"رُعب" يسكن الروائي رَبعي المدهون في حضرة البلاد وتحدّي الإبداع

أسامة العيسة*
 
- مرعوب..!
 
أجابني  الروائي ربعي المدهون بهدوء لا يتسق مع ما يجيش في داخله مِن أفكار، عندما سألته عن شعوره وهو مُقدمٌ على كتابة عمل أدبي جديد، بعد نجاح روايته "السيدة من تل أبيب".
 
كنّا، أنا ورَبعي، والروائي الحائر، نقف في ليل بيت لحم، على مفرق شارع النجمة التاريخي في المدينة، وأمامنا تتلألأ أضواء القدس.
 
بالقرب منا تنطلق أناشيد، وأهازيج وطنية مِن مقر مرشح للانتخابات البلدية، التي أثارت على الأقل سخرية صديقنا الروائي الحائر، الذي يبدو انه شرب كأس نبيذ زيادة، فرقص مستخفا بالانتخابات. وهو ما نفاه بشدة.
 
كنّا صاعدين مِن مدينة بيت ساحور، بعد أمسية نُظمت لربعي الاتي لما تبقى مِن أرض الوطن مِن لندن، في مطعم القلعة الذي يديره كاتب ومثقف مضياف هو مجدي الشوملي.
 
وكان مِن حُسن حظنا انه في موعد أمسية رَبعي، كانت حركة فتح في بيت ساحور تحتفل بإطلاق أربع كتل انتخابية تخوض الانتخابات باسمها، بعد فشلها كحزب حاكم في ترشيح كتلة واحدة، فاعتذر كثيرون عن حضور الأمسية لحضور هذا المهرجان، والانشغال بالانتخابات، مما وفر الفرصة للعدد الصغير الذي حضر الندوة، أن يحقق الاستفادة القصوى مِن هذا الآتي من عاصمة الضباب ليرحل سريعًا.
 
أخذ رَبعي الأمرّ بجدية كعادته، وبدأ بتفكيك عملية "طعم الفراق" و"السيدة من تل أبيب" مع تركيز على الرواية الأخيرة، رغم أن "طعم الفراق" تحوي نفسًا ملحميًا عن حكاية أربعة أجيال فلسطينية، إلاّ انه لسبب غير مفهوم بالنسبة لي، كان تركيز ربعي أكثر على روايته التي رشحت للقائمة القصيرة لبوكر العربية (2010).
 
يُدرك رَبعي صعوبة حفر الروائي الفلسطيني في حقول السرد، على درب كُتّاب كبار: "جبرا ابراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وغسان كنفاني، مرجعية  يجب أن لا نحولها إلى أصولية".
 
"السيدة من تل أبيب" هي طفلة رَبعي المدللة، التي حملت اسمه إلى جغرافيات متعددة وبعيدة، كما روى، وجعله يتساءل: ماذا خلف هذه الرواية حتى وصلت إلى هذا الجمهور الواسع؟، ولا يتسلح رَبعي بالتواضع أبدًا في ما يخص هذه المدللة، ولا ينتظر النقاد ليشيدوا بروايته، فهو يعتبرها مميزة، ويدل على بواطن ذلك التميز.
 
ولمحاولة الفهم، عرض ربعي لمحطات حياته: "التجربة القت بظلها على السرد"، العمل الصحافي، البحث، والعمل التلفزيوني، وتقطيع الصور، والقراءات، والجغرافيات، والموسيقى، والشاهد الفاعل على مجازر وتفاصيل في حركة المقاومة الفلسطينية.
 
عندما عاد رَبعي، الى غزة، كما هو حال بطله وليد دهمان بعد 38 سنة، تساءل: مَن أنا؟، هل ما زلت أنا؟ ومن هنا ظهرت مسألة الهوية- قال رَبعي.  
 
تحدث في الأمسية، أيضًا، صالح أبو لبن عن روايته المرتقبة "البيت الثالث"، والدكتور قسطندي الشوملي عن كاتب تشيلي من أصل فلسطيني يكتب بأسلوب جيمس جويس، ومجدي الشوملي عن التطبيع.
 
