ظواهر فنية وأسلوبية في رواية صبحي فحماوي "سروال بلقيس"

Printer-friendly versionSend to friend
د.عبدالجبار العلمي*
 
من اللافت لنظر القارئ أن رواية "سروال بلقيس" لصبحي فحماوي تزخر بظواهر فنية وأسلوبية أبرزها: طرائق الحكي الشعبي ـ السخرية ـ أسلوب التشبيه. 
 
1 ـ طرائق الحكي الشعبي
ـ التوجه إلى القارئ مباشرة ، يقول الراوي معتذراً عن تحريفه اسم " عصبة الأمم "إلى "عصابة الأمم المتحدة ضد فلسطين " : " أعتذر عن هذا الخطأ الفاحش في هذا الصباح غير الصاحي ، أقصد "عصبة الأمم المتحدة " ( ص : 72 ) ، ونقرأ في جملة سردية أخرى  " .. يقول الرجل ( أبو رزق ) وهو سائر إلى حتفه .. آسف ، ألم أقل لك إن هذا الصباح نفسه غاف ودائخ ومتلعثم ؟ أقصد إنه كان يقول وهو سائر إلى الكسارة : " اللهم اجعلني من أول الواصلين " ( ص : 73 ) ، ولا تخفى نبرة السخرية في كلتا العبارتين. 
ـ  توالد الحكايات وتناسلها : نجد ذلك في حكايات النساء الثلاث ( بلقيس ـ حمدة ـ صالحة ) عن تجاربهن وتجارب غيرهن من النساء العاملات في موسم الحصاد مع الحيات المرقطة المميتة ، حيث تحاول كل منهن أن تروي حكاية أعجب وأغرب وأكثر هولاً من الأخرى، وهكذا تتوالد الحكايات كما هو الحال في " ألف ليلة وليلة " ( ص : 45 ـ 48 ) . يقول سعيد يقطين : " إن توالد الحكايات في ألف ليلة وليلة وتناسلها يتحقق زمنياً على أساس الانطلاق من العجيب  إلى الأعجب إلى الأكثر عجباً. " (  )
ـ استخدام طريقة الراوي الشعبي في الحكي ، حيث يروي حكاية فرعية في ثنايا حكيه ، وبعد أن يوقفها في نقطة معينة أو يتمها، يعود إلى الحكاية الرئيسية. نصادف ذلك في الرواية حين يوقف السارد العليم سرده عن بلقيس لدى عودتها إلى المخيم من رحلة جمع الأعشاب الصباحية ، ليقدم لنا محكي الفتى الفلسطيني اليافع الذي راودته عن نفسه إحدى النساء " الوطنيات " ، ثم يعود لمتابعة سرده عن بلقيس وهي تعرض بضاعتها في سوق المدينة. يقول السارد : " دعنا نعيد عقارب الساعة إلى الوراء ، لنشاهد اللاجئة بلقيس جالسة في هذا الصباح ذي الغيوم التي بدأت تتلبد في السماء على قطعة قماش مخيطة من عدة أكياس طحين مستعملة .. وإلى جوارها الفلاحة أم يونس بائعة البيض البلدي  القادمة إلى هذا السوق اللعين من قرية مجاورة.."  ( ص : 108 ) . والجدير بالإشارة أن الكاتب يقدم هنا مشهداً نابضاً بالحياة عن السوق الشعبي في المدن العربية.
 
