قـُسـْطنطين زُريق.. مَكتـَبـَة تسـير على قدمين

د. عبدالقادر حسين ياسين*

في الثاني عـشر من آب 2000،  رحل عن عالمنا د. قسطنطين زريق، بعد فترة اعتلال قصيرة داهمته في عامه الواحد والتسعـين. 

بخسارة هذا المفكر القومي الرئيس، وهذا الأستاذ الجامعي والمربي المميز، خسر الـعـرب رجلاً كان طوال حياته المديدة قـدوة لزملائه وتلامذته، ومريديه من المثـقـفـين والسياسيين، ومنافحاً صلباً عن القـومية العربية في تيارها العـقلاني، المنفتح على التاريخ وعلى العالم، وصاحب صوت وقـلم مدافع طيلة سبعـين عاماً ، ودون كلل عن قـيم الرقيّ والتقدم، مشيرا إلى مواضع الضعـف والاخـتلال في المجتمعات العربية، ومنيراً سبل العمل نحو الاقـتصاد القومي في مواجهة الأعـداء الخارجيين وعلى رأسهم الصهيونية، والأعداء الداخليين المتمثلين بالتخلف والفـوات، وسوء توزيع الثروة والتشرذم والجهـل والتعـصب، وغـلبة المناحي الخرافـية على الفكر، وغـياب الأخلاقـية عن المعاملات الاجتماعية والسياسية على حدّ سواء.

والحال أن الراحل الكبير كان نموذج الإنسان العالم، المتواضع المتريّث في الحكم الذي أثّر مباشرة في كل مَن عـرفـوه، وأثّرت كتاباته ونشاطات القـومية والجامعية ، في الجماعات والتيارات السياسية بعامّة. 

وُلـد قـسطنطين زريق في دمشق في العام 1909 ، في أسرة متوسطة الحال . وأتمّ دراسته الثانوية في دمشق، ثم إلـتـحـق بالجامعة الأميركية في بيروت عام 1923 ،  وتخرج فيها في سن التاسعة عشرة في العام 1928، وأثرت هذه الجامعة في تكوينه تأثيراً كبيراً، إذ كانت قـد تحوّلت من جامعة بروتستانتية ذات طابع تبشيري إلى حدّ ما، إلى مؤسسة تربوية عـلمية، ليبرالية، وعـلمانية، وهي عـناصر رسمت فكره وسلوكه طيلة حياته.

انصرف الأستاذ الراحل بعـد ذلك إلى كبريات الجامعات الأميركية ، برنستون وكولومبيا وشيكاغـو، ونال شهادة الدكتوراة في التاريخ عام 1930، اتجه بعـدها إلى التعـليم الجامعي والعمل في المجال العام: 

أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت (1930-1978 )، ورئيساً لها بالوكالة ونائباً لرئيسها، 
ورئيساً للجامعة السورية في دمشق (1949-1952) ، استقال منها احتجاجا على تدخل الجيش في شؤون الجامعة، وعـضواً في المجلس الإداري لرابطة الجامعات الدولية (1955-1965 ) ،
ثم رئيساً لها (1965-1970) ورئيساً فخـرياً لها مدى الحياة ابتداء من العام 1970، 
ووزيراً مفوّضاً لسوريا في واشنطن في الفترة من 1945 إلى 1947. 

في هذه الأثناء، تخرّج على يدي زريق عـدد لا يحصى من الطلاب، وشارك في لجان ثقافية وجامعية عـربية وعالمية عدة منها، مجلس اليونسكو واللجنة الاستشارية التي أنشأت جامعة الكويت، وغير ذلك من لجان في المعاهد والمؤسسات العربية والعالمية، وعلى رأسها في العـقـود الثلاثة الأخيرة من عمره ، "مؤسسة الدراسات الفـلسطينية" و"مركز دراسات الوحدة العـربية"، وكلاهما في بيروت.

معـنى الـنــَّـكـبـة

لم يستثن هذا الانخراط في العمل الجامعي والتربوي والعلمي، المشاركة السياسية، ولو أن زريق شاء ألاّ يظهر إلى مركز الصدارة منها. 

قـد لا يعلم الكثيرون عن الموقع المحوري الذي اتخـذه زريق ، في بلورة بعض العـناصر الفكرية والأيديولوجية، لنشوء "حركة القوميين العـرب"، انطلاقاً من "عـصبة العمل القومي" و"الكتاب الأحمر"، بل قد يستغرب البعض هذه الممارسة السياسية غير المنظورة ، لرجل عُـرف عنه انصرافه إلى الجامعة وشـؤونها. 

والحال أن هذا الرجل نشط في سياق الحركات القومية العربية، وساجل دعاة القومية السورية (وعلى رأسهم أنطون سعادة)، والقـومية الـفـيـنـيـقـية في لبنان، وتربّى عليه الجيل المؤسس الذي ضمّ ممن ضم هاني الهندي وجورج حبش، وزملاءه من الفلسطينيين وغيرهم في بيروت ...

وقد أتحـفـنا الدكتور جورج حـبـش بمقالة تقـديرية ، تلـت وفاة الدكتور زريق في صحيفة "النهار" البيروتية، روى فيها فصولاً مقـتـضبة عن تاريخ تلك المرحلة،  وعن مشاركة زريق فيها.

