زمن الرجل الآخر

محمد الأحمد*

 

لم أكن أدري إلى أين ستصل بي الخطوة التالية..
بقيت أستمع دون تركيز لما تقوله بتواصل كسير عن خسارتها الحياتية، كنت شارداً مع تلك التي صيرتني أتابعها بشغف مُسكر متداخلة بالظلال المتدرجة، وكأنها لم تكن ظلالاً متتابعة بتسلسل، فحسب. وإنما ملحقة بصور مليئة ابتدعها فنان مقتدر يعرف إمكانية ريشته الطيعة فأعطته بيسر ما لم تعطه لغيره. 
كانت الظلال أداته البالغة، ولم تكن له أية أداة غيرها تثبت مقدرته، فأعطى عالماً متكاملاً.. فيه النقاء، ونقيضه. عالم تكدس في عمق عميق، وانتشر في بُعدٍ مكين.. كنت أقول لها، ما لم يكن بذهني. كأني افتعل سماعها وإصغائي وأنا ليس كذلك. كان ذهني مفتوحاً إليه، وحده.. ذلك العمق الذي لم تكن تريد أن تطلعني عليه، كأنه ثالثنا ويضحك عند كل هروب ضحكة رنانة تجلجل في الفضاء المغلق،هادرة بحلاوة واثق مقتدر، يدري أين تحل به القدم. بدت لي أجمل الضحكات على الإطلاق.
بقيتُ أتأمل الخطوط المتقاطعة، المترابطة مع أخرى غيرها، وهي تشكل جملاً تقول، ولا تصمت. أتأمل الخطوط التي لم تكن خطوطاً ظاهرة، وحسب.. بل كانت حقيقة شاخصة استطاع بمقدرة العارف أن يعطيها ببروز معاني كبيرة، عصية، قريبة إلى الخطوط التي ترسمها اليد المجردة من الفرجال أو المسطرة.. كأنه قد رسم العصي الدقيقة، وأغمسها في الحبر، ولم يكن قد وضع عاكسة ضوء في مكانٍ ما فأشرق بدرجة قياسية جعل الفرح غامراً، وأعطى للعصا الواحدة ظلاً عميقاً، افترش أمامي عالماً مشوقاً تنتظرني قراءته، وحقاً كنت أحدق غير مصدّق، منغمساً في محاولة اكتشاف ما بدا لي واضحاً.
بقيتُ مجموعة أخرى بين أصابعي أقلبها كأني قد درست هذا الحيوان البحري الذي بدا شوكي الجلد، نجميّ الشكل رابضاً بين الصخور عند السواحل الرملية، ومن دقة الصورة استطعت أن أرى بوضوح سطحين: سطح علوي داكن يسمى السطح الظهري، وسطح سفلي فاتح اللون هو السطح البطني، ويدعى أيضا بالسطح الفموي، ويحتوي السطحان على أخاديد الحركة، ومنهما تخرج مجاذيف على شكل أذرع. 
راحت تفتعل عدم المبالاة بالذي سحرني وتعدّ نفسها إلى ما تريد، تركتني أحاول اكتشاف الكيفية الذكية لهذا الإنسان الذي لم أعرفه، كالمبهور بصدق وإعجاب إلى ما عمل به.
صورة "يوغلينا" تتكاثر بطريقة الانشطار الطولي البسيط، فيها نواة منقسمة الى نواتين، والسوط مكوناً سوطين، وكذلك البلعوم والمخزن، ثم انقسام الجسم طولياً ويكون فردين مستقلين. وصور أخرى لديدان مسطحة، حيوانات ملساء مضغوطة من السطحين. ديدان دقيقة الملامح، كأنها ديدان شريطية وحيدة الجنس. بقيتُ أحدق في صورة تالية لجسم "الهايدرا" في المياه العذبة، وهي ملتصقة من قاعدتها على أوراق وسيقان النباتات المائية. لقطات أخرى لشعب مرجانية، وشقائق البحر متناثرة بشكل غابات بديعة نامية في قيعان المحيطات، أحياء مجهرية، لن تهم إلا مختصاً في علم الأحياء، نماذج متناهية في الصغر، كبرت، وصارت حية بالغة الدقة.. وثمة أخرى لحشرات بنية اللون تكسو جسمها طبقة من مادة خضراء كأنها لزجة لشدة وضوحها، يتراوح طول الواحدة من 3 الى 5 سنتمترات لها رأس وصدر وبطن. 
