"كانت السماء زرقاء" قراءة متأخرة في رواية مستقبلية مبكرة (شهادة)

محمد سهيل أحمد*

كان لقائي الأول بالراحل اسماعيل فهد اسماعيل ،على نحو ما ، ذا طابع غير مباشر تمثل باطلاعي على مجموعته القصصية البكر (بقعة داكنة ) قبل لقائنا الشخصي الأول خلال زيارته للبصرة قادما من الكويت في مقهى بعمارة النقيب. 

في ذلك اللقاء جذبني الراحل بدماثة خلقه وإصغائه العميق لمن يتحدث معه .ليغادر الى سيارته البيجو الحمراء التي ركنها بالقرب من موقف حافلات المدينة ،تاركا اثرا طيبا في النفس ومخطوطة لديّ كتبت بخط انيق لواحد من نصوصه القصصية المطولة اظن انها حملت عنوان(قصة لمن يرغب بالاطلاع عليها ) او ما يشبه ذلك العنوان .ومما اذكره ان ذلك النص جاء امتدادا لعمله الروائي الأول من خلال علاقته الراوي المحتدمة بالمرأة وعبر حواراته التي لا تمنح نفسها في الوهلة الاولى . 
بقيت تلك المخطوطة في حوزتي لعشر من السنوات قادمة الى ان ارسلتها اليه بيد أحد اصدقائه اثر اقامتي في الكويت . 
اللقاء الثالث كان غير مباشر ايضا وذا طابع فكري من خلال صدور عمله الروائي الأول ( كانت السماء زرقاء ) الذي شكل مفاجأة للشاعر الراحل صلاح عبد الصبور ما دفعه لكتابة مقدمة تعريفية للرواية حيث يقول: " أما الاعمال الثلاثة التي اشرت اليها  فهي رواية (رجال في الشمس ) لغسان كنفاني و(سداسية الأيام الستة ) لأميل حبيبي .ثم هذه الرواية الصغيرة الجديدة لاسماعيل فهد اسماعيل ." معدا اياها واحدة من اشارات القرن العشرين .
من الطبيعي ان تجتذب هذه الرواية عددا كبيرا من القراء لاسيما من خلال تزكيتها من لدن شاعر كبير اهتم بها اهتماما كبيرا رغم ان خطابها السردي ،عموما ، لم يكن شاعريا ــ على الصعيد اللغوي في اقل تقدير ــ مثل اعمال عبد الرحمن مجيد الربيعي ومحمد عبد المجيد المغرقة بغنائية جيل الستينات وطابعها الرومانتيكي المستبد .
لقد اثارت ( كانت السماء زرقاء ) ردود فعل متباينة لدى الاوساط الثقافية تراوحت بين الترحيب والانطباع الحافل بالتشنج .
بودي، وبعد قراءة ثالثة او رابعة للعمل ، القول بأن الرواية شكلت منطلقا حقيقيا لتجربة اسماعيل على الرغم من انها كأي عمل مبكر لأي كاتب تحمل في ثناياها خصالا  في خطابها السردي مثلما تحمل قسطا لا بأس به من  العيوب .ونسعى عبر السطور التالية الى التعرض للسمات التي جعلت الرواية عملا مستقبليا رياديا  : 
الملمح الأول : التوظيف الحاذق لتقنية التداعي او المونولوج الداخلي :
" اعدت المسدس وذهبت الى السينما. 
ضحك الضابط ضحكا متواصلا هز جسده وآل ضحكه الى سعال حاد . بعد
فترة ليست بالقصيرة لطف من صوته عند قوله:
ــ  مجرد اوهام ..جنون عاقل ! " ص 66 
 من الواضح ان الراحل اشتغل على تقنية المونولوج الداخلي التي استثمرها جيمس جويس في(يولسيس) ، بروست في ( البحث عن الزمن الضائع) وفوكنر في ( الصخب والعنف ) وهو اشتغال غير مسبوق تقريبا ناجم عن اطلاع الراحل على تقنيات الرواية العالمية  ضمن منظور فني مغاير . 
الملمح الثاني : حمل العمل في ثناياه مقدرة فائقة وغير مسبوقة على التقطيع السينمائي والمنتجة .وفي هذا الصدد يرى الناقد جميل الشبيبي ــ وهو واحد من اصدقاء الراحل المقربين ان : " من السمات الأساسية في النزعة التجريبية في هذه الرواية اعتمادها على تجزئة العالم الروائي وكسر خطيئة الزمن وتقطيع الحكاية .. وتأتي تجزئة العالم الروائي باعتماد مؤلفها على تقنية المونتاج في الرواية لتقطيع الحكاية والزمن والمكان". 
الملمح الثالث :وجهة النظر viewpoint اذ ان من المتفق عليه ان المصطلحات السردية لم تعرف تراكما نقديا ومعرفيا مثلما عرفه مصطلح وجهة النظر، الذي تجلى في الرواية عبر الشخصية المحورية في الرواية وهي شخصية واعية لمصيرها مثقفة تمارس كتابة القصص.
 لاشك ان "كانت السماء زرقاء" بما حملته من خصائص تقنية وفكرية شكلت انعطافة ليس في مسيرة الرواية العراقية ـ الكويتية وحسب بل في مسيرة الكاتب نفسه.
 
* أديب من العراق.