سخرية جحا الإيجابية ونقد القيم..

محمد عرفات حجازي* 

 
 تعتبر شخصية جحا من الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ العربي والإسلامي، إذ يتراوح ما بين الحقيقة والأسطورة، في حين يصعب التأكيد بشكل دامغ على مصدر هذه الشخصية: من أين بدأت تحديدًا، ولمن تنسب، حيث تتعدد الروايات حولها وتتناسل الحكايات.
 يتوالى ظهور الشخصية الجحوية التي تروي الطرائف وتنطلق بالنوادر المضحكات في أغلب الآداب العالمية تقريبًا، فهو معروف في الكوفة، وفي اليمن، ومصر، وجحا التركي، كما عرف في الأدب الفارسي، وألمانيا وغيرها.. وقد اشتركت هذه الشخصيات الجحوية في إبراز التناقض الذي تحفل به النفس الإنسانية، ونسب إليها من الطرائف التي كانت في حقيقتها تعبيرًا عن آراء منتحليها، وأفكارهم أكثر من نسبتها إلى هذه الشخوص الحقيقية، ومع مرور الزمن، اختلطت هذه النوادر وأصبح من الصعب التمييز بين الأصل والتقليد.
 ويمكن القول: أنه لعل تعدد شخصيات جحا في بلدان مختلفة دلالة على ذلك الوجود الحقيقي لتلك الشخصية، وهو أمر منطقي في النهاية بالنظر إلى أن السخرية كانت وستظل دائمًا أقصر وأذكى الطرق لتمرير النقد اللاذع.
 لقد ربط باحثون ظهور شخصية جحا بالعصور التي اشتدت فيها الصراعات القومية، وذهب محمد رجب النجار في كتاب "جحا العربي" إلى أنه في ضوء هذه المتغيرات ، وما تفرزه من تناقضات خاصة في عصور الكبت السياسي والقهر العسكري والقمع الفكري، يصبح استدعاء الرمز الجحوي محاولة شعبية للتغلب على تلك التناقضات من ناحية، أو مقاومة الانحراف والتسلط من ناحية أخرى، وتصبح النكتة ذات وظيفة سياسية أو اجتماعية مباشرة، غايتها النقد السياسي أو الاجتماعي. لذلك لم يكن غريبًا ولا عبثيًا أن يربط الوجدان الشعبي بين نموذجه الجحوي وتيارات الحياة العامة السياسية والاجتماعية، وأن يقول رأيه على لسانه في ما يدور حوله من أحداث.
 وقد ذهب الباحثون إلى إدراج نوادر جحا تحت ما يسمى بـ "السخرية الإيجابية"، فكل منها يدور حول سلبية تكشف عيبًا أخلاقيًا أو سلوكيًا يحاول المرء إخفاءه، لكنه ما يلبث أن يكشف عنه في زلة لسان، ولا يتوقف الأمر عند السخرية من الآخرين، بل يمتد إلى سخرية جحا من نفسه، وهو ما نجده كثيرًا في نوادره التي يبدو فيها متحامقًا أو متكاسلًا أو أنانيًا بخيلًا حتى على أقرب الناس إليه، الأمر الذي يمكن اعتباره تقنية روائية متقدمة، تشبه الوقوف أمام نفسك في المرآة لترى عيوبك من خلال شخصية البطل في كتاب تقرأه.
 لقد عاش اسم جحا عبر العصور لأن نوادره تكشف النقاب دائمًا عن حقيقة النفس الإنسانية، وتتجلى في شخصيته كل مواطن التحرر من القيود والتقاليد المقيتة التي تمنع من مواجهة الحقائق، واستخلاص الحكمة المصفاة ولو بشيء من الغفلة الظاهرة من جانبه.. عاشت نوادر جحا لأننا لو جردنا هذه النوادر من الأشخاص والأماكن فحتمًا سنجد فيها شبيهًا في كل عصر. عاشت نوادره الضاحكة لآن الضحك يجدد نشاطنا، ويرفع معنوياتنا ،ويعيد ثقة المرء بنفسه وفقًا لتحليل الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون لوظيفة الضحك.
 إن المنهج الساخر في نوادر جحا يكشف عن بنية الحكيم الذي يهزم صرامة الواقع وصلفه بالانتباه، والذي بدلًا من أن ينسجم مع هذا المألوف، يعمل على تهشيمه وتعريته بالسخرية منه. وبذلك فإن هذه الشخصية تعبر عن الناقد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن بأسلوب ساخر ضاحك، ذلك الذي يهون على الناس ما يعانون..
 لقد طالت سخرية جحا وتهكماته ونقده كافة أشكال ومظاهر الحياة، فسخر من الخطاب الديني السائد وقتذاك، وهزأ من الثقافة والعادات الاجتماعية المنتشرة، وعبر أحيانًا عن سخريته من رجال القضاء وتكبّر السلاطين، كما طالت سخريته عادات الأفراح وثرثرة النساء والخيانة الزوجية وتطاول الزوجات على أزواجهن.. وغيرها الكثير.
 سخر جحا ممن يحكمون على الناس بالعلم من خلال المظهر فقط؛ حيث عرض عليه رجلًا كتابًا بالفارسية ليقرأه له، فتعلل جحا برداءة الخط، فقال صاحب الكتاب: فعلام إذن تضع العمامة فوق رأسك؟، فخلعها جحا وقال له: هذه العمامة فاسألها فإنها صاحبة العلم الذي تبتغيه..
