كريم كاتب حارس الكلمات (شهادة)

عبدالإله الجوهري*

"أحيانا،
يبلغ بنا القلق حافة اليأس؛
وفي الأخير،
ننتبه أن كل ما ينقصنا..
هو أن نبتسم."
واقفا كل مساء عند باب النادي، يضبط ايقاع الحياة الموازية، لعشرات السكارى والكتاب والكتبة وأنصاف الموهوبين، ومعهم الكثير من الصحفيين و المخبرين، المندسين بين مسام الكلمات الصادرة عن الأفواه المفتوحة، بفعل التعب اليومي والسكر العلني، الكلمات الضاجة بالحقائق المهربة، في الجيوب الداخلية للمعاطف الثقيلة، والبذلات الأنيقة والقبعات المتسخة، أو تحت الجلود اليابسة، من فرط التعب، لوجوه ألفت السهر والضجيج ومحاربة الضجر بالليل، والتصنع طيلة النهار في ضبط الوقت، واحترام المواضعات والتقاليد المجتمعية المفروضة البالية.
يحرس الساحة المفتوحة، على الهرج و المرج، والأحلام المجهضة والعيون الباحثة المتعطشة، عن سويعات من النسيان، واللذة المرتشفة في الكؤوس المشققة المتسخة. 
يقف بكل أناقة و دقة وجلال، والإبتسامة ا لا تفارق الشفتين، يوزع التحايا على كل من دخل أو خرج، يمنع المندسين والمتخصصين في الهروب ومعاكسة الآخرين، من دخول الجنة المحفوظة المحفظة بإسم قلة من العاضين المحظوظين الشاربين بالمجان..
كريم كاتب، أو عبد الكريم الكتاني، يخدع الرائي بمظهره العادي، ومهمته في الوقوف طيلة المساء، كحارس للمعبد المقدس المنزه عن الإفك والبهتان، يخدع الكثيرين بطلعته البريئة الساكنة، لأنه يخفي وراء وقفته المعتادة، قلبا من ذهب، وموهبة خلاقة، وقلما إبداعيا سيالا، قلم يغرف من عمق الروح، قلم يكتب من وحي التجربة والمعرفة، قلم يكتب شذرات و أقاصيص وحكم، قلم يكتب على طريقته الحافظة لهيبة اللغة و عمق المعنى وقداسة اللفظ الجزل:
اغرق في يم الصمت،
حتى تختنق الكلمات..
وبعدها،
ستقول عيناك..
ما عجز عن تبليغه اللسان!.
هكذا كتب ويكتب الكاتب الكاتب بعد نهايات المساءات، هكذا تكلم ويتكلم عبد الكريم الكريم، بعد العودة من ثقل الشغل وفرط الرد على التحايا المارقة الغارقة في المبالغات اليومية، دبج و يدبج من عمق الذات المكتوية بنار الحرف والقراءات المتتالية، قراءات لعشرات الروايات و الدواوين الشعرية والكتب السياسية ، أغلبها هدايا ممنوحة من رواد ألفوها أو اشتروها أو اختلسوها من مكتبات بعض الزملاء:
أنت الإنسان،
في كل سقطة..
يتجلى نور بداخلك ينبئك:
أن بسقطاتك تكتمل!.
الإكتمال عند كريم لا يتجلى في ربطة عنق، ولا في التشدق بالكلمات والعناوين البراقة، والتظاهر بالسلطة الفارغة عند باب حديدي مهترئ عادي، رغم أنه باب لجنة موعودة بالنسبة للآخرين الكثيرين، الجنة الموعودة بنعيم الجلوس و الكلام المتطاير في الهواء.
جنة بأنهار من الخمر المراق، جنة الوزرات المتسخة والأكل الباذخ المغشوش المباع بثمن زهيد، جنة النكت والمزايدات والوجوه الكالحة المحكومة بالبقاء عند طاحونة الهواء:
مادمت تحجز لك كرسيا،
عصر كل يوم،
وتحجز كرسيا آخر للفراغ،
فأنت كما تشتهي..
أنت على ما يرام!.
لم أجده يوما مكشرا أو ساخطا، لم أعرف له عدوا أو صديقا، كل ما أعرف أنه يحيا ليحيا، ويحرس المدخل من الهوام والدواب، و يقتطع لحظات غنية بالقراءات والملاحظات، ومحاولة مواساة الصدور الغارقة في الهم و الغم، لأناس يتخطون أمامه الممر، البعض يبكي الحياة في يأس وغلبة، والبعض الآخر يعلق الأمال عند المدخل على الأيام التالية الآتية:
لا تتباكوا،
ولا تحملوا أرواحكم همّا..
الحياة مسرحية؛
فلنتدرب،
ونبحث لنا عن دور مناسب،
حتى يسدل الستار،
ونغادر!.
نشأت علاقتي به منذ أول يوم وجدته واقفا هناك، عين على الباب و عين ثانية على الكتاب، استفز فضولي و دفعني للسؤال: ماذا تقرأ؟ ابتسم قبل أن يشهر في وجهي غلاف الكتاب، قرأت حينها في عينيه الكثير من العزم و الحزم وحب البشر، فهمت أن احترام الإنسان لا يمر بالضرورة عبر المظهر أو الوظيفة والمهمات، بل يتمظهر في طريقة كلامك واختلافك مع الآخرين، ونظرتك لمن تعرف أو لا تعرف، للغني والفقير والوضيع، بمعنى عمق حبك للجميع:
أجدر انسان بالاحترام،
هو من يختلف معك؛
إنه يجعلك تعيش فكرا غير فكرك..
إنه يكملك؛
للأسف،
أنت تضعه أمامك كهدف للقصف،
والتدمير!.
خارجا كنت من النادي، و هو جالس يقرأ، رفع رأسه نحوي مصوبا نظرات الحب والعتاب، سألت بعينين زائغتين من فرط الشراب، رد دون أن ينبس بكلمة غير زفرة عميقة صاعدة من قلب القلب، وعبارات احتضنت معانيها في الحلق، قبل أن تتطاير في الفضاء مرددة:
طريق العبث غير سالكة..
إن لم تعد في الوقت المناسب،
ستقامر بكل شيء؛
وحين تفتح عينيك وتنتبه،
ستجدك تقبض على الفراغ..
أنت في الهاوية!.
الهاوية وما أدراك ما الهاوية، هاوية الغواية القاتلة، والكتابة الراشحة بدم التعب، والبحث عن لقمة العيش، هاوية البقاء بين الدرج والباب الحديدي، والعيون المتلصصة المارة، هاوية بين أن تكتب ما يعن لك، وما تستطيع فعلا أن تكتب، وما لا تستطيع وتضمره في الصدر كأمنية غارقة في مستنقع الحياة أو مدفونة في قبر مهجور:
لا أصعب على الذات الكاتبة
من تلك اللحظة
التي تكتنفها رغبة حارقة في البوح،
والكشف..
وتتعثر بحرف مستعص،
تقف أمام عتبته عاجزة.
رغم مصاعب الحياة وثقل المسؤوليات والتجربة الغضة المنطلقة في طريق البدايات، طريق تدبيج الكلمات الشاعرة القادرة على رج الأحاسيس الإنسانية المنطفئة، والمشاعر الآدمية الأكثر بدائية المسافرة في مجاهل وأدغال الحياة، فإن الرغبة أقوى والموهبة أبقى، في تجريب لذة الكتابة والإشتراك في نادي السخرية على عبثية الحياة، من خلال إصدارات ترفرف بك في سماء العمل والأمل:
جرب أن تكتب،
وأنت تبتسم..
ستخرج من مسام حرفك فراشات..
ترفرف بك نحو سماء الأمل.
كانت هذه آخر الأمنيات وأول الإصدارات في معترك الأدب و الحياة، إصدارات بدأها بـ "مدام فنيس" و أتبعها بكتابات شذرية مستلهمة من روح الروح والتجارب اليومية بنادي النوادي الرباطية:
"محماد، تربطه علاقة غريبة بفينيس يفهمها وتفهمه..يخرج معها الى السويقة حين يطلبونه هناك في سخرة.. وأحيانا يذهب رفقتها إلى البحر.. في رحلة استجمام واستحمام..
حين تنتهي لعبة الكأس.. ينفرد محماد بفينيس في ركن من أركان القاعة التي تكون أنوارها قد اطفئت..يهمس إليها.. يلاطفها.. حتى أن شخصا مسؤولا يأتي أحيانا غاضبا، منفعلا، ظنا منه أن طاولة ما لازالت تجمع فردين أو أكثر، في وقت لم يعد مسموحا فيه لأحد بالتواجد في النادي.. ليتحول غضبه إلى إغراق في الضحك، فليس هناك سوى محماد وفينيس
 
(الصورة المنشورة  لكريم كاتب)
 
1- الشذرات الشعرية المؤثثة للنص من قصيدة "جرب أن تكتب" لكريم كاتب، منشورة بموقع "قاب قوسين".
2- الأقصوصة في نهاية النص من مجموعة " مدام فينيس" لكريم كاتب/ منشورات دار أبي رقراق/ ط الأولى / 2017.
 
* مخرج وناقد سينمائي من المغرب‏‏‏‏