في اللّواحقِ التالية

Printer-friendly versionSend to friend
قيس مجيد المولى*
 
حين جلستُ مقهى رضا علوان  كان بودي أن أضع الحقيبة جواريَ على الكُرسيّ، وضعتها على الطاولة وأقمت إتصالا بين هاتفي والواي فاي ووضعتُ الهاتفَ فوق الحقيبة . في إنتقالةِ أدونيس التاسعةَ مايترتبُ من الأسباب والعاشرة مايُطيح بالمعياريةِ الفنية  والعرض الشفاهي للحياة والوجود . شعرت أن قدح القهوة قد تأخر قليلاً، ورأيت النادلَ يذهبُ لطاولاتٍ أُخرى ، نظرتُ  الى الشارعَ وحسبتُ كم من السّيارات مرقت من خلاله ،فانعكس هدوء ذلك الشارع على هدوئي وتسيدتني السكينةُ  وتبادر لأسماعي من طاولة مجاورة يَفصلُ ما بيننا أصيصُ زهورٍ صناعيةٍ، تبادر لأسماعي (روماتزم شديد وهواء رماديُ اللون..) لم أفطن وأنا أكتب الى اللغة بوصفها بناءً ونظاماً ولم أنظر الى دالها ومدلولها ، ولم افطن لساعتي التي تهشمت زجاجتها عند نزولي من الباص ، ولم أفطن لقدميّ وهما يتثاقلان في التعبير عن الطريق الذي تسلكانه فأردُ عليهما :
نحنُ نقرأ ماضينا الشعري ..
نقرأُ الفِراغَ ضمن التقنين والتعقيد ،
نحن في هجرة دائمة من الذات وإليها ،
أعني
النادلُ حين يأتي بفنجان القهوةِ وأوصيهِ بقدح ماء وأن يكون شبيها بالقدح الذي توارثته ذاكرتي ،
مُذ شرِبنا معا ذلك القدح إنقطع الإتصالُ بيننا ، هي إتجهت جهةَ الغرب وأنا جهةَ الشّرق، ولم نشرب منذ عشرين عاما ماءً شبيها بماء ذلك القدح، وبقي كلانا ينتظر رموزا للتحرر الشّامل والى إنتهاك المُحرم واليقين . في اللواحق التالية كان النص يقوم على  معطيات ( الفكري- التخيلي ) الفكري الذي يخترق حقولَ المعرفة لإنتاج القلق المعرفي ، وتخيلي عبرَ عالم الغيب بدون إستدراج شهوةٍ عاطفيةٍ أو نفسيةٍ ، دون أن تقدم له الشّعرية العربية مفاتيحَ ووسائل للإستبصار بعالمه الداخلي .
لم يعد الإتصال جارياً ، لكن الرّسائل بقيت تتراكم وبقي النادلُ يتراكم بنظراته إلي وأنا أكتب، ومرات يحاول إدراك ما أكتب حينها ومن تلك اللحظة كان علي  أن أٌكثفَ الأبعاد الخارجية لهذا العالم ، والغاية من ذلك أن أتّبِعَ أسلوبَ الإختصار والهدم :
بدأت أنظر لقدحِ الماء وأنصهر ..
لعلاقاتِ المعنى وأنصهر ،
للخروج من الحقائق النهائية ومنها الموت.. وأنصهر ،
كل ذلك وأعني  :
ثقافة الإرتباط الجنيني والماضي وكذا التبعية للآخر ،
ركام الذكريات نتركهُ ركاما ولا نعيشه  من جديد.
حرّكَ النادلُ الطاولةَ فسقط فنجانُ القهوةِ وتشظى تحت أقدام الجُلاس وكذا قدحُ الماء وانزوى تحت أحد الكراسي ،
صاحَ صاحبُ المقهى بالنادل أن يلقي ما تكسر في صندوق القمامة وأن يعيد تنظيف الطاولة .
 الذي حدث :
 ليس بالمعنى المنفصل بل الضرورة التي تقتضيها الحياة ووجودها كون كل منتج سيصبح مستودعاً للأجيال القادمة، والجزء المهم في هذا المستودع  ماتخزّنَ من أعني وأعني  وما سيتبعهُ من اللواحق التالية .
 
q.poem@yahoo.com
 
* أديب من العراق.