قصص حسن مزهار "أيام من زمن عاق".. ضوء في آخر النفق

Printer-friendly versionSend to friend
عبد العزيز أمزيان* 
 
بعد الديوان الشعري الأول "أعلنت عليكم هذا النذير" الذي صدر عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء/ سنة 2009.والديوان الشعري الثاني الذي يحمل عنوان" حين ينبت الأطفال" الذي صدر عن دار إحياء العلوم الجديدة بالدار البيضاء/ سنة 2011. ثم الديوان الشعري الثالث الذي يحمل اسم" هذا القادم" صدر عن دار القرويين بالدار البيضاء/ 2013. 
بعد هذه الإصدارات  سيفرج هذه السنة 2017، عن مجموعة قصصية للأديب حسن مزهار، أطلق عليها عنوان" أيام من زمن عاق" وقد جاءت في حلة أنيقة، عن مطبعة صناعة الكتاب، تقع في مائة وإحدى وخمسين صفحة.وتضم عشرين قصة.
أول ما يثيرنا في أي عمل قصصي هو العنوان. نلاحظ أن" أيام من زمن عاق" تتكون من أربع كلمات ظاهرة وواحدة مضمرة:مخبر عنه) أيام ( و(من زمن) جار ومجرور، و عاق (صفة). والكلمة المقدرة: هذه ، مبتدأ محذوف.إن "ايام" باعتبارها خبرا هي موضوع الإخبار المراد تقديمه .ومعنى ذلك أن المجموعة القصصية ستضطلع بتقديم مادة حكائية تدور حول أيام من زمن موصوف بالعصيان والعقوق. كل ذلك يدفعنا إلى طرح كثير من الأسئلة من مثل: ما شكل تلك الأيام ، ما طبيعة الأحداث التي ستسرد داخل الحيز الزمني الذي ستعطيه النصوص لتلك الوقائع؟ ما نوعية علاقتها بما نعيشه في الوقت الحاضر؟ ما أوجه التماثل والتغاير. التقاطع والتنافر بين عوالمها التخييلية والعالم الذي نحياه الآن ؟ ما طبيعة العصيان والعقوق الذي ستتعرض إليه مجمل الأحداث والوقائع المستلهمة من تجارب الكاتب وخبراته بالحياة والناس ..
ان العنوان كما نلاحظ يطرح  مجموعة من الأسئلة ، ويثير كثيراً من  الفضول  بطريقة ظاهرة أو خفية ، وأننا نلج عالم القصص محملين( بوعي أو غير وعي) بهذه الأسئلة راغبين في الإجابة عنها من خلال القراءة. 
صورة الغلاف هي صورة فوتوغرافية ضبابية، تعرض جانبا من ساحة واسعة ، تبرز من مدخلها عربتان مهترئتان بحصانين تحتهما ماء ساكن راسٍ، وصاحب إحدى العربتين يجلس داخلها  في سهوم وشرود ، بلباس تقليدي، يبدو كما لو أنه يتأمل العالم من حوله.وهو في مشهد من يسعى الى الحصول على لقمة العيش. أمامه سماء غائمة ممتدة  وبعض سحب بيضاء و بنايات تكاد لا تظهر معالمها بسبب كثافة الضباب الحائم حولها،إضافة إلى عمود كهربائي فارع الطول، وسيارتين واحدة بيضاء وأخرى بلون رمادي وبعض أشجار متفاوتة الطول، ذات أوراق خضراء..
وإذا تأملنا رمزية الألوان في الصورة، فسنجد أن لون الرماد يرمز الى الغموض والمأساة. غموض  في الرؤية إلى المستقبل، ولبس في التخطيط الاستراتيجي للمسار المقبل. ما يعني تخبط المجتمع في المأساة ، وإحساس أفراده بالملل والرتابة والحزن .بالمقابل نلاحظ وسط هذا الرماد لونا أبيض الذي يدل 
وثمة الصفاء والوضوح، ما يوحي  ببارقة الأمل التي تلوح في الأفق، والضوء الذي يشع في آخر النفق  لتجاوز واقع التقهقر والتخلف، بطموح وإرادة لتحقيق النمو والتجديد ،وهو ما يدل عليه اللون الأخضر في الصورة.. 
وتحتل العربة  حيزا مهما على الغلاف. وقد ترمز الى البطء في الزمن ،والثقل في الحركة .أعلى الصورة الموصوفة حيز بلون أزرق يغطي ثلث الغلاف تقريبا،والذي يدل على الأمان والثقة ما يوحي  بتفاؤل الكاتب  بتجاوز واقع التردي والتقهقر الذي يعيشه المجتمع.هذا الحيز يحمل عنوان الكتاب" أيام من زمن عاق "  بحروف بارزة بيضاء كبيرة الحجم .
