"عالِقٌ في الغَمْرِ.. كالغابةِ كالأسلاف" لمؤمن سمير: البحث عن موسيقى الروح وثورتها

ياسر المحمدي*
 
     تقوم المحاولات لإيجاد أجوبة متنوعة لمعرفة الماضي على فرضية أساسية مفادها أن التاريخ والحراك الاجتماعي يسير وفق قواعد عامة، تكشف عن نفسها على الأقل من حيث المبدأ ، أمام بحثنا الدائم وتأملنا للعالم من حولنا .. فالذين يبحثون عن المعرفة سجناء داخل أحد الكهوف، وعليهم استنتاج وصفٍ دقيقٍ للحقيقة من الظلال التي تلقيها هذه الأشياء، عليهم عقد مقارنات طويلة بين الماضي والحاضر بغية الوصول إلى نسق أقرب ما يكون للحقيقة المطلقة والمفترضة التي تحرر العقل والقلب معاً . ربما تكون عملية البحث هذه أمراً  متعارفاً عليه في فروع المعرفة الإنسانية النظري منها والمعملي، غير أنها تبقى معقدة إلى حد كبير في النصوص الإبداعية الأدبية والشعرية منها بشكل خاص ،  إذ يقوم النص الإبداعي في أصله على  التحرر من المنطق الواقعي، ومن قواعد المنهجية البحثية وهو ما يجعل الأمر صعباً على الطرفين المبدع والمتلقي عندما يحمل نص أدبي الخصائص الإبداعية لتجاور القواعد البحثية داخله في تكوين النسيج الإبداعي للنص، الذي يفترض أنه يقوم بتقديم إجابة ما عن أحد الإشكاليات، وكذلك التساؤل حول بعض جوانبها الملغزة ، وهو ما يحاوله الشاعر المصري مؤمن سمير في ديوانه " عالق في الغمر كالغابة كالأسلاف " ، محاولاً وضع صورة مقارنة للإنتاج الموسيقي والغنائي في أزمنة مختلفة ومجتمعات مختلفة ، فالموسيقي أحد أشكال التجريد الفني الذي يمكننا من خلاله قراءة الإنسان ،هذا الكائن الذي ربما ينسى كينونته في كثير من الأوقات .
 إن العالم نص كبير وموضوع لغوي أيضاً بالمفهوم الأعم للغة، هذا العالم يتحول في النص الإبداعي إلى موضوع لغوي أيضا لكنه بحجم هذا النص الإبداعي/ العالم الموازي، وإذا كانت البشرية جميعاً عبر العلاقات الاختلافية بينها تمثل حضور هذا العالم في ذاته ، فإن لغة النص عند مؤمن سمير تمثل حضوراً استعارياً للنص والعالم في ذاتها، وهي في نقطة تقاطع ما تكون جزءاً من هذا العالم / النص الكبير، وكما البشرية في بحثها الدائب يقف طفل مؤمن سمير على حدود الغابة كواحدٍ منها، يجهد باحثاً ومقارناً  متأملاً الغابة والموسيقى التي تنبعث منها في صراعها المستمر، متأملاً الناس والطبيعة باعتبارهما نقاطاً متساوية في حضورها في هذا العالم .
 في هذه الرحلة من البحث والتأمل ، تنهض اللغة وتشكيل الصورة والتتابع السردي لمقاطع ديوان " عالق في الغمر كالغابة كالأسلاف " بصفتها العلامات التي ترشدنا على الطريق ، طريق العالم / النص .
بين الأصيل والمعاصر 
        بين الماضي والحاضر يقف الإنسان كطفل على حواف غابة كبيرة ، غابة هي ذاكرته / العالم : ( إليها     " أَلِيس " .. كلما تخطو إلى بلاد العجائب خطوة .. تفوتُ رعشةً .. ينساها فيها الظِلُّ )، هذه هي صيغة إهداء طفل مؤمن سمير إلى أَلِيس رفيقة روحه على ضفة ما في هذا الوجود ، فهو يدعوها و يدعونا لنرى عالمه عبر كينونته التي تقف عالقة في غمر الوجود وتدفقاته وكثافة مشهديته كما الغابة، يقف هذا الطفل كما وقف الأسلاف مصغياً لنشيد هذه الحياة ومتأملاً موسيقاها بحثاً عن الحقيقة ، فلابد من شيء آخر في بلاد العجائب / ديوان عالق في الغمر كالغابة كالأسلاف ، هذا الطفل هو سليل الأسلاف من الحالمين والثوار الذين تركوا له إرثا ثقيلاً : " سابوا في آخر الكهفِ سَوْطاً لزيتِ الحنين والحنطة .. دقوا تحت عصى الراعي هلالَ التَلِّ البعيد " ص 5 ، بعد هذا المقطع الشعري الذي يسبق الفصل الأول المعنون بـ " برعشة السور " وبعد الإهداء إلى " أليس " وبعد تضمين من الشاعر اليوناني إيليتيس ، تأتي المقاطع الشعرية في تجاور تقع عليه عين الطفل التي هي عين الطائر الباحث عن الحقيقة ، ليفصح كل مقطع شعري عن أحد تفاصيل مشهد الغابة / الحياة والصراع القائم ، تتنوع المشاهد في طبيعتها السردية فمنها ما يصور صراع الأجداد / الثوار في وجه الإقطاعي : " الإقطاعيُّ .. يرسم الغابة .. ثم يهيم .. يفوت الخدم والذهب والموسيقى .. ويغمغم تحفظني حيواناتي .. وبعدما طالت الرقصة في مرايا البهو .. شدت المخالب الشك .. وقالت موتاً تموت " ص 13 ، تقوم الثورات في الغالب عندما ينقسم المجتمع والواقع إلى فريقين لا ثالث لهما أصحاب الثروة الفاحشة والفقراء المعدمين ، وهو ما يحيل إليه هذا المقطع الشعري  الذي يمثل على مستوى النص فكرة أصيلة ، فمفردة الإقطاعي تمثل قرينة دلالية تربط ما بين تكرارية الفعل الثوري على المحور الزمني التعاقبي في تصورنا عن ظرفية حدوثه، وبين تصور أسباب حدوثه الآنية، ففي وقتنا الحالي لم يعد هناك وجود للإقطاعي بمعناه القديم وإن توحش أصحاب رأس المال ووصلوا إلى ما هو أبعد ، يقف في الجهة المقابلة مشهد معاصر للثائر وهو يلقى حتفه : " أعي دوري تماماً .. وأحافظ عليه بجد .. الذي يصل بموازاته المُخَلِّص.. ومن خلفه الثورات، تُؤَمِّن المنحدر والأظافر والشقوق .. ثم ينزع المبجل ( دارون ) .. ودون رحمة " ص 63 ، ينقل هذا المقطع وعي هذا الثائر ( الأبدي ) بدوره في مواجهة الظلم ، في حين تأتي مفردة ( دارون ) كقرينة ذات دور دلالي مزدوج ، فهي من جهة تحرك خيالنا معها ومن ثم تصورنا لهيئة طرفي الصراع ( الثائر والإقطاعي )  وتطور هيئتهما عبر الزمن، من صورة العبد أو القن الذي يثور على صاحب الأملاك إلى عمال المصانع أو التراحيل في مواجهة طبقة رأس المال، أو السماسرة الكبار المحتكرين لتوريد وتصدير محصول ما ، أي أن تصورنا ينتقل معها من السابق إلى اللاحق ، وفي جهة أخرى  تصنع مجازاً استعارياً ما بين الانتخاب الطبيعي بطبيعته الانتقائية، وما بين اصطفاء الثوار دون غيرهم  لتأدية دورهم، دور المُخَلِّص.. لا تتوقف صورة الثائر في سياق النص عند المعني المتعارف عليه بل إنها تتسع لتشمل الثورة على الطبيعة وعلى كل ما هو راكد ، على أي شيء يحد من تدفق تيار موسيقى الثورة الأبدي والخالد في روح هذا الحالم : " مرةً وأنا شاب .. ثُرت على البحيرة الصغيرة .. ثرت ثورة حقيقية .. عجنتها من نيران الصيف وحطبه .. أيُّ عاصفةٍ أن تكون تميمتي .. تمساح البحيرة ؟! " ص 39 ، هذا الثائر يعرف أنه سيدفع دمه مقابلاً لأن يصنع من تمساح البحيرة /الإقطاعي المغتصب تميمة شرفه وبقاء روحه النقية في أتباعه ، وتقوم بقية المقاطع الشعرية في هذا الفصل " برعشة السور " بمتابعة الحالة الثورية لدى طفل مؤمن سمير في مشاهد مختلفة تحمل في داخلها عبر القرائن الدلالية لتجربة الثائر والوصف الآني لهذه التجربة التي ستظل الموسيقى المغذية لروحه أبداً .. فصل " برعشة السور " عنوان يحمل مفارقة مع المحتوى من حيث المقابلة الحاضرة دائماً بين الماضي والحاضر/ المستقبل ، فرعشة السور تعبير ينقل المخيلة إلى ما بعد نهاية العالم، والنفخ في السور وقيام الناس مرة أخرى، هو بشكل أو آخر تصور لما هو مستقبلي ، بينما تفاصيل رعشة السور هذه هي الثورة الدائمة التي يرصدها هذا الطفل داخل الغابة / العالم ، مع نهاية هذا الفصل نجد أن المقاطع أخذت عبر مدلولها اللغوي تحيل إلى الوضع الراهن وإلى أن حياة هذا الثوري ممتدة، فموته لا يعنى انتهاءه ولكنه في تجدد دائب : " كذلك لا تُخبينا ستارة الصندوق .. نحن أولاد أمرٍ آخر " ، ص 78 ، يتخلص الشاعر إلى الفصل الثاني وهو بعنوان " بقرابة الموسيقى " ، فبطله الثائر رحل عن عالم الغابة والصراع