 كما سخر من سرعة تصديق الناس لمن يعظهم، عندما جلس يأكل على قارعة الطريق وسخر منه أحد المارة بأن هذا لا يليق بمكانته أن يراه الناس يأكل، فأجابه جحا بأن هؤلاء الناس ليسو بناس بل بقر، وأسرع جحا وارتقى الأرض ونادى بأعلى صوته أنه واعظ الناس، ولما أقبلوا، قال: أيها الناس أنتم حطب جهنم يوم القيامة، فما بقي أحد منهم إلا وقد انحدرت دمعة على خده، ثم أفاض عليهم بحكمته الباهرة حتى قال: لقد جاء في الكتب أن من أخرج لسانه، فضرب به أرنبة أنفه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. فما لبث كل واحد منهم إلا وقد أخرج لسانه محاولًا أن يضرب أرنبة أنفه، وهذا إنما يدل على الجهل العام وسرعة التصديق وإلغاء العقل في تمحيص ما يصل لمسامعنا..
كذلك فقد سخر ممن لا يعبدون الله إلا في أوقات الشدة، أو التدين الشكلي والبعد عن روح الدين؛ حيث هبّت يومًا ريحًا شديدة، فأقبل الناس يدعون ربهم بالتوبة، فصاح فيهم: يا قوم.. لا تتعجلوا بالتوبة.. إنها زوبعة فقط.
أيضًا، فقد احتوت نوادر جحا جانبًا كبيرًا من ثقافات وعادات المجتمع، وسلوكيات البشر؛ فنراه ساخرًا من الأندال. فقد حضر إليه رجل يبدو عليه الجبن والندالة، وقال له: لقد رأيت رجلًا يقبّل زوجتي فماذا أفعل به؟، فقال جحا: لا تصنع شيئًا.. واطلب من زوجتك أن تقبّله كما قبلها، فإن المثل يقول: والجروح قصاص.. وفي هذا نقد صارخ وسخرية حادة ممن لا يملكون أدنى غيرية على أعراضهم. كذلك فقد انتقد البخلاء (خذ وليس هات)، وانتقد التسول؛ حيث وقف شحاذ ببابه وجعل يقول: رغيف لله.. حسنة لله... فأطل جحا من النافذة وقال له: اذهب يا ملعون.. أطلب منك الله أن تطلب هذه الأشياء؟!.. كذلك فقد سخر من الاستخفاف بالآخرين (بيض الديك)، كما سخر من عادة الناس في لبس الأسود حدادًا على موتاهم (المرحوم بدجاجة/ والد ابني)، كما انتقد وسخر من تجسس الجيران على بعضهم البعض (رائحة الأماني)، كذلك فقد سخر من الانجراف وراء الشائعات، أو ما يمكن تسميته بأوهام السوق؛ حيث وقع أحد الناس مغشيًا عليه، فغسلوه وكفنوه وحملوه إلى النعش وساروا به.. وفي الطريق أفاق الرجل وصاح في جحا طالبًا منه أن يخلصه.. فقال جحا: عجبًا.. أأصدقك وأكذب كل هؤلاء المشيعين؟
ومن جانب ثالث، فلم تسلم السلطة الحاكمة من سخرية جحا، فنراه يسخر من الفكر الديني للأغنياء أو موقفهم من العبادة (صَلّ من أجلي)، وسخر من تكبر السلاطين (منزلة الأكابر)، أيضًا سخر من نفاق وخداع رجال القضاء (جبّة السكير).
علاوة على ما سبق، فقد حظيت المرأة (الحماة/ الزوجة/ الأم) بمكانتها من سخريته الباسمة. فقد سخر من سلوكيات وأفعال الحماة (مساء الخير)، وتطاول الزوجات على أزواجهن (اشتمي بلغة أخرى)، ونقد تقصير الأم في تربية أبنائها (عجل سيء الأدب)، كما سخر من الأسباب والعادات التي تؤدي لخيانة الزوجة (متى ينجب ابن الثمانين)، كما عالج ثرثرة النساء (الطريقة الوحيدة).
أخيرًا وليس بآخر، فقد انتقد جحا التنجيم والمنجمين (جحا والمنجم)، كذلك فقد سخر ممن يلهثون وراء الطالع والأبراج الفلكية؛ حيث سألوه يومًا: ما هو طالعك؟، فقال برج التيس.. فقالوا: ليس في علم النجوم هذا الاسم.. فقال: لما كنت طفلًا علمت أن برجي الجدي، والآن قد مضى على ذلك أربعون عامًا فلا شك أن الجدي من ذلك الوقت قد صار الآن تيسًا!!..
لقد امتازت شخصية جحا الفذة بالتعبير عن حكمة فقدان المعايير الصحيحة في المجتمع، وسخريته من بعض الكبراء الذين لا يستحقون المكانة التي وصلوا إليها. وكان حكيمًا من الحكماء؛ لأنه اكتشف بطريقته العبقرية أن الإنسان في مواجهة أعباء الحياة لا بد أن يتحلى بالضحك وروح الدعابة.
إن جحا تراث يؤثر الحكمة أينما وجدت وما أحوجنا إليها الآن.. ونوادر جحا فيها بلاغة إذا استنطقتها، وإمتاع يعمر النفس، وجدّ يحتمل الهزل، وتناقض لا تخلو منه النفس..
وأخيرًا، ونحن إذ نبحث عن أخلاقنا وقيمنا النبيلة المفقودة، لا يسعني إلا أن أذكر جحا حينما ضاع حماره وأخذ ينادي في الناس: من وجد حماري فليأخذه.. فقالوا: إذن لماذا تجهد نفسك في البحث والسؤال عنه؟، فقال: لأن العثور على المفقود لذة لا تعدلها لذة.     
 
* باحث أكاديمي مصري.