سيد البحراوي ناقدا للقصة القصيرة: خصائص القص لدى يحيى الطاهر عبدالله

عبدالجبار العلمي*

عرفنا الدكتورسيد البحراوي ـ رحمه الله ـ دارساً متخصصا في إيقاع الشعر، وعرفناه محققاً ومترجما ومبدعا لفني الرواية والقصة القصيرة ، كما عرفناه ناقدا رصينا وأستاذاً جامعياً مرموقاً . ساهم بنقده في مختلف الفنون الأدبية ومنها القصة القصيرة.  ومن دراساته التي أتيح لي الاطلاع عليها بعد رحيله ، في إطار البحث عن جهوده في المجالات التي كتب فيها ، دراسته القيمة الموسومة بـ" يحيى الطاهر عبدالله ، كاتب القصة القصيرة " ، المنشورة في مجلة " الكرمل " ، العدد الثامن ، سنة 1983   . 

في البداية يتحدث سيد البحراوي عن قدوم يحيى الطاهر عبدالله من الكرنك إلى القاهرة سنة 1958 ، وهو لا يحمل معه بطاقة هوية إلا هوية " كاتب قصة قصيرة " ، فبالنسبة إليه " ما يهمه هو أن يحمل الإنسان إنساناً ، وليس بطاقة شخصية " لذلك حين التقى بـيحيى حقي وبشكري عياد في أواخر الستينيات ، عرفهما بنفسه بهذه الصفة ( كاتب قصة قصيرة ). ويشهد الباحث وكل من عرف يحيى أنه عاش يكتب. ويذكر سيد البحراوي في تقديمه المقتضب لدراسته أن يحيى الطاهر عبدالله كان يتميز بميزتين : أولاهما أنه كان يحفظ قصصه عن ظهر قلب كما يُحفَظ الشعر ، وهو ما يرويه عنه يوسف إدريس وخيري شلبي / ثانيتهما : عشقه القصة القصيرة والإخلاص لها ، فقد ظل عالقاً في شباكها لا يمكنه الفكاك منها إلى الرواية وإن حاول ذلك ، ( له رواية واحدة قصيرة هي " الطوق والإسورة " ) . والحقيقة أن سبب اختيار جيل كامل " أدباء الستينات " الذي ينتمي إليه يحيى الطاهر، فن القصة القصيرة ، هو اعتباره الشكل الفني الأنسب للتعبير عن هموم هذا الجيل الذاتية والاجتماعية والسياسية ؛ فقد عاش هذا الجيل أزمات حادة مر بها المجتمع المصري  ، ولاسيما بعد هزيمة يونيو 1967 . لقد كان الدافع إلى اختيار هذا الجيل القصة القصيرة  ، كما يرى الباحث ـ كشكل مفضل ، دافعاً اجتماعياً بالدرجة الأولى ، ودافعاً فنيا بالدرجة الثانية ؛ ذلك أن عنف الأزمة ، فرضت عليهم تجارب خاصة لم يكن ليناسبها إلا هذا الشكل القصير المكثف المتوتر( انظر ص : 304 و305 من الدراسة ) . 
تحيط الدراسة بأربع مجموعات قصصية ليحيى الطاهر هي : - " ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً " ، 1970 - " الدف والصندوق " ، 1974 - " أنا وهي وزهور العالم " ، 1977 - " حكايات للأمير حتى ينام " ، 1978 .
ويشير الكاتب ، فضلا عما سبق ، إلى حوالي ثلاثين قصة لم تجمع بعد في كتاب ، يدخل بعض منها في دراسته ، وهي التي تتضمنها الكتابات الكاملة ليحيى الطاهر عبدالله الصادرة عن دار المستقبل العربي ، القاهرة في طبعتين آخرها سنة 1994،  تحت إشراف عطيات الأبنودي وحسين حمودة. وتضم المجموعة الكاملة بالإضافة إلى الأعمال المنوه إليها أعلاه ، المجاميع القصصية التالية : " حكايات على لسان كلب " - تصاوير من التراب والماء والشمس - الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة " وروايته القصيرة " الطوق والإسورة ". 
