فنجان أسود ورقصة عجوز 

حسين السنونة

 

كان لي صديق يعشق ان يكون وحيدا اينما يحل. يعشق في الحياة الكتاب والقهوة السوداء، يجلس الصباح باكرا، يحرك رأسه بقوة حتى يتأكد انه خالٍ من اي شيء يعكر المزاج من اهتمامات يراها تافهة: فواتير كهرباء، وماء وتلفون، او البحث عن علاقات جديدة او حل مشاكل لصديق او احد افراد العائلة، او سماع اخبار كلها حمراء من الأعلى الى الاسفل، يتناول اي شيء مخبأ في الثلاجة، ثم يختار كتابا من مكتبته الكبيرة، ويتجه بسيارته الى المقهى الذي يقبع في آخر المدينة، يجلس الى الطاولة التي أصبح يعرفها جيدا وهي تنتظره كل صباح، يطلب من العامل ابو فارس فنجانا من القهوة السوداء ويضع موسيقا كلاسيكية، ثم يفتح كتابه وتبدأ الرحلة مع القراءة التي تقارب الساعة او الساعتين ولا يرفع رأسه الا لتقبيل الفنجان ،وينسى كل شيء في العالم حتى صوت الموسيقا ولكن لو تم تغير او انتهت الموسيقا  فإنه ينتبه ويستفسر من عامل المقهى ابي فارس لماذا التغيير او التوقف:
- ابو فارس،  لماذا غيرتم الموسيقا؟
- لا يا أستاذي لم اغيرها انا، ولكن هناك زبون آخر طلب التغيير فهو لا يعشق الموسيقى الكلاسيكية.
- اه. تمام اعتذر لك وله .
- هل تريد شيئا آخر استاذي فنجان قهوة آخر او موسيقا ؟
"فنجان قهوة، اما الموسيقا  فاتركها كما هي حتى لا ينزعج الزبون الرومنسي، ويحدث تلاسن لماذا وكيف ومن هو ولعل وعسى وتخسر أحدنا او كلانا.
رجع لكتابه، وبينما هو في حوار مع الكتاب وإذا الموسيقا ترجع كما طلب هو. توقف عن القراءة أطبق الكتاب وطلب العامل: 
- يا صديقي ابا فارس، لماذا ارجعتم الموسيقا لسيرتها الأولى والغيتم الحالية ؟
- لا يا استاذي ذلك الزبون سألني عما دار بيني وبينك فقلت له ..اعتذر وطلب بأن ارجع الموسيقا سيرتها الأولى . 
- آه .. يبدو انه غلبني بأخلاقه وتفكيره وحُكمه على البشر، مازلنا نتعلم .
رجع الى الكتاب وهو يبتسم دقائق وتوقفت الموسيقا ..استغرب فطلب العامل مره اخرى:
- ابو فارس ماذا بكم اليوم تضعون تغيرون وتخرسون الموسيقا
- لا استاذي هناك زبون جديد طلب تغيير الموسيقى فأخبرته بما حدث بينك وبين الزبون الاخر فقال اذن اخرسها .
رد صديقي:
- آه .. فربما هو انسان يحب الهدوء، والموسيقا تزعجه او تذكره بموقف او مناسبة حزينة، فقرر ان يخرسها حتى لو على حساب ذوق الآخرين ..لا عليك يا صديقي ابا فارس، فعلت الجيد حتى لا نسمع صراخه وعويله ولربما سبه وشتمه ولعنه على الجميع، ولربما على المسؤولين الذين لا ينجزون العمل في وقته والوزراء الذين يجيدون صنع القرف في حياة البشر، ولربما العالم ولربما يقرر الانتحار في المقهى فيصبح المقهى مشهوراً بقصة المنتحر الموسيقي.
العامل يضحك.
- ليس لهذه الدرجة يا استاذي مجرد زبون ومجرد موسيقا.
- بالفعل كما تقول مجرد زبون ومجرد موسيقا ونحن مجرد بشر على الأرض لوقت معين ليس قابلاً للزيادة او النقصان.
فجأة تغيرت الموسيقى ، وكأن اعواد القيثار تتراقص وصوت مطر خفيف يكاد يلامس الأرض وصوت مزمار يجعل  المستمع يحلق بجسد ملتصق بجسد حبيبته.
توقف صديقي عن القراءة وعن شرب القهوة في لحظة .. قليل ما كان يعيشها مع اجواء موسيقية.
- جميل صديقي ابو فارس اختيارك جيد للموسيقا انها قطعة تجعل من المستمع يحلق ويحلق كأنه طائر يمتلك مساحة السماء دون ان يتعب، بطنه نحو البحر وظهره نحو السماء.
- لست انا يا أستاذي من غيّر الموسيقى، شاب مع زوجته او خطيبته يبدو في قسم العوائل هو من طلب وضع القطعة الموسيقية التي ادهشتك وربما عدت الى زمن الصبا.
 ـ ولكن اختياره جميل يبدو في بداية حياة موسيقية رومانسية حميمية اتمنى ان يستمر، ويستمر ولا يضطر ان يشرب القهوة السوداء وسماع الموسيقى الكلاسيكية كل صباح اسود.
رجع لتناول الفنجان الثاني من القهوة وملاعبة صفحات الكتاب ويكاد ينتهي من القراءة وإذا  بقطعة موسيقية  بصوت عالٍ، كاد ان يسقط فنجان القهوة وتتمزق صفحات الكتاب من يدي صديقي، كاد ان يصرخ ولكنه أمسك اعصابه ونفسه ورأسه وكل ما يملك.

 

ما هذا يا ابا فارس،  ديسكو؟
- لست انا يا استاذي هناك مجموعة من الشباب طلبوا وضع موسيقا خاصة بهم، قلت لهم ما حدث بينك وبين الزبائن فقالوا ما لنا وزبائنك سوى من الشباب الذين لا يمتلكون ذوقاً في اختيار القطعة الموسيقية المناسبة للوقت والمكان المناسبين، او زبائنك العجائز الخرفان انظر هناك ذلك العجوز يقرا كتابا وفنجان قهوة اسود ولا اعتقد أنه يفهم شيئاً لا من الكتاب ولا يفهم حتى انواع الموسيقا، لربما هو يمتلك الشكل البشري فقط.
آخر من الشباب:
 انظر الى جثته كم هي ضخمة من كثرة الجلوس، نظارة تحاول الفرار من على أنفه، ووجهه  لا يعرف الابتسامة ورأسه اصابه التصحر، اعتقد إنه من الذين يطلقون عليهم جيل التسعينات.
يكمل آخر من الشباب:
 يبدو انه مشروع لوحة  جيده لتشكيلي... عجوز في مقهى بين قهوة وكتاب وموسيقى ديسكو !
يرد صديقي:
- اعتقد انهم اصابوا كبد الحقيقة يا ابا فارس.
اخذ كتابه بعد ان شكر النادل، وصل البيت وضع موسيقى كلاسيكية وجلس على الكنبة ثم فجأة وقف ووضع موسيقا الديسكو واخذ يرقص وسط بيته وهو يردد. عجوز يقرأ كتاب في مقهى يشرب قهوة سوداء لا يفقه الموسيقا ولا الحياة.. وقف قليلاً وغيّر الموسيقا الى رومانسية ومازال يرقص وحيدا كطائر ما بين السماء والأرض.
 
كاتب من السعودية.