شريك الزنزانة

Printer-friendly versionSend to friend
قصة: كريستال أربوغاست*
ترجمة: صالح الرزوق**
 
 انبثقت أشعة الشمس تلمع عبر الضباب وهي تشرق من خلف الجبال، وغطت السهول بطبقة رقيقة من الرطوبة. حرك أندي ستورغيل عينيه أمام الضوء البراق، ووقف بحزن بين يدي الصباح المنعش. وجعلت قطرات الندى كل شيء على الأرض  يلمع، وأكد لنفسه أن هذا بكل يقين هو بلد اختاره الرب. يمكن أن تنسى شيكاغو ونيويورك، كل تلك المدن الكبيرة الواسعة، لكن وايتسبورغ هي الأنقى و الأقرب للقلب.
لم تكن وايتسبورغ في عام 1925 التابعة لكينتوكي مدينة ميتروبولية ذات وزن، ولكن بالنسبة لأشخاص مثل أندي، وكان يقطن في المنطقة نفسها، هي مركز مهم للتجارة وللقانون ولصناعة المعلومات. وكان سكان الجبال يقومون برحلات معدودة إلى السهول، ويستخدمون الجروف والتجاويف للمرور، وذلك لتأمين مستلزمات حياتهم المتواضعة ولا سيما الضروريات: القهوة والسكر والطحين والقمح المتوسط، وهذا نوع الحبوب المفضلة لتغذية الأبقار الحلوب. والمتوسط بلا ملح هو المكون الأساسي لمشروب وايت لايتننغ - البرق الأبيض- ولو بمقدور إنسان تجهيز شراب طيب المذاق، وهذه إحدى ميزات أندي، يمكن له جني أرباح طائلة. دورق واحد من هذه الجعة الثمينة في الفترة التي شارفت فيها الحرب على نهاياتها يباع لقاء أربعين دولارا. وشخص بهذه الموهبة يمكن أن يجني خمسين في هذه الأيام. 
في هذا الصيف الهندي بالذات، رحل آندي إلى البلدة وترك في ذهنه ملاحظة بخصوص ما سوف يقايض عليه. كان بحاجة لكم وافر من السكر والقمح الحلو المتوسط. وأصبح المزيج في حالة تأهب للعمل بعد تركيب الأنبوبة النحاسية الجديدة، وكان بمنتهى الجهوزية لتخمير أكبر كمية من وايت لايتننغ خلال سنوات. وعلم آندي أنه يجب اختيار مكان آخر لمزيجه، لأن رئيس الشرطة تورنير كان في حالة استعداد. وكان رجال القانون قد أتلفوا للتو أربعة استثمارات سرية للجيران. وفهم آندي أنه يجب أن يكون حريصا في اختيار موقعه الجديد. وأخيرا قرر أن يضع المزيج على سفوح جافة، بعيداً عن الجداول التي تنساب من بين الجبال. ثم يضخ الماء إلى المكان الذي تدعو الحاجة له. وهذا يستغرق وقتا أطول، ولكن كان رئيس الشرطة ورجاله يبحثون عن هذه الخلطات على ضفاف الجداول. ومع حلول الشتاء كان يتوقع أن تساعد الثلوج والجليد بتوفير غطاء للأنابيب. 
بعض الأواني الصغيرة من حصيلة العام الماضي، كانت مخبأة في جعبة ألقاها على كتفيه. كان العجوز تريبيت قد طلب من آندي أن يأتي له ببعض الأواني قبل حلول الشتاء. ووعد بدفع السعر المتعارف عليه. وهذا سيعينه على مقاومة الأمراض التي تأتي دائما مع شهور الطقس البارد. 
- 2 -
حتى دوك هاندي كان معروفا بوصف المشروبات الروحية التي يخمرها آندي من أجل البلعوم. وكانت سمعته الحسنة تترافق مع هدف وضعه رئيس الشرطة تورنير نصب عينيه: أن يلقي القبض على ملك المشروبات في أقرب فرصة تسنح له. 