يقسم الباحث دراسته إلى قسمين أساسيين هما : 
1 ـ المتن الحكائي في القصص المدروسة : يرى الكاتب أن هذه القصص جميعها تدور أحداثها في فضاءين : 
أ ـ فضاء القرية ( كما هو الحال في " الدف والصندوق " ، وفي كثير من قصص ثلاث شجرات صغيرة ).
ب ـ فضاء المدينة ( ونجد ذلك في " أنا وهي وزهور العالم " و " حكايات للأمير " وبعض قصص ثلاث شجرات ... ) ، وترصد عين القاص في كلا الفضاءين النماذج البشرية بالدرجة الأولى .  أما الطبيعة فلها حضور بارز في قصص القرية ، لكنها لا تستقل عن عالم الإنسان في القرية ، بل هي جزء منه.  ويلاحظ الباحث أن هذه النماذج البشرية في كل القصص تعاني من القهر والظلم بدرجات متفاوتة ، وثمة محاولات دائمة من لدن أولئك للتخلص من هذا الوضع القاهر أو التخفف منه على الأقل ، لكن محاولاتها تتراوح بين النجاح والفشل ، فينتهي بها الأمر إلى ردود فعل غير إيجابية تنم عن أنها تواجه قهرا قدريا لا قبل لها به.  والملاحظ أن " نوعية القهر ودرجته تختلفان من القرية إلى المدينة " . 
2 ـ المبنى الحكائي :  في دراسته للمبنى الحكائي عند يحيى الطاهر ، يتوقف الكاتب أمام شكلين أساسين ، لاحظ هيمنتهما على متنه القصصي ، أطلق على الأول اسم ( القصة - الحدث ) ، ويرى أنه امتداد متطور لشكل القصة القصيرة المتعارف عليه نقدياً ، وهو الأكثر هيمنة على إنتاجه ؛ ويدعو الشكل الثاني بــ (القصة - اللوحة ) ، ويتميز هذا الشكل بخلو القصة فيه من الحدث الذي يسير في خط سردي متتابع ، بل تقوم على رصد " مجموعة من الجزئيات الحدثية الصغيرة.  ويرى البحراوي أن القصة هنا تبدو كأنها " لوحة ثابتة العناصر " ، وأنه قريب إلى ما يسميه د.شكري عياد " الصورة ".  وقد تناول بالدراسة والتحليل نموذجين للشكلين المنوه إليهما أعلاه ، هما : قصة " اليوم الأحد " من مجموعة " أنا وهي وزهور العالم " ( ص : 14 ) نموذجا للشكل الأول ؛ وقصة " الجثة " من مجموعة " الدف والصندوق " ( ص : 134 ) نموذجاً للشكل الثاني.  في قصة " اليوم الأحد " يرصد الكاتب الوحدات الخمس التي تكون مجموع الحدث القصصي الذي يتمثل في حادث سير ينتهي بمقتل رجل تصدمه سيارة شخص يبدو من مظهره انتماؤه إلى الطبقة الميسورة المرتبطة بذوي السلطة والجاه.  ومما يلاحظه الباحث أن ثمة حياداً من لدن السارد في وصف الحادث ، إلا أنه يتجاهل الرجل ، فلا يذكره إلا بضمير الغائب ، وبأنه أصبح فقط " جثة ". 
    يستخلص سيد البحراوي من عينة ( القصة ـ الحدث ) من المتن المدروس مجموعة من الميزات الفنية ، هي كالتالي : ـبساطة لغة القص ودقتها - الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة  كما نجد ذلك في الحادث ، أي العناية بذكر تفاصيل الحياة - سير القصة من البداية إلى النهاية لا على طريق الحبكة القصصية المتبعة ( بداية ـ وسط ـ نهاية ) ، بل يمكن القول إنها تتخذ شكل هلال لا شكل مثلث -  استخدام النعوت ، فالملاحظ أن الصفة تقوم في قصصه بدور هام .
