كتاب لنجاح ابراهيـم يرصد ملحمة صراع مبدعين عرب مع المرض الفتّاك

Printer-friendly versionSend to friend
ميرفت علي*
 
في كتابها "أصابع السرطان ، خيانات الجسد" الصادر عن الهيئة السورية للكتاب ، تلج الأديبة  نجاح ابراهيم  العوالم النفسية لستة من الأدباء العرب لتستبطن مشاعرهم الأليمة وأحاسيسهم المفجوعة إثر إصابتهم بمرض السرطان ، وما يعقب ذلك من ظلال سوداء وسحابات شؤم ويأس ظللت السنوات الأخيرة من حيواتهم الذاخرة بالعطاء الأدبي و بالحضور الثقافي المتألق و المتأنق على الساحة العربية . 
وتتسم دراسة الكاتبة  برشاقة الأسلوب ورهافة التعبير والسرد المفعم بعمق التأثر وبصدق التعاطف مع ضحايا المرض اللعين من المبدعين الذين تفخر بهم العربية و تباهي بهم العالم ، حتى ليظن القارئ بأن الكاتبة قد عاصرتهم جميعاً و عايشتهم لحظة بلحظة ، فاستعانت بخيالها الرحب وبقدرتها الفذة على التصور لتضيء سراديب النفوس المعتمة و تكشف خبايا الخواطر و قسوة الألم و اليتم و التوحد عند كل مبدع على حدة . وهذا ــ بحد ذاته ــ امتياز للكاتبة جعلها تجذب القارئ الى الدائرة التي قادته إليها ، و أعني بها مشاطرة ضحايا المرض مأساتهم و التفاعل معهم في غير موضع من  الكتاب . 
استهلت  نجاح ابراهيم  دراستها بالتمييز بين المبدعين من حيث ردود الأفعال المسجلة حيال مداهمة المرض لأجسادهم التي اقترحت لها صفة الخيانة ، فمن المبدعين من خاتل المرض وانتصر عليه ، و منهم من مل من الإبداع وتوقف عنه ، وآخرون توسلوا الموت و هم في أوج الشباب . أما  الأدباء الستة ا الذين اختيروا للدراسة فقد تسلحوا بالكلمة و امتشقوا القلم و هرعوا تحت تأثير  غواية الحبر  لتسطير أشعارهم ورواياتهم و قصصهم مستغلين الوقت المتسرب من حيواتهم تسرب الماء من الأصابع ، ليسطروا ملحمة إضافية  بتحايلهم على المرض مناورتهم  للموت ، و الانشغال بالتأليف وبالكتابة فوق أسرة المشافي وبين جرعات الكيماوي و حت أجهزة الأشعة الفولاذية الثقيلة . 
البداية جاءت مع الشاعر الكبير  بدر شاكر السياب  ، فرغم حياة المنفى في  بغداد  و رحلة التسكع والتشرد مع الشيوعيين في أقبية السجون وظلمات المعتقلات ، يكتشف الشاعر إصابته بالمرض المميت ليكون ضحية له ، يتشارك مع باقي الضحايا من المؤلفين و الأدباء في رصد الألم و كشف تفاصيل المرض ، فيلجأ إلى الأسطورة في تصاويره ويستمد من التاريخ و حركة البشر عبره أدوات تعبيره . و يُظهر عن كم كبير من الوحدة و الأسى و العجز الذي ينضح من إناء المبدعين جميعاً حيال الموت المتربص قاهر العباد الأزلي . 
وتنتقل المؤلفة إلى  أمل دنقل  الشاعر المصري الذي يصف القصيدة بأنها " علاج رائع ، وجع لذيذ ، خِدر معطر ، إنها شيء من الجلجلة " ، و يروق للكاتبة تسميته بـ " شاعر الرؤية الموجعة " و قد أملى عليه المرض ابتكار مصطلح " الانتهازية الشعرية " . أما الأطباء و الأصدقاء و الزوار فقد عرفوه باسم  "شاعر الغرفة 8 في معهد السرطان" .  
 دنقل  الجبار جابهه الموت بكل ما أوتيَ من عزيمة واهية متشبثاً بجذور الحياة ، وهنا تورد الكاتبة حادثة طريفة عنه ، تشير إلى صلابة إرادته،  فقد صعد إلى الطابق السابع من المشفى مدفوعاً بقوة حبه للحياة و للشعر رغم عدم قدرة سيقانه على حمله. 
