متقمّصون لكشف الظلم وإيقاظ العدالة

د. عـبدالقادر حسين ياسين*

 

 
في عام 1959، "غـيـّر" الصحافي الأميركي جون غـريفـيث جلدته، بتناوله أقراصاً سوّدت بشرته. ولمدة ستة أسابيع، جاب، في جلد أسود، أميركا للوقوف على التصرفات العـنصرية في الولايات المتحدة. 
جاءت شهادته في كتاب شهير عنوانه "في جلد أسود"، فتح أعين الأميـركيين على الممارسات العنصرية. 
وقد تسببت له الأدوية التي تناولها لتسويد بشرته بسرطان خطفه مبكرا. 
أما الصحافية الفرنسية فـلورنس أوبناس،  التي تعمل في أسبوعية "لونوفيل أوبسرفاتور"، فقد تـقـمصت لمدة عام أدواراً عـدة ووضعـت كتاباً "رصيف ويستريهام" ، الذي يتربع على قائمة المبيعات في فرنسا. 
بـيـد أن الصحافي الألماني غونثر فالرافGünther Wallraff  يعتبر أحد الصحافيين ،الذين جعلوا من التقـمص والانتحال فـناً قائما بذاته. 
ليس غونتر فالراف من الصنف الذي يفرخ ويفرغ المقالات في مكاتب مكيفة، بل من عينة الصحافيين الذين يزجّون بأنفسهم في الوضعيات القصوى ، لمعاينة مخلفات التهميش والبؤس والعنف في قلب الهوامش، أو لفضح وضعيات يعلن فيها الأوروبيون بشكل مكشوف، عن عـنصريتهم وحقـدهم الصريح للأجانب. 
ولد غونتر فالراف،  في أول تشرين الاول 1942 بالقرب من كولونيا. 
اشتهر بطريقته التي عرفـت في ما بعـد بـ"الفالرافية"، التي تعـتمد المعـايشة الشخصيـة، وذلك بالاندساس في المحيط المـقـرَّب من مواضيع التحقيقات. 
وقد حاول مرات عـدة الكثير من الأطراف، بمن فـيهم صحيفة "بيلد تسـايتونغ"،  Bild Zeitung ،
منع نشر تحقيقاته باللجوء إلى القانون. لكن المحاكم اعتبرت تحقيقاته مطابقة للقانون. 
في عـام  1985، تقـمص فالراف هوية عامل تركي بإسم علي سينيرليوغلو، يعرض خدماته للقيام بأي عمل. 
اشتغل علي عـدة أشهرفي المعامل الألمانية ، حيث تعرض لأبشع المعاملات على يد الألمان. 
أسـود وأبـيـض
قام فالراف لمدة سنة كاملة بتحقيق في الأقاليم الألمانية وهو في جلد أسود. 
شارك في الحفلات المقامة في الأزقة، تقدم للبحث عن سكن، لحجز مكان في المخيم، لارتياد المقاصف والملاهي الليلية، للاندساس بين مناصري فرق كرة القدم، أو لمجابهة أكثر من إدارة. 

 

السؤال الذي حاول فالراف الإجابة عـنه هـو: كيف يعيش شخص من أصل إفـريقي في ألمانيا؟ 
هل تخلص البلد من الصورة التي تقـدمه كمعـقـل للعـنصرية؟ 
ويتساءل الكاتب: "هل سألتقي وأنا في جلد إفريقي ،أم سأصادف الصورة الرائجة عن الإفريقي المتاجر في المخدرات، المجرم، الذي يغش في حق اللجوء السياسي،  وهي الصورة العالقة به في مخيلة الألمان؟". 

 

عـزَّزت التصريحات العـنصرية التي أطلقها المسؤولون الألـمان، من اقتناع فالراف بالوقوف عند حقيقة هذا الواقع. 
فقد سبق للرئيس السابق لبلدة بافـيار، إدموند ستويبر،، أن حذر من "اختلاط الأعراق"، وهو أمـر "من شأنه تشويه الهوية الألمانية". 

كما صرَّح السناتور السابق لمدينة هامبورغ، رونالد ستيل،  وهو يرتدي لباس القاضي: "كانت يدي دائما ثقيلة في معاقـبة الزنوج". 

 

في أول شهادة، استـقـلَّ غونتر فالـراف قارباً سياحياً ، برفقة مجموعة من الألمان، للقـيام بجولة عبر النهر الذي يعبر الحديقة الكبرى لمدينة فورليتز. 
بعـدما تـزيا في هيئة إفريقي، ببشرة سوداء وشعر مشعث، أخذ مكانه في الخلف من القارب. 

بدأ السياح في الصعود إلى القارب ولا أحد رغـب في الجلوس إلى جانبه، إلى أن تـقـدم رجل ليجلس جلسة متبرمة ،  ويطلب منه أن يناوله كأسين من البيرة، كما لو كان نادل القارب! 

