كُنّا أشباحاً

Printer-friendly versionSend to friend
هاشم تايه*
 
نتذكّرُ الأشباح. نراهُم في قلاعِ حكاياتِهم.. نفتّشُ بينَ أطيافِ حياتِنا عن شبحٍ نتمرّنُ على يديْه لنتبخّرَ أشباحاً. وفي الأوقات التي تنزفُ عَرَقاً، وظلاماً نَعُدُّ تُرابَ أجسادِنا، وننثرُهُ في الهواء. نجلسُ بين قلوبنا، فتحدّثُنا خاشعين: ماذا ينفعُ، بَعْدُ، غير أن نشِفَّ أشباحاً، لنسبحَ في هواء الكون. كما تسبحُ الطّائرات. لنرى مدينتَناَ، وننفخَ عنها الدّخان، أو لنركلَ القنّاصَ في أعلى السّطح، ونبصقَ في عين بندقيّتِه.
لسنا أبالسةً، لنقفزَ قفزةَ إبليس، ونطيرَ طحيناً. نحنُ أهلُ  الله، وفي أيدينا نظرتُهُ الآسفة، لكنّنا لا نعلمُ أين نغرسُها. ولأنّ أحدَهم تنبّأ أنْ لا هَوْلَ على أرضٍ إلاّ بمفاتيحِهِ، فقد عثرنا على كتابٍ مطمورٍ بين أنقاضِ البيت القديم، وعلى صفحاته شَعَّ عِلْمُ التواري عن الأنظار. كان على رأسِ العِلْم الذريّ الذي نزل في قلوبِنا، نجمةٌ تقول: "شبحٌ بين جرجرةِ أيّام".
استقلّ كلُّ واحدٍ بغرفةٍ من غرفِ البيت، وأغلق بابَها. كان معه جسدُهُ، وعِلْمُ الكتاب الذي حَفِظَهُ بترابِهِ حفظاً. شيءٌ يتمطّى، ويُجرجرُ رأسَهُ إلى قدميه، وقدميه إلى رأسه. قد يكون ليلاً، أو نهاراً.
حين كانت غرزاتُ الإبر تنهالُ على أجسادِنا في ظُلُماتِ تمريناتِنا السّوداء، وفي أقاصي سَحْقِنا أعضاءَنا، كنّا نسمعُ صريرَ بابِ إحدى الغرف يُفتَح، بصيحةِ فرحٍ لاهبةٍ لأحدِنا. كنّا نُهْرَعُ مأخوذين، فإذا بهِ يرقصُ بلا رأس. نحنُ نهنئه بشبحِ رأسه، وهو يفاجئنا صائحا: وأنتم ألاّ ترون أنكم تقفون بلا أرجل؟! 
اليوم الذي صار فيه أحدُنا يخترقُ الآخرَ ساخراً، ويَنفذُ من جدارٍ مفتوناً، ذلك اليوم علّقناهُ على جدار... 
نصفَ دزينةٍ من الأشباح خرجنا إلى الطريق. السّماءُ تلقّتْ عضّة كلب، وحملتْها سيارةُ إسعاف... في الهواءِ المحروق بين الخرائب، والأنقاض انحدَرْنا. كان رصاصُ القنّاصين يذهب إلى غيرِنا على الطريق المقتول. وحين أصبحنا ثمِلين بين جوقةِ ناجين، لم يعبأ بنا أحدٌ. كنّا أشباحاً.
 
* أديب من العراق.