و يأتي دور " أنثى المطر"  الشاعرة السورية سنية صالح  زوجة  محمد الماغوط ، وقد زارته الأديبة  نجاح ابراهيم  بعد رحيل زوجته ، وبدت متأثرة و متأسفة لأن زيارتها تأخرت فلم تنل شرف التعرف على  سنية صالح  ، المرأة التي ظل جسدها مقاوماً للمرض على الرغم من العنفات التي وضعوها في مجاريه ، والمولدات على مصبات شرايينه. وتضيء الكاتبة جانباً من علاقة  الشاعرة الراحلة سنية  بزوجها  الماغوط  أيام الشباب وفي أزمنة الاعتقال والجوع و الفقر لتعكس نموذج المرأة المناضلة بالقلم  وبالفعل . نموذج ( العاشقة الأكيدة الصادقة ) . 
وعندما تحط المؤلفة الرحال في محطة  سعد الله ونوس  الذي خطَّ قدره بنفسه عندما قال : " من الظلام جئت وإلى الظلام أعود ، تلك هي الحكاية ) تتوسع الكاتبة مضطرة ، ويغتني السرد بالتفاصيل الموجعة وبتوصيف الألم في حياة  ونوس  وتعاطيه مع المرض ومخاتلته بالتأليف وبالكتابة وبمسابقة الوقت . فهذا العملاق المسرحي كتب القصة التهكمية وتخيلها وهو يستنشق الأوكسجين ويُجري القسطرة البولية ! و صوّر وشوشة الماء المتراقص في حوض الأوكسجين ، ورأى أنه يتقزم و( يضمحل بصورة تافهة ورمزية ) . ومن اللافت أن هذا المريض طريح الألم ومعاناة السرطان قد كتب في كل هاتيك الظروف قصصاً ساخرة ، و أعاد التصرف بقصة الخلق الأولى ، كما دارت في خلده سلسلة قصصية بعنوان " ذبابيات " لها نكهة الطرافة و الملاحة رغم قسوة الظروف وشدة اعتلال الجسد . 
و مع  ممدوح عدوان  المشاكس العنيد نكتشف صراعاً من نوع آخر مع المرض...وكفاح أشد وأشرس خاصة وأنه القائل : " ليس لدي وقت لأموت ، أنا مشغول كثيراً " . فذلك الرجل الذي كانت قهقهته الساخرة بوصلة تدل عليه ، يمسك بتلابيبه السرطان بغتة ، ويمضي به إلى التلاشي . وهو الذي لا يطيق القيود و الارتهان لشيء شأن كل مبدع ، وينوء بالدائرة فلا يقف وسطها كي لا تضيق عليه ، بل يقف لصق جدرانها المحدودبة ليحاول توسيعها احتفاءً بهامش أوسع من الحرية التي ينشدها بطبعه  وبفطرته . و قد قاوم  عدوان  المرض كغيره بالشعر الذي يحول بين العالم و التفسخ على حد تعبير  كازانتزاكي . 
المحطة الأخيرة في كتاب نجاح ابراهيم  كانت عند  نعمات البحيري  التي رأت في مداهمة السرطان لجسدها " زلزالاً " ، مع ذلك أصدرت رواية و مجموعة قصصية هما إصداراها السرديان الأخيران . تعكس فيهما تفاصيل التشخيص والعلاج والألم بصورة مؤثرة تدفع بأعتى الجبال إلى الارتجاج . فتقول : " بعض الأشعات  أشبه بآلات التعذيب في معسكرات النازية " .
و تقول : " تساميتُ على الألم و السأم ، طيلة عمري أعالج ما ينقص من احتياجاتي بالسمو ، فعلتُ ذلك مع الوحدة والفقر ووظيفتي القامعة ، ومع الرجال و أشكال الإدانة الاجتماعية التي تسدد للمرأة الوحيدة والمرأة الكاتبة ". 
لا يملك قارئ كتاب " أصابع السرطان ، خيانات الجسد " للأديبة  نجاح ابراهيم إلا أن يتأثر بفجائع فرسان الإبداع العربي في كبواتهم ، التي مردُّها  خيانة الجسد  وعصيانه وتآمره مع الموت . ولا يملك إلا أن يثني على جهود المؤلفة البحثية الاستقصائية ، والأرشفة الدقيقة لحياة هؤلاء الكتاب في صراعهم المضني مع الموت . 
 
mervgym@gmail.com
 
* كاتبة من سورية.