بعد الندوة، وبعد ان سخر الروائي الحائر مِن الانتخابات ورجالها، مشينا في شارع النجمة، الطريق التقليدية لمرور البطاركة الى كنيسة المهد. الذي يُعد مِن أقدم شوارع مدينة بيت لحم، ويطلق على هذا الشارع المميز بمنازله وطرقه القديمة، حارة التراجمة نسبة لمترجمين تعود أصولهم للصليبيين، والذين تزوجوا عربيات مسيحيات.
 
وصلنا ساحة المهد، وأخذنا معنا كؤوس القهوة البلاستيكية من بائع القهوة في الساحة، وجلسنا على الحجارة الرومانية المتناثرة أمام كنيسة المهد، إحدى أقدم كنائس العالم، والتي يُعتقد ان المسيح ولد فيها، وأمامنا، على مدى البصر، تظهر أضواء مسجد عمر بن الخطاب.
 
بين الكنيسة والمسجد، هُدرت أعمار، وأزمان، مثقلة برموز عن الوحدة الوطنية، والأديان، لكن هذه المدينة التي أعطت هوية لشعوب أخرى، ما زالت تبحث عن هويتها.
 
انهينا القهوة والحديث. كان الليل يتقدم بسرعة، عدنا مشيًا عبر شارع النجمة، عزمنا (دعانا) المحقق الصحافي سعيد الغزالي، على الفرن الشعبي لنتناول الكعك المحشو بالجبن، وهو ما فعلناه بشهية، رغم اننا لم نكن جوعى بما فيه الكفاية لالتهام الكعك المميز لبيت لحم والقدس. وزاد رَبعي بتناول بيضة مشوية قدمها له العاملون في المطعم احتفاءً به.
 
كان يوم ربعي في بيت لحم، على وشك الانتهاء. قبل ساعات كنّا في قرية الولجة، نتفيأ زيتونة البدوي، التي عمرها 3500 عام. شربنا قهوة سادنها صلاح ابو علي، التي صنعها على النار الهادئة.
 
المناظر الخلابة لقرى جنوب القدس المحتلة عام 1948، والتي تبدو من المكان أكثر من مؤثرة، وكذلك اقتراب أعمال الجدار الفاصل يطوق الشجرة.
 
هذه العيون، والغابات، والجبال، خاصرة القدس الجنوبية، لم يربحها الإسرائيليون في معارك 1948، وإنما على الخرائط، هناك في فندق الوردة البيضاء في جزيرة رودس، ليصبح قطار القدس- يافا الذي يتلوى في وادي الصرار، مثيراً لمخيلة الفلاحين العرب، بمثابة خط هدنة.
 
- قد لا نستطيع المرّة المقبلة ان نصل هذه الشجرة..الارض تُقضم كل يوم..
 
 
بسبب ضيق الوقت، وربما لأسباب اخرى، اعتذرنا لأصحاب عرس، يحتفلون محاصرين، عن تناول (الجريشة)، الوجبة التقليدية للأعراس الفلسطينية التي يعود الاهتمام بها من جديد، وفضلنا، حسب سعيد الغزالي، تناول الغذاء في مطعم قعبر في بيت جالا ذي الصيت العالي.
 
جاء رَبعي إلى البلاد تحضيرا لعمل أدبي، لم يكشف عنه، لكنه أدرك مثل أي كاتب يأخذ حرفة الأدب على محمل الجد، أهمية البحث الميداني.
 
يدرك ربعي أن التحدي الذي يواجهه، هو مقارنة أي عمل جديد، بالسيدة من تل أبيب، التي أرادها جديدة في كل شيء. لذا قال:
 
-أنا مرعوب..
 
وأنا أيضا يعيشني رُعب مقيم، كانت بيت لحم، تستعد للنوم، ليلة أخرى في ظل الاحتلال، احتلال طال أكثر مِن اللازم، ويبدو أنه لن ينتهي. ماذا تعني ليلة أخرى في ظل احتلال؟ عمري كله عشته في ظل الاحتلال.
 
سألني صلاح أبو علي لاحقاً عن أخبار ربعي، كما سألني سابقا عن غنّام غنّام، وعن آخرين كثر يأتون الى البلاد، ويغادرون تاركين روائحهم تدل عليهم.
 
* أديب من فلسطين.