الوجودي منفرداً بموسيقاه في استراحة تسمح لروحه أن تستمتع بموسيقى ثورته الخالدة عبر تجدده اللانهائي في كل شيء ، في الحجر والشجر والملابس والذكريات، ليعود مرة أخرى مواصلاً صراعه في صور وهيئات مختلفة، حيث يعمد مؤمن سمير إلى أنسنة الأشياء لتتحدث بصفتها روح هذا الثائر المتجدد .. يأتي هذا الفصل في مقاطع قصيرة نسبياً تحمل عنوانتها أسماء لأشياء تخبرنا عن وجودها ، وهو ما يعبر عنه التصدير قبل هذا الفصل : " ومع أن سيد هرتا أفلت من ( الذات ) آلاف المرات واستقر في العدم .. إلا أن العودة كانت محتومة ... ويعود سيد هارتا .. ويعود يشعر بالعذاب " ، يتخلل هذا الفصل جزء توثيقي كبير من أغان وحكايات عن موسيقيين ومغنيين كبار تجددت روح هذا الثائر فيهم ، في كل زمان ومكان ، هذا الجزء التوثيقي يقع بين المقاطع الشعرية التي تحمل عناوينها أسماء لأشياء وأماكن و.... ، وهو يدخل في سياق النص باعتباره تناصاً ، تتنوع مصادر هذا التناص ما بين أجزاء من أغان لمغنيين مشاهير، أو مقتطفات من حياة موسيقين كبار كــ ( فيروز، أم كلثوم ، محمد منير ، محمد عبد المطلب ، سيد درويش ، أميمة خليل ، محمد عبد الوهاب ، عبده الحامولي ، زرياب ، ريمسكي كورساكوف....) ، يضع مؤمن سمير هذه المقتطفات الشعري منها والنثري في توالٍ وبدون أية فواصل مشيراً في نهاية ديوانه إلى أسماء أصحابها ، هذه المقتطفات المتنوعة هي امتداد أيضاً لجدلية الماضي مع الحاضر، وهي تقوم بدور البحث المقارن ، ففي الوقت الذي يذكر فيه مقتطف من حياة محمد عبد الوهاب، أو  يذكر مقتطف من حياة كورساكوف يذكر مقتطفاً آخر من حياة زرياب وعندما تحضر أم كلثوم تحضر معها أيضاً واقعة لإحدى الجواري في قصر الرشيد ، وهكذا يواصل جدليته في استحضار الأصيل والمعاصر ذاكراً أشعاراً أو مقاطعاً غنائية شاركوا فيها أو حملت أسمائهم ، يستخدم مؤمن سمير خصيصة بحثية في هذا الفصل وهي رؤية العالم / النص من خلال الكشاف  index وهو بالطبع لا يلتزم بقواعد التكشيف بمفهومها العلمي، فعنوانات المقاطع الشعرية وما تحتويه بمثابة تعريفات أو إضاءات للمفردات الواردة في النص / الغابة في فصل " برعشة الصور" ، وهي تتصل معه عن طريق الإحالة التي تبررها تجدد روح طفله أو بطله الثائر وعودته للوجود في هيئات مختلفة ، من ذلك ص149 المقطع الذي يحمل عنوان ( أسطوانة بعيدة ) : " أحمل لهم أرواحهم وأصيغ له عظامه "، وكذا ( نغمة بعيدة ) ص150 :  ، تنتهي هذه المقاطع الشعرية بمقطع عنوانه ( الظلام ) ص 175 مؤكدة على المعنى نفسه حيث الموت والتوالد الأبدي لهذا الثائر في أرواح أناس وأشياء : " سأخنق هذا الولد بجدائلي الفاحمة التي آخرها موسيقى .. فتطلع روحه بردانةً .. تبرق من البهاء الجميل " ، على هذا المنوال تقريباً يشغل طفل مؤمن سمير بلاده العجائبية متلصصاً من زوايا مختلفة فيكتشفها بعين طائر مرات وتتأبى عليه مرات أخرى ، محاولاً الرؤية والمقاربة كي يصل إلى موسيقى روحه الثائرة ، تتداخل في بناء هذا العالم / النص الفنيات الإبداعية والبحثية وهو أمر ليس بالسهل ، وربما في هذا المقام لا يفوت القارئ أن يرى أوجه قرابة واضحة بين مؤمن سمير الذي تناسل من روح ثائر آخر هو الكبير محمد عفيفي مطر،وهو أمر ربما يحتاج لقراءة مطولة والوقوف على أوجه التشابه والاختلاف على مستوى بناء الحالة العامة للنص أو على مستوى المفردة الشعرية والتركيب اللغوي .. 
" عالق في الغمر كالغابة كالأسلاف " محاولة تلصص أو تأمل للعالم والوجود من أجل سماع موسيقى الروح وثورتها .
 
(الكتاب: "عالِقٌ في الغمر .. كالغابة كالأسلاف" . شعر : مؤمن سمير . الطبعة الأولى 2013 ، الهيئة العامة لقصور الثقافة).
 
 
* أديب من مصر.