عمق التاريخ والدلالات في قصة "كابوس أبوي" للقاص فرج ياسين

Printer-friendly versionSend to friend
داود سلمان الشويلي*
 
تتطلب "القصة القصيرة جدا" التركيز،واللغة الايحائية المقتصده، والموضوع البسيط الذي يتصف بالعمق في المعنى والدلالة، والخاتمة القوية التي تأتي كالصاعقة فتنسي كل الامور الجانبية الأخرى.
وقصة "كابوس أبوي " للقاص فرج ياسين نموذجاً للقصة القصيرة جداً التي تتصف بالنضوج الشكلي في الموضوع ، والمضمون،والبناء،والنهاية القوية،فتوافقت فيها الأدوات الفكرية التي يحملها القاص ،مع الأدوات التعبيرية التي قدّم بها هذه القصة.
والجدير بالذكر ان هذه القصة تبدأ،بعد العنوان مباشرة،بعبارة بعيدة بعض الشيء عن مضمونها،لكنها قريبة في موضوعها،إذ تقول هذه العبارة " بعد ذلك الفيضان" ، والقصة في مضمونها لا تذكر أي فيضان ، فهل كان القاص يريد ان يزيد الغموض الابداعي الذي تتصف به القصة غموضا ابداعيا اكثر؟اترك الاجابة لما بعد فحص وتحليل القصة .
***
تضم  هذه الأقصوصة  خمس حركات سردية،الأولى سماع طرق على الباب في وقت يقع بين اليقظة والحلم .والثانية تنوع المكان الأصلي للفتاة.والثالثة اسم الفتاة " عشتار ".والرابعة والتي تشكل الضربة الأخيرة للقصة ان هذه الفتاة " عشتار " هي ابنة بطل هذه القصة المتوفاة.والحركة السردية الخامسة  ان الفتاة تلك غير موجودة في فراشها عند مجيء الأب لها .
الحركة السردية الأولى التي يقدمها الراوي هي:"صار يصحو كل يوم على طرقات كثيرة تعصف ببابه المخلّع الألواح ، بعضها طرقات ناعمة مرتبكة. وبعد احتيال – مهدد بالاشمئزاز – على أضغاث متجاورة من الخجل والرعب والتبكيت ؛ قرر فتح الباب".
وعند اقتراب القصة القصيرة جداً من نهايتها ، يقول الراوي:"بيد انه تدارك انهمار أحلامه" ، ومن خلال هذه العبارة  نتعرف على ان الأب يعيش بين حالتي اليقظة والحلم ، أي في حالة تشويش ذهني مرحلي.
 كانت القصة تتحدث بضمير الغائب، أي ان الراوي يتحدث عن شخصية البطل ، ومن خلال هذه الشخصية نتعرف على ما يشغل ذهن البطل من هموم وانشغالات،ولا تتوضح لنا تلك الهموم والانشغالات إلا في نهاية القصة .
فاليسرد ينقل الحالة النفسية لبطله من خلال جملة الاستهلال التي يبدأ بها قصته ، حيث نرى البطل يصحو مشوشاً في كل يوم على طرقات الباب، هذه الطرقات يصفها الراوي بأنها طرقات"ناعمة"، وعلينا نحن المتلقين ان نفسر نعومة هذه الطرقات وهي من فعل شخص صغير السن .
وثاني أوصاف هذه الطرقات على الباب انها طرقات "مرتبكة" . والارتباك هذا يحيل الى ان الشخص الطارق هو شخص صغير ،خائف وفي حالة نفسية قلقة .
اذن، من خلال أول حركة سردية نتعرف على ان الطارق هو صغير السن وفي حالة نفسية مرتبكة .
فضلا عن ذلك نجد هذه النفحة ا التي تتميز بها شخصية الطفلة الطارقة، يقول القاص (السارد):  "إن لها نظرة راعشةً وشحوباً ملكيّا"، هذه النظرة الراعشة ، والشحوب المتميز ، يحيل الى الحالة التي كانت عليها هذه الشخصية ، ذلك لأنها هي امتداد تاريخي الى عمق تاريخ العراق الحضاري، انها تحمل كل امتداد التاريخ الطفولي في العراق ، وفي تلك المدن التي ذكرتها القصة .
اما البطل (الأب) فقد كان في وضع ما بين النوم واليقظة ، وهي حالة نفسية يعيشها الأشخاص الذين تتلبد في نفوسهم المشاكل والهموم كالغيوم السود، فهو يتصف بـ " الخجل والرعب والتبكيت"، والخجل المتولد من عجزه في حماية ابنته ، والرعب المصاحب للحالة التي وصل اليها، حاله بين النوم واليقظة في كل ليلة ، والتبكيت ، أي التقريع والتوبيخ لنفسه .
