غيــد الرباط

محمد خماسي*

في الستينيات، وحتى في تلك السبعينيات، وفي دواويرنا المندلقة من معاطف جبال الأطلس، كان الراديو بالنسبة إلينا صنو الإمتاع والمؤانسة. وما زلت أذكر، يوم حل هذا الضيف ببيتنا أول مرة، كيف كنا نحن الصغار نحتفي به ونتناوب على حمله فرحين بِتَكَوُّمِ ذاك العالم الأكبر بين أيدينا الصغيرة. كنا نكبر وكان العالم يتسع بين تلافيف تلك العلبة الساحرة. كانت علبة هولندية الصنع، لَكَأَنَّ الأراضي المنخفضة أبت إلا أن تُسعِد ما نَبَا من شقيقاتها الأطلسية.
ومرت الأيام، واستأنسَت بنا السنوات، فكان لي نصيب من جنون الراديو. كانت أصابعي، وأظافرها لم تبرح بَعْدُ نعومتها، تكتشف تفاصيل الراديو بشغف. الإطار الناعم بلونه الأخضر الهادئ. والواجهة الأمامية بنتوءاتها الناصعة البياض كأنها قُدَّت من صدف. وفي الجزء العُلوي تتربع لوحة أفقية بلون آزوردي ينعكس عليها فضول العيون، وعلى يمين اللوحة زر فِضِّي يتحكم في المؤشر المُبَنْدَل يمسح اللوحة ليرسو كل مرة على موجة من الموجات.
وحين بدأت أستأنس بالحرف اللاتيني ازدادت دهشتي، وأنا أفك حروف أسماء تناثر بهاؤها نُقِشَت بالأبيض على اللوحة الزجاجية الزرقاء: أوديسا، تبيليسي، تاشخنت،  سلمنكا، نيقوسيا ...
كنت أستلقي معانقا تلك الجغرافيا العجيبة. وبين اليقظة والوسن كانت أصابعي تداعب الزر الفضي فينعشني رذاذ الموجات. وكانت القِصار أَلذَّها جميعا.
كبرت وكبر معي عشق الراديو. وناورَت الأذنُ كثيرا لكي تستوفي حقها من تلك الـ ''أَحْياناً'' التي تنازلت عنها العين في مملكة العشق، فالأذن يا قوم لبعض الحي عاشقة. فتعددت المحطات والعشق واحد. كان عشقا مسربلا ببعض الفخر. وقد كنت أحُلُّ – عن سبق إبحار وتردُّد - ضيفا أثيريا على برامج متعددة. ولما بدأ عود فَرَنْسِيَّتي يشتد التقطتني إذاعة فرنسا الدولية. لكن من كل طيف موادها الباذخة كان يشدني بخاصة برنامج ''  Le jeu des mille francs'' لصاحبهLucien Jeunesse . 
كان البرنامج المشهور بطقوسيته يشد الرحال إلى مدن فرنسا وقراها لينبش في المادة الرمادية للمواطن الفرنسي ''العادي''، في ما يشبه إعلام القرب أو قُل راديو القرب. وكان المنشّط يطرح في احتفالية تامة أسئلة في الفكر واللغة والأدب والتاريخ والفنون، مبتدئا بلازمته الجميلة: ''صباح الخير أصدقائي''... وتنتهي اللعبة بفوز أحد المتنافسين ،ومسك الختام ''إلى الغد، إن طاب لكم'' . وبدافع من الفخر الآنف الذكر كنت أُمْطِرُ الراديو بزخات من الأجوبة. لكن ما كان يثير حنقي هو إغراق الأسئلة في الخصوصية الفرنسية. كانت شبه غصة تقف في حلقي. تساءلتُ مرارا ما كان ضرَّ دَارَ الإذاعة المغربية آنذاك لو تجشمت عناء إيفاد طاقم إذاعي بسيط يجوب قرانا الجبلية والدواوير المنسية، ويسأل أناسها عن أشياء قريبة من وجدانهم ويجدون فيها معنى لانتمائهم. وكثيرا ما شط بي الخيال – وهو الأمَّار بالسوء –  بعيدا وتصورت برنامجا يقدمه إذاعي من بني جلدتنا، وليكن اسمه على سبيل الحصر لا المثال '' لْحُسَيْن مايشيب''، وليكن اسم البرنامج ''لعبة الألف ريال''. تصوروا جو الأسئلة ومنبه العد العكسي والأعصاب والتصفيقات والزغاريد ''وهْنا تالْف الريال وهنا نْلْعْبو عْلِيه ''، والفرحة والعناقات  في الدوار المنسي في تلك السبعينيات .
لقد كان يساورني اليقين بأنني فائز لا محالة بتلك الألف ريال، فماذا كان ينقصني؟ كنت في تلك الأزمنة أعرف أجوبة الكثير من الأسئلة. أعرف اسم ''صومعة نِصْفُها ذهب'' واسم ''من لم يقتل كسيلة''، وأسماء مدن مغربية تفرقت حروفها أيدي سبأ، بل كنت أعرف حتى اسم ''أكثر الخلفاء الراشدين عَدْلاً''.
وفوق هذا وذاك – صَدِّقوني – كان لساني أمازيغي السليقة والهوى. فتصوروا لو كان البرنامج بالأمازيغية. كنت سأضرب طولا وعرضا. كنت سأتفوق في فك أكثر الألغاز تعقيداً، بما في ذلك ما نُظِمَ شعراً. فقد كنت على دراية بأشعار سوس المنسوبة للرائد سيدي حمو الطالب. ومن يدري، ربما كنت استعنت بوثوقية خالتي رقية التي كانت شهرتها، في ارتجال الشعر الأمازيغي، قد طبقت الآفاق (الجبلية طبعاً).
... لكن أحلامي وحدود خيالي سرعان ما كانت تذعن لِواقِعٍ ما كان ليرتفع زمنذاك. فالأمازيغية كانت منزوية، لساناً وذبذبات هرتزية، في الزمن الإذاعي  وفي اللوحة الزرقاء. حتى المذيع، الذي وُلِدَ في سوس و''تْقولْبْ فْ الرّْباط''، على حد التعبير الذي طَرَزَهُ الزجال المغربي أحمد لمسيح، كان صوته يكاد لا يُسمَع وسط جلبة الموجات... لقد كان يعلن بفصاحة خجولة وخجل فصيح، وبأمازيغية نِصْفُها ذهب : '' غيدْ الرباط لِداعا نْتـْﮕلْديت نلْمْغْرِب''.  
 
mkhmassi2004@gmail.com 
 
*  أديب من المغرب/ امراكش.