 

بعد انطلاق القارب في جولته، مدّت سيدة يدها لاقتلاع أغصان تحـفّ بالنهر. 
ولما قام فالـراف "الزنجي"، بالحركة نفـسها، التفـت إليه بعض المسافرين بملاحظات توبيخ وعـتاب. 
بعد انتهاء الجولة شرع السياح في مغادرة القارب. 
ما إن هـمّ بحركة النزول حتى أوقفه بعض الأشخاص، "لإفهامه" بأنه سيكون آخر من يغادر القارب! 
عليه انتظار نزول "البيض" قبله. 

 

في حي نيب، أحد أحياء مدينة كولونيا،  قـرَّر الكاتب تجريب محنة عثور إفريقي على سكن. 
بعد أخذه موعـداً مع صاحبة الشـقـة، وهي في مقتبل الخمسينات وذات هندام أنيق، فاتحته رأسا بالشروط التعجـيـزية للحصول على الشقة: النظافة، تسديد أثمان إضافية لفواتير الماء والكهرباء الخ. 
في الأخير طلبت منه صاحبة الشقة مهلة للتفكير في ترشيحه. 
بعد دقائق، تقـدمت مجموعة تحقـيق تلفزيونية، تعمل لصالح فالراف، باسم "عائلة هيلدالبرانت"، 
المكونة هذه المرة من ألمان "مئة في المئة" ، وبكاميرات خفية، لاستئجار الشقة نفسها. 

 

استقبلتهم صاحبة الشقة بترحاب وصرَّحت لهم من دون مواربة، بخوفها عندما تقدم منها زنجي لاستئجار الشقة. 
"لا محل للسود في هذه العمارة. الزنجي ، الذي تقدم قبلاً شخص مخيف وبشع". 

 

في المخيم، وهو المكان الذي يعتبر مجمعا عائليا، عرف الزنجي فالـراف العنصرية في أبهى صورها وأبسطها. 
تقدم، برفقة "عائلته"، المؤلفة من مساعـدات لعبن دور الأم والبنات، كلهن زنجيات إلى مخيم مانين، الواقع في غابة توتبورغ، على متن سيارة من نوع مرسيديس تجرّ وراءها قافلة. 
حين طلب استئجار مكان في المخيم، أجابه موظف الاستقبال، أن المكان ضيق ، قبل أن يصارحه رأسا بأن "المشكلة الحقيقية هو اللون ، ولا اعتقـد أن قاطني المخيم سيطيقـون وجودكم هنا".

 