    أما في قصة " الجثة " من شكل ( القصة - اللوحة ) ، فيصادف الباحث ثلاثة عناصر تشكل اللوحة فيها : ـ- الخمسون فداناً المزروعة عدساً - جثة القتيل-  الطيور ، و يلاحظ أن هذه العناصر جاءت متجاورة ، وإن كان بعضها ورد متداخلاً  : بين القتيل والعدس -  بين القاتل والعدس-  بين القاتل والقتيل -بين الطيور والجثة ، كما يلاحظ كذلك أن كل العناصر تحظى بالوصف المستفيض ،  كل منها على حدة مما يؤدي إلى بقاء هذه العناصر مستقلة بصفاتها ولا يؤدي إلى اكتمال اللوحة. و ينتهي الباحث إلى نتيجة مفادها أن القصتين تمثلان الملامح العامة للفن القصصي عند يحيى الطاهر في شكليه المشار إليهما سابقاً من حيث بناؤهما ولغتهما وطرائق رسم شخوصهما ، إلا أن الباحث لم يكتف في دراسته باستخلاص مميزات الكتابة القصصية من خلال هذين النموذجين القصصيين ، بل إنه يتصدى لدراسة سائر المتن القصصي الذي تمت الإشارة إليه أعلاه ، مركزا على أهم عنصر في البناء القصصي وهو ( النهاية ) ، وذلك لأن هذه الأخيرة في القصة القصيرة تكون هي الهدف ، حسب رأي (إيخنباوم ) أحد أهم الشكلانيين الروس الذين نظَّروا للقصة القصيرة ، فـ " القصة تلقي بثقلها في اتجاه النهاية " ، وذلك باعتبارها " محوراً أو بؤرة تتجمع حولها أو فيها معظم عناصر العمل الأقصوصي " ( صبري حافظ ، الخصائص البنائية للأقصوصة ، فصول ، مج.2 ، ع. 4 ، ص : 24 ). إن النهاية ، كما يرى الباحث ، هي الموضع الذي تكتمل فيه القصة باعتبارها نظاماً إشارياً يقدم رسالة من خلال عناصر بنائها الأساسية المتمثلة في الشخصيات والأحداث والحوارات داخلية وخارجية .  ولهذا الوضع أهمية خاصة سواء لدى الدارس أو القارئ ، فالدارس يتوقف عند النهاية ليدرس سبب توقف الكاتب عند نهاية معينة  بالتحديد وما هي دلالة ذلك ، والقارئ يتوقف عندها ليتأمل الرسالة التي أراد القاص نقلها إليه.  وفضلاً عن ذلك فإن النهاية لها علاقة بنيوية معقدة مركبة مع عناصر القصة الأخرى : مع تطور الأحداث ( إن وجدت ) ، ومع تطور الشخصيات أو الشخصية الواحدة . إن سيد البحراوي يقوم على هذا الأساس بدراسة النهايات في المتن القصصي ليحيى الطاهر في كلا الشكلين اللذين تمت الإشارة إليهما سابقاً ( الحدثي واللوحي ) بـ" اعتبارها إحدى المحاور الأساسية في بناء هذه القصص ، بالمعنى الواسع لمصطلح البناء ، والذي يشمل ، بالإضافة إلى الأحداث ، الشخصيات وبقية العناصر " ( الدراسة ، ص : 316 ).
    في دراسته للشكل الأول يجد الباحث أن للنهاية دوراً واضحاً يقسمه إلى أنماط ثلاثة : نمط المواجهة ـ نمط الهروب ـ نمط النهاية المأساوية . ويتخذ مجال دراسته لهذه الأنماط نماذج عديدة من المجاميع القصصية الثلاث : " ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً "-  " الدف والصندوق "  -  " حكايات للأمير حتى ينام ". أما في الشكل الثاني ( القصة - اللوحة ) ، فيختار نماذجه من مجموعة " أنا وهي وزهور العالم " التي رأى أنها تمثل أكثر هذا الشكل . ويرى الباحث " أن النهاية في هذا الشكل ، ليست نهاية لحدث ، وإنما هي لمسة أخيرة تضاف إلى اللوحة فتؤكد ملامحها ، أو ربما لا تؤكد  ، وتصبح اللوحة مجرد رصد للملامح " ( ص : 318 ) ، وهكذا يرصد عنصر النهاية في نماذج عديدة من كل مجاميعه القصصية لينتهي إلى نتيجة مفادها أن ما يميز " قصص اللوحة هو عدم إنهاء القصة بشيء جديد ، وإنما فقط تأكيد أحد ملامح القصة .  ويرصد هذه الظاهرة في عدة قصص من مجاميع المتن المدروس وفي نماذج متعددة أخرى من مجموعة " حكايات للأمير مستخلصاً دلالات نهاياتها.  وهكذا يتوصل الكاتب بعد دراسة مدققة للنماذج العديدة التي اختارها لدراسة قصص اللوحة إلى  " أن السمة الأساسية التي تهيمن عليها هي عدم إنهاء القصة بشيء جديد ، وإنما فقط تأكيد أحد ملامح القصة ، أو تأكيد التعارض الذي لا يحل " ( ص : 320 ) .