ركز تورنير أفكاره على آندي وهو يسير في طريقه على الممشى المتعرج. كان أسفل سرواله يتأرجح مع خطواته الواسعة، ويتشرب قطرات الرطوبة التي علقت بالأعشاب الغزيرة وسواها. كان آندي يعلم أن مشروباته المحلية هي مصدر تحسس لرئيس الشرطة. بنظر تورنير كان سكان المرتفعات يعيشون بطريقتهم الخاصة لسنوات طويلة. وهو بصفته ضابطاً لحفظ القانون والنظام في المنطقة قرر أن يجبرهم على احترام سلطته.
على أية حال، في الأسابيع الأخيرة تراجعت الحرب ضد الخارجين على القانون وأصبحت مشكلة خاصة، وهذا الأمر تدخل بشكل حاسم  كي يحدد رئيس الشرطة تورنير الطريقة التي يلعب فيها بوقته . كان هناك قرار يدين لويد فرايزير بتهمة قتل امرأة. ولكن كل الناس يعرفون نوعية لويد، فهو هادئ ، لطيف المعشر وخجول. ولم يفهم أحد كيف تمكن من اقتراف هذه الجريمة. ثم سمعوا أن أم لويد تغار من الضحية، وهذا لم يغير من رأيهم بالرجل. 
وكانت آني فرايزر قد قدمت للمسكين لويد سرج حصان، مقابل وعد قطعه لها بالتخلص من هذه المرأة الشريرة. والآن من الصعب أن تجد جلادا ينفذ العقوبة. فقد امتنع الرجال من تحمل مسؤولية سلب حياة رجل بسيط في مقتبل العمر.
انتشر خبر عقوبة الإعدام بسرعة البرق في المنطقة. لم تشهد وايتسبورغ تنفيذ حكم اعدام في ساحة عامة، ولذلك أصبح الموضوع حديث الموسم. كان آندي غير مدرك تماماً للحقائق. فهو يعرف أشياء قليلة عن العائلة، مع أنه كان على علاقة مع آني. كانا يداومان في الصف نفسه بالمدرسة في أيام الطفولة، في غرفة صغيرة الحجم . وقد رأى الولد لمرات قليلة على مر السنين في البلدة مع والد آني. تعلق الرجل العجوز بحب الولد كأنه ابنه، وبعكس بقية أفراد العائلة، لم يقلق من وضع لويد كخارج على القانون. وكذلك اهتم بحب الولد للجياد، ووعد لويد أن يقدم له أفضل مطية ممكنة. وتحول الوعد إلى حلم بعد وفاة الرجل العجوز. وهكذا باشر بالنظر إلى أمه من دون أن يقترب منها، من مسافة عازلة تفصل بينهما، وتفصله أيضا عن بقية نواحي الحياة في هذا العالم ، وطوال الوقت كان يحاول أن يجد فيها أثرا ولو لعاطفة مهما كان نوعها. 
 
- 3 -
توقف ذهن آندي عن التفكير بالموضوع وهو يقترب من باب العجوز تريبيت. كان يتوقع فنجان قهوة حار وتجاذُباَ سعيداً لأطراف الكلام لدى وصوله، ولكن رؤية وجه العجوز المتقدم بالعمر جعله يتأكد أن هذا لن يحدث.
كان تريبيت يعرف الشاب من أيام طفولته، وهو متيقن من إخلاصه لأمه. كما كان متيقنا من تعلقه بالجياد. وبينما كان الرجل العجوز يقود آندي إلى الداخل سأله:" حسنا، هل تعلم أن لويد الشاب سيموت في الغد؟ ".
