لحن حزين على أوتار مستعارة

Printer-friendly versionSend to friend
محمد محضار*
 
ﺣﻴﻦ ﻳﺤﺘﻀﺮ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﺛﻢ ﻳﻤﻮﺕ، ﻭﺗﺨﺘﻔﻲ ﺍﻟﺤﺸﺮﺍﺕ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ، ﺗﻈﻠﻞ ﻭﺟﻬﻪ ﺍﻟﺤﺰﻳﻦ ﺻﻔﺤﺎﺕ ﻗﺎﺗﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺼّﻤﺖ، ﻓَﺘُﻜﺴِﺐ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩ ﺟوّﺍ ﻣﻤﺰﻭﺟﺎ ﺑﺎﻟﺸّﻜﻮﻙ ﻭﺗﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﻏﻤﻮﺽ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ اﻟﻤﺒﻬﻤﺔ.. ﻳﻮﺩ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻗﺮﺍﺻﻨﺔ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻭﺃﻥ ﻳﻠﺘﻬﻢ ﻛﻞ ﺟﺴﻢ ﻳﻌﺒﺮ ﺑﺄﺳﻨﺎﻥ ﻣﻦ ﺣﺪﻳﺪ  
ﻳﺴﻤﻊ ﺻﻮﺗﺎ ﻳﻨﺎﺩﻳﻪ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ، ﻳﺘﺠﻪ ﻧﺤﻮﻩ ﻳﻤﺰّﻕ ﺍﻟﺴﻜﻮﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻮﺩ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻐﺎﺭﻗﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨوﻡ ، ﻳﻨﺪﻓﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﺍﻍ ، ﻳﺒﺤﺚﻋﻦ ﺟﻨﺪﻱ ﻣﻔﻘﻮﺩ ﻏﺎﺩﺭ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺪ، ﻳﺒﺤﺚ ﻋﻨﻪ ويتمَنّى أن لا يجِده..
ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺧﺎﻟﻴﺔ، ﺇﻻ ﻣﻦ ﺑﻨﺎﻳﺎﺕ ﺑﻴﻀﺎﺀَ ﺗﺸﻬﺪ ﺃﻥّ ﺍﻟﻠّﻴﻞ ﻗﺪ ﻣﺎﺕ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻨﺘﺤﺮ.  
ﻳﻤﺸﻲ ﻭﻳﻨﺘﻈﺮ ﺃﻥ ﻳﺤﺪﺙ ﺷﻲﺀ ﻣﺎ ،ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﻣﺎ، ﻟﻜﻲ ﻳﺤﺼﺪ ﺍﻟﺠﻮﻉ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ ﺍﻟﻘﺤﻂ .
ﻟﻜﻲ ﻳﻐﻨﻲ ﻟﻠﻤﺤﺮﻭﻡ ﻭﺍﻟﺒﺎﺋﺲ ﺃﻏﻨﻴﺘﻪ ﺍﻟﺤﺰﻳﻨﺔ/ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ . 
