ما لم أقلْه إلا لي

سعد عباس*

 

هنالكَ ما لم أقلًه إلا لي، لذلكَ تجهلُ الطبيعةُ الكثيرَ من طبائعي
حتّى إذا قارنتْ بينيَ والوهمَ، ارتعدتْ فرائصُها.
مقارنةٌ كهذهِ تُحزِنُني، بالطبعِ،
ويُحزنني أكثرَ أن أنسى ما لم أقلْهُ إلا لي.
ليس منصفاً، مثلاً، ألا أتذكّرَما لم أقلْهُ لنِصْفِكَ الغامضِ أيّها الحلمُ الأسطوريُّ، فتنسبُ السلالاتُ لي كلاماً تتخبّطُ في مفهومِهِ الفظِّ حكاياتٌ تجمّلُ نِصفيَ المظلمَ،
وعلى ذكرِ السلالاتِ التي أدركتْ أنّها سيئةُ الحظِّ، بعد انقراضِها المفترضِ، أتذكّر أنني لم أقلْ لها، مثلاً:
أسوأ ما انتقل اليَّ منكِ، نِصفُكِ المظلمُ. فلماذا سأسامحُكِ؟.
ربّما، سأفعلُ حينَ يُسامحُني ذاتَ حياةٍ مغايرةٍ نِصفُ روحي المضيءُ
وكي أكونَ صادقاً، أيضاً، لم أقلْ لأرملةِ الصقليِّ التي رافقَني عطرُها الى محطّةِ المترو في ليلةِ عيدِ الميلادِ:
مدهشٌ حقّاً حِدادُ ضحكتِكِ، سيّدتي
ومثيرتانِ للجنونِ ذبابتا وردتيكِ حينَ تحزنينَ هكذا.
لم أكنْ مطراً ليلتَها،
كنتُ نبيذَ مهاجرٍ تفتّتْ صفاتُهُ في الطرقِ المبتلّةِ
قبلَ ذلك، في الزمنِ النسبيِّ لهجرةِ الطيورِ
كتبتُ قصيدةً أتغزّلُ فيها بفتاةٍ تُشْبِهُ مارلين مونرو
نسيتُها، أعني القصيدةَ
لا أتذكّرُ اسمَها حتّى، أعني الفتاةَ
لكنني أتذكّرُ ما لم أقلْه لها، أعني مارلين مونرو:
حين يخاف العاشقُ، تخجلُ المعشوقةُ من شجاعتِها.
أبداً، وعلى مرِّ العصورِ
كنتُ أتظاهرُ بالعفّةِ المطلقةِ
لذلكَ، لم أقلْ لملكاتِ بابلَ قبلَ أسطورةِ الطوفانِ:
لم يعدْ لائقاً بذي نِصفٍ مضيءٍ أن يطوفَ العالمَ متظاهراً بالكمالِ.
وحين هممتُ أن أفعلَ، سقطتْ صورتي على مساحةِ المجهولِ.
يحدثُ الأمرُ ذاتُهُ كلّما استدارتْ فحولتي جهةَ النهرِ.
لذلك، لم أقلْ لأبي الذي ماتَ قبلَ أن يسبَّني:
يدايَ مكبّلتانِ بنقطةِ النونِ
يدايَ اللتانِ ينبتُ اللونُ في أثدائِهما البريّةِ كلّما توقفَ النسيمُ عن الميلانِ
يدايَ اللتانِ ترسمانِ أنفَكَ منقاراً وأذنيكَ جناحينِ لطائرِكَ اليتيمِ
يدايَ اللتانِ تحرسانِ وجهَ جارتِنا الأرمنيةِ في البصرةِ القديمةِ من تطفّلِ الذبابِ
جارتِنا التي علّمتنْني لغةَ العطرِ
جارتِنا التي لا تزالُ عالقةً في أنفي
رائحةُ شتاءاتِها
جارتِنا التي لم أقلْ لها:
أيّ حلمٍ يجعلُ ساقيْكِ الناعمتينِ مناسَبةً سعيدةً للتصوِّفِ؟
أقلتُ: التصوّفَ؟. فلماذا لا أتذكّرُ ما لم أقلْهُ لخالتي التي هرّبتْني في عباءةِ فطرتِها ذاتَ موتٍ قديمٍ؟
أقلتُ: الموتَ؟. معذرةً، فالموتُ في لغةِ السومريينَ حبٌّ. وكنتُ أموتُ على خالتي حدَّ الجنونِ.
ثملاَ بحبِّها، لم أكترثْ لمرحي الذي كان يذبلُ في المنفى
عجباً، ما الذي حدثَ لشمسِ الظهيرةِ كي أشعرَ بالبردِ هكذا؟.

saad.abbas1@hotmail.com  

* شاعر من العراق/ كندا.