات شعر ماندلشتام كباقي شعراء جيله بأنهم أصبحوا يمثلون في نظر الثورة البلشفية ثقافةً قديمة لا تَصْلُح لبناء المجتمع الجديد. ومع ذلك واصل الكتابة والنشر. فأصدر «هدير الأزمنة» عام 1925 وقبله «تيريسا» عام 1920. وفي 1928 صدرت له أنطولوجيا شعرية هي آخر ما نشر له.
في العقد الثلاثيني اكتسى صوته الشعري صبغة تراجيدية متزايدة، وطغت على قصائده صور الخوف والموت، وترّسخ لديه رمز الكلب- الذئب وهو يرمز للزمن الذي كُتب له أن يعيش فيه. وفي 1933 قام الشاعر بما يمكن اعتباره عملاً انتحارياً: فقد كتب قصيدة «إبلاغ» موجهّة إلى «ستالين» يقول فيها: «نحن نحيا من دون أن نشعر بالأرض تحت أقدامنا...» فاعتقل وحوكم وأرسل إلى خارج موسكو مع منعه من أن يعيش في المدن الكبيرة، ما يعني أنه حُكْمٌ مخفَّف إلى أبعد حدٍّ في الظاهر. فاختار العيش في مدينة «بورينيسيب» جنوب موسكو. قصائده في هذه الفترة أضحتْ أكثر تعقيداً، ولاسيما في قصيدته الطويلة: «أشعار عن الجندي المجهول». في 1938 اعْتُقل من جديد ونُفِيَ إلى الشرق الروسي الأقصى، حيث توفي في 27 ديسمبر من نفس السنة.
وفي سنوات الستينات من القرن الماضي استعاد ماندلشتام الاعتبار الشعري الذي هو جدير به في أوروبا حيث أُعيد اكتشافه من جديد بفضل ترجمات بول تسيلان.
هديتي المتوحشة
أَرْتَجف مِنْ بَرْد
وَدِدْتُ أَنْ أخرس تماماً.
السماء المذهبة ترقص
وتأمرني بالغناء.
تعذّب، أيها الموسيقىُّ القَلِق،
أَحِبَّ، تَذكَّرْ وَابْكِ.
وأَمسك بالكرة الخفيفة
المقذوفة مِن كوكب كامد.
هكذا هو الاتّحاد الحقيقي
بالعالم المُلغز.
يَا لَهُ مِنْ قَلَقٍ خفيف!
يا لَه مِنْ غمٍّ فادح!
وماذا لو بغتةً
ارتجفت النجمةُ المتلألئة
وأنشبتْ في صدري
إِبْرَتَها المؤكسدة؟
ابْتَهِج وُخذ مِن يدي
قليلاً من شمسٍ وقليلاً من عسل،
كما أَمَرْت نَحْلات بِرسفون
لا يمكن فَكُّ القَارب الطليق
لا يمكن سَمَاعُ الظّلِّ الملفوف في الجِلْدِ،
لا يمكن الخلاص من الخوف في الحياة الموحشة.
وَحْدَها القُبل ما تبقَّى لنا
مشعَّرة مثل نَحْلاتٍ صغيرة
تموت عند خروجها من الخليّة.
إنها توشوش في الليل البِلَّوْري،
منزلها هو غابة «تَايغِيتْ»،
غذاؤها، النعناع والزَّمَن.
ابْتَهِج وَخُذْ هَديّتي المتوحّشةْ،
طوقٌ يابس مِن نَحْلاتٍ مَيّتة
حَوَّلها العَسَل إلى شَمْس.
لينينغراد
عدت إلى مدينتي بدموع في العينين
بِحُمَّاي الطفولية، دَمي وشراييني
فلتشرب بسرعة إذن
شراب فنارات هذا النهر
تذكَّر ذلك اليوم من ديسمبر
قطران مشؤوم مخلوط بصِفار البيض.
لا أرغب في الموت بَعْدُ، يا بترسبورغ!
ما زالت هواتفي لديك
ما زلت أحتفظ بالعناوين، يا بترسبورغ،
حيث سأعْثُر على أصوات الموتى
أعيش على السُّلَّم وفي الصُّدْغ
الزَّمن المُقتَلع يُمعن في جَلْدي.
وأنتظر مَدعُوين في الليل،
مُحرِّكاً أصفاد الباب.
الكلب الذئب
من أجل القرون المقبلة.
من أجل العشيرة الإنسانية
على مأدبة الأسلاف
فقدتُ قَدَحي، فقدتُ الكرامة والفرح.
يجرفني القرن العشرون، الكلب الذئب،
لكنَّ دمي ليس دم ذِئبٍ،
غَطّني بالمعطف الدافئ
لِلسَّهْب السيبيريّ...
حتى لا أرى الجبان ولا الطين
ولا العظام المُدْمَاة على العجلة.
طوال الليل سَتَبرق ثعالب زرقاء
بتألُّقها البدائي.