لم أر ذلك الرجل، ولم أتعرف عليه قالت إنه فضّ التعامل، يصعب عليها التفاهم معه، كل ذلك بسبب عدم قدرته معها على الإنجاب. بقيت الدمعة تنزل وراء الأخرى كلما كانت تروي لي بعضاً من سيرته. عرفت منها بان زواجهما كان تحدياً بعد قصة حب عنيف، لكنه تغير إلى ما لا تستطيع أن تصفه بعد أن كان وديعاً وودوداً، وتفوح منه رائحة (الهايبو 1).
أراه الآن في صورة فوتوغرافية علقت بنسخ عدة هنا، وهناك على الجدران، بلحية اشرأب بياضها بصفرة الغليون الذي رسم دخانه دوائر محلقة بتسلسل منظم، وقد غطى عينيه بنظارة سوداء قاتمة، فلم استطع أن أدقق بملامحه. 
- مثله يبقى خالداً بفنه. 
صور ما قدرت على عدّها، ملأت أرجاء البيت، موضوعات حية لا تحتاج أي تعليق، يعرف حدود عدسته، ومساحتها.. فاقتطع عاملاً كاملاً، له العمق الفاعل بأكثر من الكلام. كأنه يدري كم هي مكلفة الأسئلة، فأجابها دون عناء مشكلة عمقاً حقيقياً لما أردت السؤال عنه، فكل مجموعة وثقت مرحلة من حياته، ومنجزه العبقري العظيم. 
- ألهذه الدرجة يعشق الصور؟ 
سألتها عندما خرجت إلي بكامل زينتها كأنها أوشكت أن تبوح بكل شيء، وان تكشف العمق المجهول لذلك الزمن الذي تجمد ، لكنها لم تفعل سوى أن تمط شفتيها بسخرية، وتدخل إلى المطبخ. أردت سؤالها عن المرأة التي لا تشبهها وبدت لي حاضرة في اكثر من مجموعة.. جعلني ذلك عاجزاً عن كل شيء، بقيت انتظر، وكان هو يضحك بتواصل كأنه يواصل قوله: 
- قبضت على الزمن، أوقفته في تلك العلبة التي أسميناها كاميرا.
وقفت عند صورة كأني اعرف المكان الذي التقطت فيه، وكأني عشت فيه مدة طويلة، ولي فيه ذكريات عميقة أردت أن أجد فرصة للتذكر، لكنها أطلقت ضحكة مفتعلة قلقلت اتزاني، كدتُ أحلّق في مدى الفضاء المفتوح المكبّل بطوق فراشات ملونة تسعى إلى احتراقها. شعرتُ كلما حولت نظري إلى حلاوة هذا البيت، بنظامه وحلاوة مقتنياته. عرفتهُ نبيلاً، وإنسانيا كامل الحضور في كل غياب. 
أوشكت على التراجع. لكنها حضرت من المطبخ في اللحظة الأخيرة تحمل قدحاً من عصير الليمون، قبل أن انسل كاللص من هذه الصومعة، وأترك كل النزوات الى من يقدرها بأقل قيمة من الإنسانية التي رأيتها، حدجتني بنظرة عتب مرير، وهي تقول:
- عليك إبدال ملابسك.. 