هز رأسه وتابع يقول:" دائماً ينفذ ما ترغب به تلك المرأة التافهة والرخيصة. فهي تعرف الطريق الى قلبه. كانت تعلم أنه مغرم حتى الهوس بالفرس التي لها لون ثمرة البندق . لقد كذبت عليه ، كذبت عليه. وأخبرته أن تلك المرأة تهددت وتوعدت. وقالت كم هي خائفة منها. الرب يعلم أن هذا الصبي لا يفعل شيئا من هذا النوع من تلقاء نفسه".
بعد عقد الصفقة ودّع آندي الرجل العجوز، وبينما هو يغلق الباب وراءه، خطرت له آني فرايزير. لم تكن امرأة فاضلة. ولا يدهش أحدا أنها حملت من لويد بعمر ستة عشر عاما. وهي مسؤولة عن الولد وعن رعايته. لم تتزوج آني ولا تزال امرأة مشرقة الملامح مع أنها في عامها السادس والثلاثين. ويعلم آندي أنها كانت على علاقة مع رجل يعمل بالسكة الحديدية، ولكن لم يهتم به أبدا. دائماً أنت تجد مع آندي رجلا.
وقاطع أفكار آندي فجأة صوت ثاقب يقول:" توقف حيث أنت يا آندي". استدار فإذا برئيس الشرطة وبرفقته إثنان من معاونيه وهم على مقربة منه. قال له:" أنا أعتقلك للاستجواب. اكتشفنا مكانا سريا لمعمل شراب، وأعتقد أن  لديك فكرة عما هو".
كشر آندي في وجه الرجال، فهو يعلم أن تورنير لا يمتلك هذا الدليل القاطع. وقرر أن من الأفضل له أن يتعاون ليغطي على آثاره.
فقال:" كما تريد يا جون".
وحينما رافق آندي الشرطة إلى الزنزانة، اقترب معاون آخر من تورنير، وتبادل الإثنان الهمسات. ونظرا معاً إليه.
قال تورنير:" لدينا فرشة واحدة متبقية يا آندي، والزنزانة مشغولة بالصبي فرايزير. لا ضرورة لأن تنتظر هناك. أقصد يمكن تدبر إجراء آخر".
لم تسره فكرة أن يمضي الليلة وهو موثق اليدين بطاولة تورنير . فجون تورنير يعاني من عادة مزعجة وهي قضم عود تنظيف الأسنان تحت لسانه. وكذلك تأخر أندي عن حزم رأيه بسبب خشيته أن يضطر لسماع أصوات ضرب ولطم، تنبعث خلال الدروس والمواعظ الأخلاقية عن أهمية رجال القانون .
- 4 -
ثم قال: " لا مانع أن أشارك فرايزير في حفرته".
وفي لحظة دوران المفتاح في القفل استحوذت حركة ضعيفة على انتباه آندي، ووجد نفسه بمواجهة زوج من النظرات السوداء. ولدواعي دهشته لم ينطق أحد بكلمة، وهز آندي رأسه وهو يجلس على الفراش. نظر الصبي له للحظة قصيرة ثم جاهد ليحصل على النوم.
ثم كسر الصمت المطبق في الزنزانة صوت أنين يشبه أنين الفرس. نهض لويد من فراشه وذهب إلى النافذة، وأمعن النظر بالمشهد الذي كان تحته، كانت فرسه البنية بلون البندق محاصرة في منطقة صغيرة خلف حظيرة حداد البلدة. وخلف ذلك خشبة تنفيذ الإعدام. ولكن لويد ركز عينيه على الفرس. 
" إنها بحاجة للتدليك وتوضيب حدوة مفككة".
فتح آندي عينيه بعد الصوت االهامس وقال:" أنا متأكد أنهم سيهتمون بها".
وتابع لويد كأنه لم يسمع الملاحظة فقال:" وهي تحب بين حين وآخر قليلا من طعم السكر". وواصل الصبي وقفته قرب النافذة، لكن آندي ابتعد لينام.
