"فاطمة" مسلسل تلفزيوني تركي يثير ضجة في برلمان بلاده

Printer-friendly versionSend to friend
مازن الياسري*
الدراما التركية لم تعد ظاهرة موسم او تقليعة ثقافية، بقدر ما اصبحت واقعاً مألوفاً يحاكي الذائقة الفنية العربية، ورغم الجدل الدائم بين المرحبين بالانفتاح الثقافي والاجتماعي العربي تجاه الدراما التركية، وبين بعض النتقدين، إلا أن الدراما التركية أصبحت أمراً واقعاً وضيفاً يومياً على شاشات العديد من المحطات العربية.
التنوع في مواضيع الدراما التركية أشبع حاجة المشاهدين إلى التنوع الذوقي ، ولعل قصص الحب والخيانة هي الأكثر جذباً للمشاهد العربي، وما زالت مسلسلات "نور" و"العشق الممنوع" وبعض الأسماء الأخرى الأقرب لذائقة الجمهور العربي العريض.
 يُعرض هذه الأيام مسلسل تركي جديد عبر شاشة فضائية MBC،  ويعالج المسلسل قضية اجتماعية عبر حبكة درامية حيوية، ربما لآن قصة المسلسل حقيقية حدثت فعلاً ،وربما لآنها كتبت كرواية أولاً قبل أن تتحول لمسلسل.. ذلك هو مسلسل "فاطمة". او كما يعرف في تركيا بقضية فاطمة غول، أو "ماهو ذنب فاطمة غول؟". هي قصة حقيقية تجسدت في رواية حملت الاسم نفسه "ما ذنب فاطمة غول؟".
 القصة الاصلية حدثت  في عام 1975، وتتحدث عن قيام أربعة شباب سكارى باغتصاب شابة فقيرة تدعى فاطمة، تعيش في قرية ساحلية مع شقيقها المصاب بإعاقة ذهنية وزوجته المتسلطة. فاطمة غول وتعني باللغة العربية ( فاطمة الزهراء) شابة جميلة مخطوبة لصياد من قريتها. تفاجأ بمضايقتها ثم اغتصابها من طرف اربعة شبان، ثلاثة ينتسبون لأسرة غنية متنفذة جذورها من قرية الفتاة، وكانوا يمضون اجازة في القرية تاركين مساكنهم في اسطنبول، إضافة الى شاب رابع فقير من اهالي القرية تربطه مع الشبان الثلاثة صداقة تعود الى أيام الطفولة.
محور القصة التي بنيت عليه الرواية ثم المسلسل، يتمحور في عدة جوانب متداخلة فمن التعاطي مع قضية اغتصاب فاطمة، الى النظرة الاجتماعية القاسية لها رغم كونها ضحية، الى المحاولات المادية الفاسدة للعائلة المتنفذة لإنقاذ ابنائها من العقاب جراء اقترافهم لجريمتهم. مع معاناة انسانية صورها المنولوج الداخلي العميق لنفسية فاطمة، الشابة المظلومة التي قامت بأداء شخصيتها الفنانة التركية بيريين سات الشهيرة بشخصية سمر في الدراما التركية "العشق الممنوع"، والتي عرضت قبل عامين، ويقف أمامها النجم التركي انجين كيوريك. كما يضم المسلسل نخبة من نجوم الدراما التركية. رصدت ميزانية انتاج ضخمة للمسلسل، وصورت مشاهده في مواقع مختلفة في مدينتي اسطنبول وازمير.
المسلسل يعالج نشوء الحب على انقاض الكراهية. ويحاول تقديم صورة لبداية حياة بعد تعثر وانكسار نفسي شديد صاحب الفتاة. وبلا شك فحرص المسلسل لم يكن على النجاح الدرامي فقط ،بل هدف لإثارة جملة من القضايا الإنسانية، وخاصة حوق المرأة.
 
 أثار عرض المسلسل في تركيا ضجة كبيرة، فقد تسببت الحلقة التي عرضت اغتصاب فاطمة بين ضحكات المغتصبين وصراخ وبكاء الضحية، في إثارة مشاعر الكثير من المشاهدين الأتراك، كما طالب نواب في البرلمان التركي بايقاف عرض المسلسل لأنه "يسيئ الى المجتمع التركي بالأشارة لقصة الاغتصاب" حسب زعم هؤلاء، في حين دافعت عديد منظمات المجتمع المدني التركية والألمانية عن المسلسل، وطالبت بمواصلة عرضه لأنه يكشف ثغرات  في القانون التركي تجاه قضية الاغتصاب، وذلك  لسماحه للمغتصب بالإفلات من العقاب بمجرد الزواج من الضحية. مع الإشارة الى أن القانون التركي لا يجرم العلاقات الجنسية قبل الزواج، كما في معظم قوانين الدول العربية، وبالتالي فقد رأت مناصرات لحقوق المرأة ان المسلسل يدعو لمعاقبة مرتكبي جرائم الاغتصاب وإنصاف الضحية، والحث على تصحيح الرؤيية المجتمعية للمغتصبة، 
بالتالي فإن مسلسل فاطمة  يُعدّ اول مسلسل تلفزيوني تتم مناقشته في البرلمان التركي.
تعتبر تركيا من الدول التي تحظى فيها النساء باحترام اجتماعي وقانوني ، وتتعامل مع المرأة قانونياً كشخص كامل الأهلية، وقد سعى ملسل فاطمة لتطوير مكانة المرأة قانونياً،  في الوقت الذي تعاني منه العديد من الدول العربية القريبة من تركيا جغرافياً، من  تعقيدات اجتماعية وقانونية جسيمة بما يتعلق بواقع المرأة وحقوقها.
 
* كاتب من العراق