كما يتوصل الباحث من خلال دراسته لدلالات هذه الأنماط الثلاثة من ( نمط المواجهة - نمط الهروب -نمط النهاية المأساوية ) ، إلى نتيجة مفادها أن البشر في عوالم هذه القصص ، يعانون من واقع يسوده قهر تاريخي بل ومعاصر أيضاً لا قبل لهم بمواجهته إلا بالاستسلام له ، أو محاولة تجاوزه بطريقة سلبية هي الهروب منه. إن البشر في هذه القصص-  كما يلاحظ الباحث - " يقاومون القهر دائماً ، وإن بدون كثير جدوى "( ص : 320 ).
    ومن الجدير بالملاحظة أن الناقد يربط بين الواقع المأزوم الذي يعاني منه الناس في العالم السردي المتخيل ، وبين ما يعيشه المؤلف الحقيقي ،وجيله الستيني إلى جانب الشعب المصري من القهر والتهميش : حيث السلطات تنوب عن الشعب كله في تحقيق منجزات عديدة تعتبرها هي من المنجزات الكبرى الهامة الموجهة للصالح العام ، لكن دون أن تقدم أية مبادرة لإشراكه بطريقة ديموقراطية في تقرير مصيره ومستقبله ( كما يحدث في الأنظمة الديموقراطية حينما تكون بصدد اتخاذ قرارات مصيرية خطيرة ) ، وقد توج هذا الوضع غير السليم المشحون بالشعارات الجوفاء بهزيمة يونيو المريرة سنة 1967 .
    في مقابل هذا العالم الذي يرصده ذلك المتن القصصي الغزير ، يرى سيد البحراوي أن مجموعة " حكايات للأمير حتى ينام " ، تتخذ مساراً آخر تختلف عوالمه عن عوالم المتن السابق اختلافاً واضحاً ، ذلك أن الواقع الجديد أفرز فئة اجتماعية هجينة شديدة الطموح ، رغم هاميشتها وأزمتها ، غير أنها لا تتوسل إلى تحقيق أحلامها بطرق صحيحة ، بل إنها تلجأ لتتمكن من غاياتها إلى : الانتهازية والسمسرة والتحايل والتزييف وغيرها من السلوكيات المنحرفة ، وهذا يؤدي إلى خروجها عن الفئات المحرومة المهمشة التي تنتمي إليها وإلى خيانتها والتنكر لها. ( ص : 321 ) ، ويلاحظ الباحث أن السلطات في ( هذا العالم الجديد ) ، تزكي مثل هذه الانحرافات ، وتشجع على المزيد من انهيار القيم الأصيلة بين فئات المجتمع. ومن الجدير بالملاحظة أن الناقد هنا ، يرصد ما طرأ على رؤية يحيى الطاهر الذي تمكن بحسه الفني المرهف ، إدراك المتغيرات الواقعة داخل مجتمعه وإعادتها إلى المصير الحتمي الذي هو الانهيار (ص :  321 ),
    إن الكاتب في النمط الثالث من نهايات قصصه ( النمط المأساوي ) ، يصب جام غضبه على رؤوس المتسلقين الذين يسلكون طرقاً خاطئة في سبيل تحقيق طموحاتهم ، ويلحق بهم أشد العقوبات. والملاحظ أن الباحث رغم أنه ينتقد القاص على إيقاع عقوبات قاسية على أشخاص مساكين ، هم أولى بالتعاطف معهم ، إذ إن الأَوْلى هو توجيه النقد إلى جذر الخطأ في العلاقات الاجتماعية ، إلا أنه مع ذلك يجد أن العقاب في قصص "حكايات للأمير.." ، " يبدو منطقياً ومفهوماً جراء الخيانة الطبقية رغبةً في تحقيق الطموحات " ( ص : 321 ) . يذكر الباحث بهذا الخصوص مجموعة من الأمثلة منها على سبيل المثال لا الحصر:  ـ خيانة الفتاة طبقتها ، إذ تتزوج من ثري ، فتموت هي وزوجها ( حكاية الريفية )  / احتراق الحبيبين عقاباً على عدم زواجهما ، وخيانة بلدهما بهجرة أحدهما إلى فرنسا ، والآخر إلى اليمن ... ( ص 322 ) .
