شعراء بمذاق البحر الأسود: بتيا دوباروفا

Printer-friendly versionSend to friend
ترجمة وتقديم: خيري حمدان*
 
بتيا دوباروفا الأديبة الصغرى  بين كبار الأدباء والشعراء البلغار، وقد بقيت الأديبة شابّة في السابعة عشر من عمرها حين قررت عام 1979 بمحض إرادتها أن تضع حدًا لحياتها. ترك انتحارها أثرًا بالغًا في الأوساط الشعبية والأدبية، وقد بلغت ذروة شهرتها في هذه السنّ المبكّرة. صدر ديوانها الأول "أنا والبحر" بعد وفاتها بسنوات، وسرعان ما طبعت كلّ أعمالها الشعرية والنثرية والمترجمة. قامت بترجمة الكثير من الأغاني الشهيرة للفرقة الفنية "بيتلس"، "سموكي" وغيرها. ضمّت مفوضّة الثقافة الأوروبية بعض قصائدها في قائمة الأعمال الفريدة والمتميّزة في تاريخ القارة الأوروبية الأدبي. 
 
بتيا دوباروفا 
1962 – 1979
جهنّمي أنا – Моят ад
 
العالم آيلٌ للانهيار، ينام بسلام
والليلُ يجرّ نحوي رداءَهُ الأسودَ
بمزاجيّة رماديّة كعجوزٍ متعصّب
بسكينةٍ رهبانيّة، دونَ ألقٍ، دونَ ضجيج
تقعُ على المدرجِ وعيناها تماهي الموت
تصمتُ فيهما التقوى الغائرة
وأرى القمرَ – شريرًا يرتعشُ
يذبحُ بقمّته العاريةِ السماءَ الهاجعة
وسطَ ثرثرةِ النجومِ العابثةِ العاقّة
الريحُ وحدُها أنجبتْ ظلّ إبليس. 
والظلماءُ تفتحُ ذقنَها مرعبة
تلفّني وتطوي "لاءاتي"
تبهُتُ فجأة، دونَ صوت. 
يهوي الخوفُ بمطرقتِهِ العاتية
فوقَ صدري الواهن، وكتفيّ،
أختنقُ، أصيحُ، أصرخُ" "لا، لا، لا"
وأسمعُ هناكَ في الأسفلِ – تحتَ عالمِنا
تُفتَحُ بواباتُ دانتي اللعينة.
وفي المهابةِ السوداءِ للقدورِ المُتَسَعَّرّة
وسطَ حفلاتِ الشياطين الحانقة
أرى نفسي هناكَ في مكانٍ ما، 
امرأةً متآكلةً نارًا وعارًا. 
حبالٌ من الديدانِ تقيّد يديّ
ووجهي مزرقٌّ من شدّةِ الألم
أصرخُ وظهري مدميّ، وكتفيّ
ومذهلٌ موقفي الإنسانيّ - "لا، لا!".
أمامي ينبعثُ العالمُ الإنسانيّ 
وعشتُ دونَ أختٍ، دونَ صديقٍ، دونَ أخ.
وأرى كيفَ الحزنَ رطبًا يصمتُ
بعينين مصوّبتين مباشرة إليّ
لم أسامحْ أؤلئك الذين 
تعذّر عليّ سماعهم.
وأخيرًا هاهي قصيدتي الشابّة المنسيّة
تتفاقمُ فوقَ شفتيّ صراخًا داميًا
أمامَها – المدّعي، حاكمي المطلق،
كنّا قد أبدعنا ذاتَ يومٍ ألعابًا قذرة
بل غازلتُه لأكثرَ من مرّة أيضًا.
والآن، في هذه الجهنم القذرة، الموحلة المبقبقة
يمضي، بعبقِ إنسانٍ ودنيا.
ليختفي، وأنا وحيدةٌ أنتفضُ، وجسدي يضجّ عارًا
يدقّ المسمارَ تلو الآخر بوحشيّةٍ
والدودُ أوفد جسدَ الإنسانِ لعرشٍ.
الجسدُ الهلامي يرتجفُ مزلزلا
أمامي – أحقرَ من كلبٍ مثخن.
---  
وفي لحظةٍ أستفيقُ. أفتحُ عينيّ
على المدارجِ جاثمةً على الركبتين، صامتة
تحرّك شفتيها الخاشعة الهالكة
ليلٌ قتيل، بلا جسدٍ أو دماء
ومن تحتي يودّع العالمَ الغارقِ في الوسن
أأنا هي التي اختلقت هذا الجحيم؟
أنا – تلك التي لا تؤمن بالموت،
لكنّي أنا ذات الربيعِ السادس عشر أؤمن
كلٌّ قد يفوق السماء حتّى
إذا شاء أن يسعدَ من حولِهِ
يوحي لهم بمزيدٍ من القوّةِ والعنفوان.
أؤمنُ بعالمي الفتيّ 
لكنّ هذا الجحيم الذي اختلقته وحدي
سأحميه، سأملكُه ما حييت
هو – قيامتي، الجحيمُ الأكثر إنسانية
ويثقلُ ضميري قسوةَ الدنيا.
عندها أصبحُ أنا القاضي في قضيةِ حياتي
وسيرِ الأيامِ البطيء، سني هذي الدنيا
ترسم حياةً منيرة ما بعد الموت
دونَ جنّةٍ ونار، في رحابِ الدويّ والجلبة
ونهارُ الأطفالِ المنبعثين منّا! 
 
* أديب ومترجم عربي/ بلغاري مقيم في صوفيا.