وعلى ذلك، فإن كتاب " معـنى النكبة" ، وهو الكتاب الذي أطلق شهرة الراحل كمفـكر قومي رئيس، والذي أدخل عـبارة "النكبة" في اللسان العربي على معناها الذي أضحى مألوفاً ،

والذي نشر بعد نكبة العام 1948 في فلسطين، لم يكن بالشأن المستغـرب، من رجل عـُرفَ بالعـلم ولكنه مارس العمل العام، مع الإصرار على مقاومة الرغـبة في حب الظهور،  ولم يكن مستغـرباً كتابة " معـنى النكبة مـُجـدَّداً" الذي تلى هزيمة 1967، وقد توخى المؤلف في الكتابين معاينة مواضع الاعـتلال ، وفـقـدان المناعة والاقـتدار السياسي والعسكري والاجتماعي. 

ووجد زريق أن مواضع الاعـتلال وعدم الاقتدار، تكمن في جملة من العوامل التي تشكّل - مجتمعة - ظاهرة التخلف والفوات التاريخيين: 

من أهم هذه العوامل ضعف الروابط الداخلية، وتخلف المناحي العقلية، والتبعية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، والانغلاق، والتغني الخطابي بالتراث وبالماضي العظيم، وهو ما أطلق عليه المؤلف عبارة "التاريخ ـ العبء" ، تمييزاً له عن "التاريخ ـ الحافز"، وضعـف الروابط السياسية داخل الدول العربية واحدة واحدة وفيما بينها.

أما الانتقال من حالة العجز إلى حالة القـدرة ، وقد شكـّل اغـتصاب فـلسطين بالنسبة له، دوماً المثال الأكثر وضوحاً على ذلك ، فإن مناطه الاستحقاق والجدارة، وما سبيل الجدارة واستحقاق الحق، كالاستقلال الوطني بمعناه الفعلي، والاستقلال الاقـتصادي، والرقيّ العقـلي والثقافي والعلمي، إلا التحضّر. 

أما التحضّر، فـقـد رأى زريق سرّه في عملية اجتماعية شاملة، عمادها التربية ووسائلها تنمية القـدرات العقلية وإعمال العقـل في السياسة، والاندراج في تاريخ كوني للحداثة لا مفـر لنا منه،

إن كان لنا أن نتخطى الأزمات المتتالية التي تعـصف بمجتمعاتنا ونظمنا السياسية.

أنتج  زريق سلسلة من الكتب المترابطة  تناول فيها هذه الأمور وغيرها بالتفـصيل، بتوجه عـقلاني منضبط، مسيطر على الأهـواء الشخصية والجمعية، دقـيق في تحديده للمشكلات وفي تشخيصه لها، خال من الاستعـراضية والانتـفاخ الخطابي، مزدر للعبارات الطنّانة التي لا تفيد معرفة، بل التي تموّه الحاضر وتحجبه عن السبر والتدبّر. 

أما بالنسبة للقضية الأولى - قضية تكون الأمة العربية في منظار التاريخ - فإن زريق كان، وعلى امتداد حياته، قـد نبذ التصوّر الرومانطيقي (المتمثل في ميشيل عـفـلق مثلاً، الذي نقده زريق نقداً بالغ الدقة) للقومية، الذي لم ير فيه إلا استعادة وتذكّراً لماض مجيد، واختلف زريق مع القائمين على هذا "التاريخ ـ العبء"، الذين رأوا في القومية - أي قومية - قواماً قائماً من الأزل إلى الأزل أو الخلود و "الرسالة الخالدة" عند عـفـلق.

وقد وجد بحق، وبذهـنية تاريخية واقعية، أن القومية بنت العصور الحديثة، وأنها إنسانية بمعنى أنها ليست صادرة عن خصائص فطرية أو طبيعية في جماعة معينة، وأنها اكتسابية بمعنى أنها لا تحصل بقدر محتم أو بالتوارث، بل إنها نتاج للفعل والاكتساب الذاتي.

وعلى ذلك، ليست الروابط التاريخية بحد ذاتها مقوماً للقومية، ذلك أن الارتباط بالموطن والانتماء إلى القبيلة أو العرق والاعتزاز بهما والاقتتال من أجلهما، أمور تنتمي إلى ما قبل القومية، بمعنى أنها لا تفـيد بنفسها رباطاً قومياً مناطه السياسة والتجانس الثقافي الداخلي، وليست هذه الروابط التاريخية ولا تراكم الأحاسيس والتراث أكثر من مادة خام للتكوّن القومي.

كانت مسيحية زريق صفة شخصية أثرت إلى حد ما في مواقفه العامة، التي كانت بالأحرى ناتجة عن اعـتـبار نفسه مواطناً عربياً،  يلتقي مع مواطنيه على أرض المواطنة دونما اعتبار للدين،

 الذي كثيرا ما استخدم للتهويم والتلبيس على العوام،  وبدرجات متنامية على بعض المثقفين...

وبـعــد ؛

لـقـد دخل قسطنطين زريق تاريخ العرب الحديث من بابه الواسع، وتصدّر إحدى أغـزر مناحيه ومناهله نجاعـة، وثـبـت على دفاعه عن قـيم الوطنية والرقيّ على مدى ثلاثة أرباع القـرن، واستمر على نزوعه نحو "التاريخ ـ الحافز"، في الوقت الذي افتتن فيه البعض من أولئك بما دعاه "التاريخ ـ العبء".

* أكاديمي وكاتب  فلسطيني مقيم في السويد.