في الليل
خُذْني في الليل إلى إينسي
في الليل
حيث أشجار الصنوبر تحاذي النجوم
لِأنَّ دمي ليس دم ذئب.
ووحده شبيهي من سَيَقْتُلني
ضائع في السماء، ماذا علي أَنْ أفعل؟
يُجيب ذاك الذي بالقرب منه!
من السهل بالنسبة إليكم:
صَوْت تسع أسطوانات دانتيّة.
لا تُبعدوني عن الحياة: إنَّها تحلُم
بأن تقتل ثُمَّ للتوّ أن تُلَاطِف
حتى تنفذ الكآبة الفلورنسية
إلى الأسماع والعيون.
لا تكللوا، لا تُكلِّلوا صُدْغَيَّ بالغار،
قطِّعوا قلبي قطعاً زَرْقاء رنّانة
وعندما أنام،
يا صديق الأحياء جميعاً،
سَيَرنُّ صوت السماء
أعلَى وأعمق في صَدْري البارد.
وجـودٌ هارب
شعر: ليندا باستان
في أعمالها الشعرية يبرز بوجه خاص الرجوع إلى دور الشاعر باعتباره خادماً للجنس الإنساني على مدى مئات الأعوام، فهو الذي يُغذِّي تفكيرنا، ويظهر لنا العالم من خلال منظورات أخرى إذ يجعلنا نُحسُّ به وقد أصبح أكثر كثافة.
ولعل أكبر مُنْجزٍ شعري للشاعرة ليندا باستان يكمن في قُدرتها الرؤيوية التنبؤيّة، انطلاقاً من التأمل أو التذكّر، قدرتها على كشف المحجوب من خلال الحياة اليومية، متفادية كل عنصر تراجيدي.
إنَّ الخاصية الرؤيوية لباستان هي ما يمنح شعرها وزناً وثِقلاً غير معهودين.
ناجمين ليس عن حَدسٍ شعري أصيل وحسب وإنما عن وعي دائم بوجود هارب أيضاً.
أخلاق
منذ سنوات بعيدة كان مُدَرِّسُنا
في مادة الأخلاق يسألنا مطلع كل خريف: إنْ شبّ حريق في متحف ما الذي سَتُنقذونه؟
لوحة لرامبرانت
أم امرأة عجوزاً ليس أمامها غير سنوات معدودة تعيشها؟
نافدي الصبر على المقاعد القاسية
لم تكن تهمنا اللوحات ولا العجائز.
في السنة الأولى اخترنا إنقاذ العجوز،
في السنة الموالية انْحَزْنا للفن
ودائماً بقليل من الحماس.
أحياناً كانت العجوز تبدو بملامح جَدَّتي
وقد تركت المطبخ كي تتجول
في متحفٍ مُوحِشٍ يصعب تخيّله.
في سنة لاحقة أجبْتُ، معتقدةً
أنني في منتهى الذكاء:
لماذا لا نترك للعجوز
الحقّ في اتخاذ القرار؟
ليندا، قال لي المُدرِّس، تَفَادَيْ
عِبْء المسؤولية
في هذا الخريف، وقد أصبحت عجوزاً تقريباً
أنا نفسي، أَجِدني في متحف واقعي
أمام رَامْبرَانت حقيقي.
داخل إطار اللوحة تبدو الألوان
أشدّ قتامةً من الخريف،
وحتى من الشتاء،
رغم أن العناصر الأشد لمعاناً
تضطرم في اللوحة.
الآن أعرف أن المرأة واللوحة والفصل
تشكِّل شيئاً واحداً
وجميعها موجودة بعيداً عن إنقاذ الأطفال.
***
في نافذتي
فَكَرت كثيراً في الثلج،
في التغرُّب الأخرس لجميع
تلك النُّدَف الثلجية
وفي التطوُّحات المعتمة
للأوراق
رصدت الأشياء طوال
أربعة فصول كاملة
فرأيت كيف تنبض نفس الطريق
عبر نفس الغابات
مرّة تلو أخرى.
اعتدتُ ركوب قطارات بلا نهاية،
تاركةً مسارات السكك والمسافات
تأخذني حيث تشاء.
أبحرت على متن سُفن عديدة
تاركة إياها تأخذني عَبْر الشمال الاعتباطي
واليوم أمكثُ بلا حراك
إزاء نافذتي،
أنظر إلى الثلج
الذي لا يعرف غير وجهة وحيدة:
أن يسقط في صمت
باتجاه الصمت.
***
ثمت قصائد
ثمت قصائد لا تُكتبُ أبداً،
تظل تتحرك
فقط من ناحية إلى أخرى في البال،
مثل كتابة أثيرية
في نهار هادئ.
الكلمة الأولى ببطء
تنقاد نحو الغرب.
الكلمات الأخيرة تذوب
في اللسان
ومَا تتركه
هو الزرقة الخالصةُ
للحدس،
بلا غيوم ولا سَلْوَى.
 
عن " الاتحاد" الإماراتية.