2 ـ السخرية
تتميز الرواية باستخدام السخرية التي تعتبر من السمات البارزة في كتابات صبحي فحماوي. يواجه بها السارد والشخصيات الروائية واقعاً قاسياً مشحوناً بدواعي الألم والحزن لا قبل لها بمواجهته إلا بالسخرية. إنها "تؤكد أن الشرط الذي ينتج أحزاناً كثيرة ،قادر في الوقت نفسه على إنتاج ضحكات كثيرة تنطلق منه لترتد سهاماً إلى نحره " ( ) ، ويمكن أن نصنف السخرية في الرواية كما يلي : 
ـ السخرية من الواقع المعيش في المخيمات : تقول بلقيس " ما دمنا صرنا لاجئين ، لا حول لنا ولا قوة، ولا نملك حتى خبز أولادنا ، فنحن مضطرات لرعي أعشاب الزعتر واللسينة مثل الماعز اللي ترعى في الجبال ! " ( ص : 54 )، وتقول في موضع آخر ساخرة من سروالها الفضفاض الذي أعد بحيث يستوعب داخله أكبر قدر من حبات الزيتون " هذا سروال بلقيس يجب أن يرفعه أولادي مثل العلم ، ويمشوا تحته ، لأنه هو الذي يطعمهم ويبعد عنهم الجوع " ( ص : 63 ) ، والملاحظ أن الشخصيات لا تستنكف من السخرية بالذات أو بالغير ، معبرة عن سخطها ونقمتها وعدم قبولها للواقع المأساوي الذي ألفت نفسها في أتونه.
ـ  سخرية السارد من المنظمات والهيئات الدولية المنوط بها الاهتمام بشؤون اللاجئين وغوثهم : تصير " عصبة الأمم المتحدة " ،"عصابة الأمم المتحدة ضد فلسطين" ، مستخدماً الجناس اللغوي الذي سنصادفه في عبارات ساخرة أخرى في الرواية. وقد وظف إميل حبيبي هذا الأسلوب البلاغي بشكل ملحوظ ، في روايته الذائعة الصيت "المتشائل" ( ) 
ـ السخرية من الوضع العربي المتردي المهزوم : يوجه السارد نقداً لاذعاً لمنظمة الجامعة العربية وقممها المتعددة التي عجزت عن توحيد الصف العربي من أجل الخروج من واقع الخيبة والهزيمة، وذلك حين يصفها بأنها " تجمع جموع جماعات جمعية قادة القمم العربية المتحفزين للفر والفر " . لاحظ التلاعب اللفظي في بداية الجملة،  سخريةً من واقع التشتت والتشرذم والعجز عن تحقيق الوحدة التي كانت إحدى مطامح الشعوب العربية ، ولاحظ كذلك استبعاد لفظ الكر ، دلالة على أن هذا الوضع المتردي لا يفرز إلا الهزيمة والنكوص. 
ـ  السخرية من الإعانة الهزيلة التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين : تقول أم الوليد التي شكت لجنة التسجيل في أن يكون طفلها المفطوم ابنها الحقيقي لأنه رفض أن يرضع من ثديها أمامها كاختبار من اللجنة لتتأكد من صحة نسبه إليها : "وعلى ماذا كل هذا التدقيق والتمحيص والتنقيص ؟ على علبة حليب مجفف في الشهر لكل طفل.. ؟ " ( ص : 100 )
يورد السارد على لسان الشخصيات  في سائر المتن الروائي حكايات تتسم بالطرافة ، وتقطف من شفاهنا الضحكة ونحن في غمار جو المأساة. 
 
3 ـ أسلوب التشبيه
يستخدم الكاتب أسلوب التشبيه في الرواية بشكل لافت للانتباه ، يجعل منه ظاهرة أسلوبية تستحق وحدها الدراسة والتحليل. ونمثل لهذا الأسلوب بالجمل التالية : " تبدو الخيام كبقايا مهاجع لواء عسكري منكسر ، جره الخراب ، فمر مستسلماً مخذولاً مدلدل الآذان في وديان فلسطين وسفوحها " ـ " تمعن النظر إلى خيمتها ، فتتخيلها على هيئة جواد متهالك هده الزمان ، فوقف مرتعشاً على وشك الانهيار " ( ص : 14 ) ـ يتكاثف المشردون من شواطئ بحر فلسطين ، مثل أسراب طيور مكسرة الأجنحة فلا تستطيع الطيران المحلق " ( ص : 19 ) ـ يمر " العمال الرجال " مثل " عاملات النمل " لا يتوقفون في ذهابهم وإيابهم " ( ص : 76 )
والملاحظ أن التشبيه يوظف لبيان أحوال اللاجئين في المخيمات الفلسطينية ، وما يعانونه من انكسار وذل وشظف العيش. 
إن صبحي فحماوي قدم في هذه الرواية ، صورة مشرِّفة للمرأة الفلسطينية الكادحة في المخيمات وأرض الشتات ، وكفاحها المرير في خضم واقع قاس رهيب يعاني منه شعب بكامله ، مستخدماً أساليب فنية متنوعة من شانها أن تسعفه على تصوير هذا الواقع  بكل دقة ووضوح وصدق. 
 
* باحث وشاعرالمغرب