كانت الليلة باردة وملاءة واحدة لم تنفع إلا قليلا في مقاومة البرد. وبعد قليل، أيقظ آندي صوت تململ من طرف الزنزانة الآخر. وحينما شعر بوجود لويد وهو يحوم فوقه، زحف الرعب إلى رأسه واكتشف أنه غير قادر على الحركة. ولكن  لويد وضع ملاءته على جسد آندي وبحرص شديد غطى بها الجسم الذي يرتجف. تصنع آندي النوم لأنه خجل وارتبك نتيجة مشاعر الخوف الذي انتابه. ووقف شريكه في الزنزانة قرب النافذة، وتابع المراقبة باتجاه الأسفل.
انتقل لويد من الزنزانة في صباح اليوم التالي. واستيقظ آندي ليرى أنه وحده. ثم اقترب من النافذة. على ما يبدو ازدحمت البلدة كلها بالحشود. وارتفع صوت الهمهمات في الفضاء. وشاهد الصبي يتسلق السلالم القليلة ولكن لم يجرؤ على مشاهدة الإعدام. في الأسفل كانت الفرس تذرع المنطقة الصغيرة المغلقة وتشخر بعصبية. 
وفي منتصف اليوم، أطلق سراح آندي. كان يتوقع ذلك. وحذر رئيس الشرطة تورنير آندي ودعاه إلى الاحتراس، لأنه سيكون دائماً وراءه. وعندما اقترب من الباب استدار وسأله:" ماذا عن الفرس؟".
كان تورنير مشغولا فقال:" ماذا عنها؟". وبحث بين أوراق أمامه ولم يكلف نفسه عناء رفع عينيه والنظر لأعلى.
- 5 -
قال:" أقصد من سيعتني بها الآن؟. هل تعتقد أن آني...".
" انظر. ليس لدي وقت لأهتم بحصان تافه- ولا سيما ذلك الحصان. ربما يبيعها تانير بأعلى سعر ممكن يؤمن لها الملجأ والغذاء، وإلا سوف يبيعها لمصنع الغراء ( 1 ). ليس هناك بين أفراد عائلة فرايزير من يهتم بجثمانه فما بالك بمتاعه. سنتركها للحداد".
في نهاية اليوم مالت الشمس نحو الأفق في السماء، وألقت ظلا على كل شيء لمسته. وعلى الطريق الذي يقود من البلدة الى خارجها ثم يتشعب باتجاه عدد كبير من التجاويف والمزارع. شق آندي ستروغيل طريقه إلى البيت. اشترى مؤونة : طحين وقهوة وسكر وعددا من أكياس القمح الحلو المتوسط وغير المملح. ووضع يده في جيب معطفه وملأ راحته بالسكر. لن يكون هناك ما يكفي لكمية كبيرة من الشراب لهذا الشتاء. ثم توقف ومد يده المفتوحة تحت شفاه فم الفرس. 
نعم، يا لها من حصان يسر الناظرين. سوف يثبت الحدوة المفكوكة، وسيدلكها وينظفها، ويقدم لها السكر بين حين وآخر.
وعندما تقدم كلاهما عبر الطريق، هبطت الشمس ببطء وبالتدريج وراء الجبال. واشتد برد الليل. ولكن لم يشعر آندي بالبرد.
وهمس لنفسه بصوت هامس:" سوف أعتني لك بها يا صاحبي".
 
هامش :
1 - معمل الغراء هو المكان الذي تذبح فيه الجياد، لأن أجزاء منها تستعمل في صناعة الغراء.
 
* كاتبة قصة أميركية. نشرت قصصها في مجلة "سايبير نيت" الهندية ومجلة "إيست أوف ذي ويب" البريطانية. تكتب أيضا قصائد قصيرة ذات طابع وجداني حزين على انهيار المجتمع المعاصر،  وتدهور الضمير والأخلاق .. القصة منشورة في مجلة "إيست أوف ذي ويب ". الترجمة بإذن من الكاتبة.
 
* اديب ومترجم من سورية.