ﻧﺰﻝ ﻓﻲ ﻫﻮﺓ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ ، ﺭﺃﻯ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺻﻨﻒ ، ما ﺯﺍﻝ ﻳﻨﺰﻝ ﻭﻳﻘﻔﺰ ﻓﻮﻕ ﺍﻷﺳﻼﻙ ﺍﻟﺸﺎﺋﻜﺔ ..ﻭﺻﻞ ، ﺍﻟﺘﻔﺖ ﻓﺮﺃﻯ ﺇﺑﺘﺴﺎﻣﺔ ﺗَﻌَوّﺩ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻫﺎ، ﺍﺑﺘﺴﻢ ﻫﻮ ﺃﻳﻀﺎ ﺛﻢ ﻗﻬﻘﻪ ﺩﻭﻥ ﻣﺒﺎﻻﺓ ، ﻭﺍِﺗﺠﻪ ﻧﺤﻮﻫﺎ ، ﻋﺎﻧﻘﻬﺎ ﻭﻗﺎﻝ ﻛﻠﻤﺎﺕ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﻔﻬﻮﻣﺔ، ﺭﺩﺕ ﺑﻨﻔﺲ باﻟﻄﺮﻳﻘﺔ نفسها. ﺍﺿﻄﺮﺏ ﻭﺍِﻣﺘﻘﻊ ﻭﺟﻬﻪ ﺍﻟﻜﺌﻴﺐ ﻗﺎﻝ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﻠﻢ ﺑﻬﺎ  وما زال . ﻻ ﻳﺪﺭﻱ ﻛﻴﻒ كان ذلك ؟ .ممتعا ربما ! ما أدهشه ُ هو أنّ الجوّ الذي يسود المكان كان مكتئباً . حاول الصعود والخروج من هذا العالم ، لم يستطع ، كان ضعيفا.
ﺻﻴﺤﺔ ﺣﺎﺩّﺓ ﻣﻦ ﻓَﻢ ﻣﻘﻬﻮﺭ ﺗﻜﺎﺩ ﻻ ﺗﺼﻞ  الآذان ﺍﻟﺼّﻤﺎﺀ، ﺭﻏﻢ أﻧﻬﺎ ﻗﺪ ﺍِﺧﺘﺮﻗﺖ ﺍﻟﺴﺘﺎﺭ الحديديّ وجدران الإسمنتِ .
ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻤﻌﺘﻮﻩ  :
  ﺍِﻓﻌﻠﻮﺍ ﻣﺎ ﺷﺌﺘﻢ ، ﺍﺿﺮﺑﻮﻧﻲ ،ﻋﺬﺑُﻮﻧﻲ ، ﺍِﺫﺑﺤﻮﻧﻲ ،ﻓﻠﻦ ﺃَﺣﻴﺪ ﻋﻦ ﻓﻜﺮﺗﻲ، ﻟﻦ ﺃﻧﻔﺬ ﺭﻏﺒﺎﺗﻜﻢ، ﻟﻦ ﺃﻇﻞ ﻋﺒﺪﺍ ﺫﻟﻴﻼ ..ﺗﺄﻣﺮﻭﻥ ﻓﺄﻧﻔﺬ.. ﻻ ﺗُﺘْﻌﺒﻮﺍ ﺃَﻧﻔﺴﻜﻢ ..ﺍﺳﻤﻌﻮﺍ ﺟَﻴّﺪﺍ ﺍُﻃﺮﺩﻭﺍ ﻛﻞ ﻓﻜﺮﺓ ﺗﺤﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺍلاِﺳﺘﺴﻼﻡ ﻣﻦ ﺟﻤﺎﺟﻤﻜﻢ ﺍﻟﻼﻣّﻌﺔ ﻭﺍﺳﻤﻌﻮﺍ ﻣﺎ ﺳﺄﻗﻮﻟﻪ ﻟﻜﻢ  ، ﺍﻟﺰّﻣﻦ ﻛﺴﻴﺢٌ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﺃﻥ ﻳﺠرّﻩ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﻜﻲ ﻳَﺤْﻤُﻮﻧﻪ، ﻭﻳﺤْﻤﻮﻥ ﺃﻧﻔُﺴﻬﻢ ﻭﺍﻟﺮّﻏﺒﺔ ﺷﻴﻄﺎﻥ يدفع إلى حُب النَّفس . 
ﺃﻻ ﺗﺴﻤﻌﻮﻥ ﻧﻴﺮﻭﻥ ،ﻳﺼﺮﺥ ﻓﻲ ﺃﺣﺸﺎﺀ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﻴﺖ، ﺃﻻ ﺗﺮﻭﻧﻪ ﻭﺳﻂ ﺭﻭﻣﺎ ﻓﻲ ﻳﺪﻩ ﻭﺭﻗﺔٌ ﻭﺭﻳﺸﺔٌ ، ﻳَﻘﺮﺃ ﻗﺼﻴﺪﺗﻪ ﻭﺳﻂ ﺍﻟدﺧﺎﻥ .. ﺃﻻ ﺗﺮﻭﻥ ﺍﻟﻐُﻮﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺸْﺮﺏ ﺩِﻣﺎﺋﻜﻢ ﻓﻲ ﺁﻧﻴﺔ ﻣﻦ طين؟ .
ﻻ ﺩَﺍﻋﻲ ﻟﻠﻬﺮﺏ ، ﻻ ﺩﺍﻋﻲ ﻟﻸﺳﻒ ، ﻋﻮﺩﻭﺍ إلى ﻣﺎ ﻛﻨﺘﻢ ﻋﻠﻴﻪ ، ﻓأﻧﺎ ﻣﺠﺮﺩ ﻣﻌﺘﻮﻩ ﻭﻣﺎ ترونه أمامكم خيال لا وجود له .
  
28 نوفمبر 1978
 
* قاص من المغرب