تعالج المضمومة القصصية مجموعة من الثيمات والمضامين ذات أبعاد اجتماعية وأخلاقية وتربوية .بأسلوب فني رائق ،وأدوات جمالية متنوعة سخرت جميعها لتعطي الدفق القوي، وتحقق المتعة التي يسعى إليها  القارئ  
هذه الدلالات ، نجد لها صدى في متون قصص المجموعة، ففي قصة " البصقة" يحضر البعد الزمني بقوة،وأن المادة الحكائية ستتشكل من بعض مكوناته، ففي مستهل انطلاق أحداث النص يقول السارد " يمتد النهار عميقا طويلا، حتى يخاله لا نهاية له،" ص 5
" ينظر إلى ساعة يده " ثم يسترسل في سرد الأحداث فيقول   "النهار طويل"  " هو كذلك دائما أول أيام رمضان""تعبر عن حنينه الجارف لسيجارة تطفئ مقت يومه الذي يبدو أنه لن ينتهي أبدا..! ثم في الختام يقول السارد " مؤكدا لنفسه أن البحر ورمضان لا يلتقيان..! ص6 
الزمن هنا، بكل مكوناته: الساعة، النهار، اليوم، الشهر،الدهر، موصوف بالعصيان والعقوق، إذ الزمن متوقف، مليء بالضجر والملل والسأم الناتج عن رتابة الحياة، وروتينيتها،وثبوتيتها، لكن دائما هناك أمل يبرق، وضوء يلوح في الأفق ،  وهو ما يشير اليه المقطع السردي الذي أنهى به القصة " ، ثم حرك رجليه في تثاقل وقد عزم أمره على ترك المكان،مؤكدا لنفسه،،،"ص6
في قصة "حادثة " تتجلى رمزية الغموض في الرؤية إلى المستقبل، وتخبط المجتمع في مهاوي السقوط والتخلف والتقهقر،  ويبرز ذلك في معرض وصف السارد للمكان الذي تجري فيه الأحداث يقول" كان الشارع العريض بين رصيفيهما مكتظا بسيل من السيارات التي تزمجر بمحركاتها وهي تدير عجلاتها في سرعة مفرطة في الاتجاهين المعاكسين معا.." ص45  الاتجاهان المعاكسان يدلان على التخبط والسير على غير هدى،وهكذا تتوالى الأحداث لتبلور هذا المعنى في متن النص،وتبينه في مختلف المقاطع " قال ذلك أكثر المتحلقين.، في حين مضى بعضهم في حال سبيله، وضرب الباقون كفا بكف وهم يتدافعون محملقين في الرجل،صاح بعضهم مخاطبا جهة ما " أطلبوا الإسعاف..!" في حين اكتفى البعض بإلقاء نظرة إلى وجه الطريح أرضا، والذين فضلوا استكمال طريقهم دونما التحلق حول الحادثة" ص48
ثم ينجلي من داخل هذا الغموض والتشوش في الرؤية والرماد المترتب عن ذلك بسبب التخبط في مشاكل الحياة الكثيرة،بياض ضوء، وشعاع انفلات من قبضة الضغط، والاحتماء بانفراج آت عبر شقوق النهار ، " وهو ما تؤكده المقاطع السردية التالية:" سمع صرير باب يفتح، فعم المكان نور مصباح معلق أعلى سقف أبيض..،أحس بفرحة عارمة ، أن جاءه الخلاص بسرعة،وبدت له سيدة ذات وزرة بيضاء أنيقة ،" ص 49..." " واستغل فرصة بقاء الغرفة مضاء،"  الصفحة نفسها..
وهكذا تسير الأحداث جلها،  لتكثف هذه الدلالات ، وتعمق تلك الرموز والإشارات -بوعي أو غير وعي- من قبل الكاتب،الذي يظل مبدعا  بما يختزنه من حمولات ثقافية وفكرية وتربوية، تتضمن جل أبعادها  في الأعمال الإبداعية للكاتب.
ما تقدم هو فيض من غيض حاولنا  من خلاله إظهار أن ما حمله العنوان والصورة - كعتبات لقراءة النصوص- من دلالات سنعثر على مضامينها في داخل المتن القصصي،ما يؤكد أن هناك علاقة وطيدة بين ما يشي به العنوان والصورة من أسرار،وما تعبر عنه النصوص من أفكار وإيحاءات ودلالات ومعانٍ.
 
* أديب من المغرب.