موقـف عـبثي آخر يستحضره "الزنجي" فالراف، عـندما تقـدم من المكتب المحلي للحصول على معلومات تقـنية، تتعلق بشروط الحصول على رخصة للصيد! 
كان برفقة ألماني من أصل إفريقي. 
عـندما تقدما من المصلحة المدنية طالبين الوثائق المذكورة..."أصيبت المزظفة بالهلع" قبل أن تجيبهما بأن "طلب رخصة صيد من زنـجـيـيـن حماقة حقيقية". 
وعلى الرغم من إثباتهما هويتهما الألمانية،  أصرَّت الموظفة على مغادرتهما المكان وإلا استدعـت قوات الأمن! 
مثل هذه التصرفات عادية سواء في شبابيك محطات القطار، أو داخل القطارات أو في جميع المرافـق الأخرى. 
ويقـول فـالـراف أن اعتداءات الألمان على السود هي محط سجال صاخب، في أوساط علماء الاجتماع الألمان. 
والمؤكد أن قسما لا يستهان به من المجتمع الألماني في حاجة إلى العـنصرية،  كـ "غطاء أيديولوجي" لتأكيد "هويته الوطنية" وتفوقه العـرقي. 
فـبحسب الباحثين، فإن ما بين 30 و 60 في المئة من الألمان لهم ميول عنصرية، وهم الذين يرفعون أصواتهم حتى وإن تألق لاعـبون من أصول أجنبية، في الفرق الوطنية مثل الهـدَّاف البرازيلي غرافيت ،أو كاكو لاعـب شتوتغارت. 
ويقول فـالراف إنه في العديد من أندية كرة القـدم الألمانية،  عـندما يستقـبل لاعـب أسود او أجنبي الكرة، ترافقه من الجمهور داخل الستاد صيحات القـردة! 
ويشير فالـراف إلى أن المرء في ملعب كوتبيس، يشعر بأنه في حلبة عنصرية بامتياز. 
فقد حصل الحزب النازي الجديد في هذه المدينة ، على نسبة 7 في المئة من الأصوات خلال الانتخابات البلدية الأخيرة. 
يتقدم أنصار الفريق برؤوس حليقة، وبقـمصان قطنية مسكوكة بشعارات نازية، فيما يرفع الشباب لافتات كتبت عليها عبارات Heil Hitler...!!"يحيا هـتـلـر".
جـرّب غونتر فالراف حياة التشرد إلى جانب من لا مأوى لهم. 
اختار ليلة 24 كانون الأول، الموافـقة لعيد ميلاد المسيح، عندما أفرغ مركز مدينة كولونيا من المارة. 
لبس فالراف أسمالا قديمة ومتسخة، ليتقدم الى مركز استقبال المشردين، ولمقاسمتهم حياة الحضيض. 
ووفـقـاً للأرقـام التي أوردهـا فالراف، فإن العدد الرسمي لمن لا مأوى لهم بلغ 35000 شخص ،
وذلك بحسب الإحصاءات التي قـدّمها المكتب الفيديرالي. 
أما البقـية التي تـفـترش أرض الشارع فلا اثر لها ضمن هذه الإحصاءات. 
ولمقاسمة حياتهم الليلية، تردد فالراف على مراكز كولونيا، فرانكفورت، هانوفـر، كوبلانس ومراكز أخرى. 
وتحت البرد والجوع، عاين عـينات من المعـدمين، بمن فيهم الأجانب، ومن بينهم ضحايا الأزمة الذين سرّحوا من عملهم ليجدوا أنفسهم في الشارع. 
باسم مايكل ج، تقدم فالراف في هيئة شخص ألماني، ليعمل في شركة للمكالمات الهاتفية. 
عاين من الداخل، الآلية المتحكمة باشتغال الشركة التي تقامر، عبر المكالمات الهاتفية، في لعبة اليانصيب. 
ويشير فالراف إلى أن الأشخاص الذين يعملون في الشركة، لا يعمّرون طويلا بسبب النوبات العصبية والأمراض النفسية، بسبب تناول المسكنات، وهو ثمن الحفاظ على منصب مهاتف ، 
يبيع أوراق بالهاتف. 
ويفضح فـالراف طرق الغـش التي تستعملها شركات المكالمات الهاتفية الألمانية، أو الدولية التي تعمل في ألمانيا، سواء ببيعها للأسفار أو أوراق اليانصيب  ، أو المشاركة في برامج تلفزيونية. 
على الخط، يتقدم عارض تلفوني لسيدة ليعبّر لها عن سروره، بالعثور عليها فورا لأن مفاجأة سارة تنتظرها: 
تم اختيارها للمشاركة في برنامج SKL-Show الذي يقدمه غونتر جوش، الذي سيطرح للتباري مبلغا بقيمة 5 ملايين يورو! 
"لهذا الغرض اتصلت بك لأعرض عليك فرصة للمشاركة في البرنامج. لكن قبل اختيارك، أطلب منك رقم بطاقتك المصرفية، وذلك بغية ضمان نجاح العملية". 
يخلص فالراف إلى أن أكثر من شركة ألمانية خصوصية تعمل تبعا لهذا المبدأ. 
ما يهمّها هو السطو على أموال الزبائن. الأمر الذي دفع بغونتر فالراف إلى التصريح علانية، بأن مقدم البرنامج غونتر جوش، يتحمل مسؤولية شخصية، في الإرهاب التلفوني الذي يمارس باسمه. 
ودعاه إلى عدم التضامن مع هـذه الممارسات التي ترتكب باسمه. 
دفع التحقيق الذي أجراه فالراف الأحزاب السياسية، إلى المطالبة بتعديل القانون في موضوع ألعاب القمار. 
وفي أيار 2009 ألغت قناة RTL برنامج SKL-Show 
ينقلنا فالراف إلى قطاع آخر يعتبر مفخرة ألمانيا: قطاع شركة السكك الحديد،  مشيرا إلى أنه في ربيع 2012 تركز حديث الإعلام يوميا، على الفضائح التي هزت شركة السكك الحديد الألمانية، في قضايا التجسس وتسريب المعلومات عن آلاف العمال ، الذين كانوا محط تجسس لمدة سنوات:  معلومات عن وضعهم الصحي، عائلاتهم، تحركاتهم. 
فشركة "Deutsch Bahn"، التي تطمح إلى أن تصبح "فاعلا دوليا"،  لا تعير أي اهتمام للأخلاق والعدالة ومصلحة العاملين في الشركة. 
هذا من دون الحديث عن غياب أي شفافية في الحسابات. 
لهذا طالبت أكثر من جهة إعلامية ونقابية، بإجراء مراقبة مشددة على أرباح الشركة. 

 

زجّ غونثر فالراف بنفسه في الحضيـض، رفقة المشردين في الأزقة، 
وفي طقس يتجاوز 20 درجة تحت الصفر. 
عمل، بعدما لبس جلد زنجي، في ظروف تنضح بالعنصرية المبتذلة، كل ذلك لحك قشرة بلد تميزه الغـطرسة الصناعية، التي دفعت بملايين الخاسرين إلى هامش أجمل العوالم الممكنة. 
 
(الصورة المنشورة لغونتر فالراف).

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.