مات محمد الحارثي.. عاشت الرحلة ثلاثية الأبعاد

محمود الرحبي*

 
يرحل هذا الصباح  محمد الحارثي تاركاً صخبه منثورا شعراً نثرا ، ونثرا ُشعرا في صفحات أكثر من كتاب. 
وإن كان محمد شاعراً في الأصل، إلا أنه وجد ضالته في كتابة الرحلات، وقد أتاحت له ظروف حياته القصيرة أن يسافر وقتما يفكر في السفر. كان يمكث في عمان ورأسه محلق في نقطة بعيدة من الهند أو آسيا. يعيش فيها أدق التفاصيل ثم يسجلها في كتاب رحلات ثلاثي الأبعاد نابض بالحياة (يُرى ويُقرأ ويعاش ) فمن يقرأ كتابيه الضخمين "محيط كتماندو" و"عين وجناح"، فهو في الحقيقة لا يقرأ معلومات سياحية كاتالوجية، إنما يعيش رحلة بكل خطوات  صعودها الجبلي وتموجاتها البحرية وصخب شوارعها ومونولجات بشرها وروائح أطعمتها. وبنفسيات بشرها الذين يلتقيهم ويوشج معهم العلائق ويجالسهم ويدخل بيوتهم.
في آخر لقاء لي به قبل أشهر قليلة من انهيار صحته ثم رحيله، في مقهى بمدينة الحيل، كان يحدثني عن كتاب جديد له في الرحلة أيضا، وهذه المرة عن بلد يقع ضمن شبه القارة الهندية ( سيريلانكا).
التقيت محمد الحارثي أول مرة في المغرب، كنت طالبا حينها وكان مقيما لفترة ليست بالطويلة، وقد أسس برفقة أصدقاء منشورات "نجمة" وهناك أصدر ديوانه الأول " عيون طوال النهار" بلوحة للفنان المغربي الجميل أحمد بن سماعيل. تنقل بعدها محمد في أكثر من مكان عبر العالم، ولكن تركز مكوثه أكثر في بلدان غير عربية، وخاصة بلدان الهند وآسيا أو تلك الواقعة بينهما كالنيبال، حيث ترك سفرا جميلا حمل عنوان "محيط كتماندو" وهي عاصمة النيبال ومحيطها الهندي والآسيوي.
في آخر أيامه عاش محمد صراعا مع أكثر من مرض، كانت الأمراض تصارعه فيصرعها في أحيان كثيرة ليخرج بكامل حياته وعنفوانه شادا الرحيل إلى أفق جديد. أذكر ذات مرة في المنتجع الصحراوي " واحة نهار"  وهو فندق بري كان يمتلكه أخوه المرحوم عبدالله الحارثي، والذي كان كذلك لديه منتجع في قلب الصحراء أطلق عليه "ألف ليلة"، وقد نال شهرة واسعة بعد زيارة ملك السويد له. قال لي محمد: " الحياة تختبر مدى قوتي" متحدثا عن الأمراض التي غدت تسكن جسده، وضابطا ساعته وهاتفه على مواعيد أدوية عديدة. 
لا شك أن برحيل محمد الحارثي  يتوقف مسار إبداع عُماني متدفق خبر الدنيا طولا وعرضا، شرقا وغربا، ونال منها جرعات من الصراع و الألم والسعادة والتأمل والشعر.
في ما يلي مقتطف من كتابه الرحلي " عين وجناح" الفائز بجائزة ابن بطوطة : " أفقنا من النوم متأخرين وشربنا القهوة في " الفور سيكند ستريت" الذي يعد من أكثر شوارع نيويورك حيوية وحياة بصخب مقاهيه وحاناته ودور العرض السينمائية والمسرحية، فضلا عن تمركز أرقى محلات الازياء والعطور على ضفتيه، بعدها انتعلنا المترو النيويوركي القبيح ( ولا مقارنة هنا بأي محطات مترو موسكو) إلى حي الرونكس الذي تتكدس فيه حيوات مهاجرين من أصقاع الأرض: أفارقة، هنودا، عربا، صنيين، لاتينو- أميركيين.. كنا نتلذذ بالسير في ذلك الكرنفال العجيب من الأجناس( ثقافات، سحن، روائح بضائع من مومبي ودمشق وكاراكاس وكنشاسا، عندما لفتت انتباهي لافتة: (مطعم اليمن السعيد) الذي وجدت نفسي أجر صديقي إليه لتناول الغداء، ماخوذا برائحة السلتة والعصيد اليمني الشهير. لم يكن الغداء اليمني الذي تشهيت عصيدا يمنيا تقليديا، وإنما ندوة دسمة في العروبة وأشباهها دارت رحاها بين الطاولتين المجاورتين لنا اضطررنا – باستمتاع لا ينكر- إلى متابعتها والإنصات لحفيف سهامهاالتي تقاذفها مهاجرون يمنيون ومصريون فحواها": تلك المغامرة التي لا جدوى منها سوى " إراقة دماء أبناء مصر الأحرار عشان شوية قبايل يتناحرون في اليمن" وعن حق العروبة الذي دافع عنه عبدالناصر" بشجاعة رجل صنعاني لايخشى في الحق لومة لائم"  ظل النقاش البائس يتناوب بين السادات وعبد الناصر والملك فيصل والإمام والنكسة، إلى أن استل الصنعاني ذؤابته إلى ساحة أخرى، مؤكدا لمحاوره المصري أن عالم الجيولوجيا فاروق الباز هو من حدد موقع الوادي الذي هبطت فيه مركبة " أبولو – 11 عام 1969 على سطح القمر، وان ذلك ما كان ليتم لولا عبدالناصر، مغطيا بمعلوماته الدقيقة عن عصر الفضاء مباريه في النقاش مستمتعا وهو يرتشف الشاي بدوي الحجر العلمي الذي ألقاه في وجه خصمه. لكن المبارزة، في آخر الأمر، لم تكن متكافئة لسبب بسيط هو تلك الروح التهكمية العالية لدى المصري الذي ألمح إلى فاروق الباز نفسه قائلا: " آه، آه.. لو كان عندكو واحد زيه ف صنعا كنت حتقلبوا المريخ قعدة قات!"
 
(الصورة  للأديب العُماني محمد الحارثي الذي رحل عن دنيانا الأحد 27 مايو 2018 في مسقط عن 56 عاماً بعد صراع مع المرض). 
 
* قاص  وروائي من سلطنة عُمان.