وفي الحركة السردية الثانية يذكر الراوي ان هذه الفتاة قد جاءت ، في كل يوم ،من مدينة عراقية تاريخية، مرة هي:" من مدينة أور أو مدينة نيبور". واخرى "إنها من مدينة نينوى أو لكش "، وبعد يوم واحد ادعت إنها "من مدينة نفر أو أريدو" ، وتنهي الفتاة قولها عن المكان الذي جاءت منه:"لكنها في اليوم التالي أجابت قائلة إنها من مدينة ( تك ريتا )..."، والطريف ان الأماكن هذه تحمل اسمين لمدينتين تاريخيتين،سوى المكان الأخير فإنه على شكل مقطعين لفظيين، الا انهما يشكلان مكاناً واحدا بإجتماعهما.
ان تغير اجابات الفتاة ليس معناه انها لا تعرف المكان الذي أتت منه ، بل ان هذا التعدد يحمل دلالة ومعنى اكبر من ذلك ، انها تشير الى انها جاءت من العراق كله من الشمال حيث (نينوى) الى الجنوب حيث(سومر)،وهذه الأماكن هي جزء من العراق، وتشكل بمجموعها العراق القديم والجديد. وكذلك تشير الى انها قد جاءت من عمق التاريخ الذي تحمله هذه المدن .
ان كتابة القاص فرج ياسين لمدينة  تكريت  على شكل مقطعين( تك ريتا ) له دلالته ومعناه ، فهو يرمز الى ان هذه المدينة التي تأتي من عمق التاريخ " الأشوري" هي موجودة كذلك في تاريخنا المعاصر ، انها ممتدة في الزمان ، وباقية الى الأبد رغم ما اصابها وأهلها من مآسٍ وويلات.
والحركة السردية الثالثة هي ان اسم الفتاة هو " عشتار "،وهواسم له جذور تاريخية ممتده في عمق التاريخ ، فهو اسم سومري ، والسومريون هم أقدم من سكن العراق كما جاء في اللقى والدراسات الآثارية، فلا غرو ان تحمل بطلة القصة هذا الاسم،لأن الكاتب اراد ان يشير الى عمق المعاني والدلالات الي يشير اليها هذا الاسم، انها ابنة العراق الماضي والحاضر .
أما الحركة السردية الرابعة فهي ان هذه الفتاة "عشتار"هي ابنة بطل هذه القصة الفقيدة.
وفي الحركة السردية الخامسة،  فإن البطل " الأب" لم " يجدها في الفراش" و تأتي هذه المعلومة كالضربة النهائية لما تحمله القصة من فكرة ،لقد فقدها هذا الأب العراقي في احدى الانفجارات ، او في احدى عمليات الجريمة المنظمة في سرقة وقتل الأطفال،او ... الخ.
الصور الموحية التي قدمها القاص في قصته هذه من مثل صورة البطل وهو بين اليقضة والنوم، وكذلك تبدل إسم مدينة البطلة،وايضاً اسم الطفلة القادم من عمق التاريخ ،كل هذه الصورقد قادت الى نهاية القصة،مما زاد الادهاش،فكسر عند ذلك حاجز التوقع السميك للقاريء،وهي انها ابنته الميتة ،او المقتولة،او المفقودة ،فجاءت ادواته الفكرية متناسقة مع ادواته التعبيرية.
ان جعل القاص"عشتار" ابنة بطل القصة،اراد به التأكيد ان ابيها هذا هو آت من عمق التاريخ ايضاً كما هي .
اما الفيضان الذي قصده القاص في مقدمة القصة هو هذه القصة القصيرة جدا بما تحمله من سيل جارف من المشاعر المحبوسة في نفس وقلب الأب تجاه ابنته الفقيدة ، والتي تصل الى الذروة في الجملة الأخيرة من القصة ،"فلم يجدها في الفراش".
 تتضمن  هذه السطور ما يبدو تفسيراً لمضمون القصة ، ولا شك ان التفسير يذهب بكل حسنات القصة، ويسحب البساط من تحت اقدام المتلقين الاخرين، ويصادر فهمهم لها ، الا أن هذا التفسير يقدم فحصا وتحليلا لها ، فكان التفسير هنا تحليلياً فاحصاً.
 
(الصورة المنشورة للقاص فرج ياسين).
 
* أديب من العراق.