بقيت كالحائر وجوفي يلتهب عطشاً، لا ادري من أين تبدأ الخطوة، وأنا انظر الى نفسي كأنني اكتشفها مع هذه المرأة في بيت مغلق. كانت تحدثني بأنها اشترت ملابس كثيرة، وبضمنها ملابس أطفال لمختلف المراحل، وراحت كالطفلة تخرج لي لعبها، وهي تضحك بسعادة عفوية كأنها في حلمٍ يتحقق.. كنت انظر إلى صور صقور تنقض من أعالي شاهقة على فرائسها، وجبال جليدية بيض منعكسة على الماء، وشكلت مثلثاتها معينات زخرفية بديعة. أطفال سعداء يذهبون إلى المدارس، مكتبة في قبو عميق بدت كأنها تحمل ألغازا، تغري بالقراءة، تغري بالاكتشاف. امرأة يحتضنها زوجها وتنظر بطرف عينيها إلى آخر، طبيبة تستأصل جنيناً عمره ثلاثة اشهر، امرأة ميتة في المستشفى، قبل الولادة، ومعها الجنين. 
- حتى علبة الحليب والرضاعة.
  وفتحت دولاباً، كان مليئاً بلعب الأطفال، وهي تتقافز متراقصة كالمهووسة.
- أحقاً سيكون لي طفلاً، وسأهبه كل هذي اللعب؟.
 بينما بقيتُ أنا وجلاً لا أدري ماذا سأفعل في الخطوة التالية. تقدمت مني ضاحكة بضجة أوشكت أن تستفز فيَّ همجيتي. 
عيناها واسعتان، وشفتاها قرمزيتان مليئتان بهمس خفي، فقلت: 
- كيف تجرأتِ على إحضاري إلى هنا .
-أنت خائف؟. ..
لم أكن كذلك، ولكن الصمت استمر يملأ الفواصل، وبقيتُ انظر إليها، قامتها الهيفاء ببعد أهيف يستفزُ الدم في العروق، ويضج بها ضجيجاً يهددها بقسوة. أوشكت أن اقترب، لأمزق ذلك الاحتدام الصاخب، ولكني اكتفيت بلمسة يدها التي تفيض دفئاً شهياً. وعيني معلقة الى صورة انتظمت بتناسق فني رائق ، فقلت : 
- أود أن نغير المكان. 
أخذتها من يدها، ودخلنا إلى غرفة أخرى وفي الغرفة صارت أمامي صورة جدارية (2 × 5م) أسندت إليها سرير النوم.. من اليمين عازف بيانو أشعث الشعر، مقطب الحاجبين بقسوة أب مؤنب. لم أتأكد من الوهلة الأولى بانه بتهوفن، وإلى جانبه باخ  يضع قوس الكمان على صدغه كأنه ينتظر إشارة بدئه بالعزف وآخر لم اعرفه يحتضن آلة التشيلو العملاقة جالساً على طرف الكرسي دون ان يستند اليه، وخلفه بليغ حمدي يدخن سجارته، وأغلق عينيه بقوة. بينما جواد سليم، وبيكاسو كانا ينظران بدقة إلى عمل كل منهما، كأنهما يتبادلان الرأي بالإيماءات.. وبقي كازنتزاكي يوزع ابتسامته الضيقة بين نجيب محفوظ، والزوج الذي ميزته القبعة، والنظارة الداكنة. ولم اعجب بتفاوت العصور التي عاشها هؤلاء الفطاحل في تلك اللحظة التي جمعتهم مع العشرات من الذين لم اعرفهم ، وإنما عجبت بذلك التداخل العميق، وكأنه النقطة التي يلتقي بها الزمن عندما تصبح الكتلة صفراً ، بعد أن انطلقت بسرعة الضوء نحو الأعلى وعادت إلى مكانها. بقيت أرنو ورغم ذلك بقيت ضحكته تجلجل خلفنا حتى وليت الأدبار خارجاً دون أي عذر.

 

1- حامض يستخدم لإظهار الصور الفوتوغرافية.
 
* قاص وروائي من العراق، بعقوبة/دهوك.