    يرى سيد البحراوي أن نهايات النمط المأساوي ، يكاد يحكمها قانون قدري.  واللافت للانتباه أن أستاذه د. عبدالمحسن طه بدر،  أشار إلى هذا القانون القدري الصارم في كتابه القيم " الرؤية والأداة / نجيب محفوظ " ، فيذكر أن دور القدر له حضور بارز في روايات المؤلف ، وأهم ظاهرة تكشف عن بصمات القدر وعبثه في هذه الروايات تتمثل في الموت الفجائي والاعتباطي الذي يصيب شخصيات المؤلف. وقد كان لشخصية الأب النصيب الأكبر من هذا المصير. ( ص : 236  من كتاب " الرؤية والأداة " ). وإذا كان عبدالمحسن طه بدر  ، يرى أن بعض الشخصيات في أعمال نجيب محفوظ يحكمها هذا  المصير الاعتباطي العبثي ، فإن سيد البحراوي يعمل على ربط النهاية القصصية المأساوية لقصص يحيى الطاهر بنهايات القصص الشعبية في مغزاها الأخلاقي ، وفي حبكتها أيضاً ، ويرى أن الذي " جعل الكاتب ينتقل إلى هذه الطريقة الانتقامية القاسية في هذه المجموعة (حكايات للأمير حتى ينام ) ، هو تغير الظروف الموضوعية ، فقد بات الظلم والفساد واضحاً بحيث أصبح يتطلب إدانة واضحة وانتقاماً " ( 323 ). وينتهي الكاتب في ختام دراسته  إلى نتيجة مؤداها أن الشكل القصصي الجديد الذي توصل إليه  يحيى الطاهر ( النمط المأساوي) ، يقوم على تمثل الحكاية الشعبية أساساً من حيث عناصرُ بنائها ، وأهمها الأحداث والشخصيات الذين يقعون في المسافة بين الواقع وما وراء الواقع .. وهذه من سمات شخوص الحكايات الشعبية . ( انظر ص : 323 ) ، وفضلاً عما سبق من ميزات تتصل بمكونات الحكايات الشعبية ، يستنتج الكاتب خاصية أخرى تتصل بطبيعة اللغة المستعملة التي تتميز بأنها لغة منطوقة مسموعة ، وذلك بفضل كثرة استخدام الأصوات المجهورة التي تبرز في السمع أكثر من المهموسة . وقد دعم الباحث حكمه الأخير هذا ، بقول ليوسف إدريس أورده في آخر هوامش الدراسة ( 44 ) هو التالي : " ومن أول سطر ، عرفت أني أمام كاتب قصة ، وليس أي قصة ، قصة جديدة طوع لها شاعرية الوجدان المصري ... جديد ة الموسيقى ، جديدة اللغة ، جديدة الموضوع. ( تمثل الحكاية الشعبية في " حكايات للأمير ، تفصيلاً ،( راجع حسين حمودة : التمثيل بين الأدب الشعبي والأدب المدون ، جزآن في عددي " خطوة "  1 و2 ، ديسنبر 1980 ، مارس 1981 ) ،لقد كان يحيي الطاهر - كما يرى سيد البحراوي -  يبحث دوما عن شكل جديد  ، لا بهدف تحقيق تمايز ، بل بهدف الوصول إلى من يكتب عنهم ولهم. 
يبقى القول في الختام ، إن سيد البحراوي - رحمه الله -  كان هو الأخر  مثل زميله في محنة الكتابة والحياة كيحيى الطاهر مع شخوصه ،  صارماً مع نفسه ، صارما في أبحاثه ، حاد الإحساس  بمسؤوليته إزاء قرائه في كل كتاباته وبحوثه وإبداعه ونضاله من أجل مبادئه.
 
(الصورة المنشورة: من اليمين عبدالجبار العلمي  وسيد البحراوي).

*  كاتب وشاعر من المغرب.