مجاز الشبح في القصيدة لدى مؤمن سمير

ممدوح رزق*
 
من بين الاحتفالات المجازية العديدة التي شكلت ديوان " رفة شبح في الظهيرة " لـمؤمن سمير )الصادر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ؛ يلمع شكلٌ مجازيٌ ، تنشد معظم قصائد الديوان رهانها عليه فضلاً عن عنوان الديوان نفسه. مجاز يبدو أنه الأكثر ملائمة لتحرير الطبيعة  الطقوسية  للشعر، التي لا تصف ولا تحكي ولا تكتفي بالإحالة ، وإنما تجعل من اللغة إعدادات ضرورية لما يشبه صلاة لمقدس مجهول، عملاً سفلياً، تعويذة، تمتمات غريبة في جلسة تحضير أرواح. المجاز الذي ينطق باسم الأشباح في كل وقت حيث ( الوجود الشبحي ) هو الأساس المُكوِّن للذوات والأشياء جميعها في القصائد. الطقس الذي يقيمه هذا المجاز يقوم على الاستخدام الكنائي المعتاد، لكنه المذيل بمفاجأة من التناقض .. بمعنى أدق لا يتوقف التعمد على عدم الاستقرار البلاغي فحسب ، وإنما يتعمد  مؤمن سمير أيضاً أن يكون عدم الاستقرار نابعاً من كسر التوقع للفهم المنطقي الذي يمكن أن تدل عليه خطوات الكناية الأولى .
أعطني حفرةً
في قلبِكَ
….
لأطفو ..
الإشارة البديهية تأخذنا بداية إلى السقوط ، وبعد أن يتحقق الوعد المجازي بتحديد مكان السقوط في القلب يأتي دور المفاجأة. التناقض الذي لا يجعل من الحفرة ممرا للسقوط بل كُوَّةً للطلوع .. تلك التركيبة التي ينفذها  مؤمن سمير ، ويشتغل عليها في كثير من قصائد الديوان .. من المهم التذكير على أن ذلك هو سلوك الأشباح، الظل أو الطيف الغائم ، الأثر الغامض الذي بواسطة استفهامات حركته تُعرّف الحياة والموت، الشبح لا يعطيك تأويلاً ثابتاً عن نفسه، أو عن مبرر حضوره واختفائه أو عن دوافع لأفعاله فحسب ، يمكنه أيضا أن يشرح بطريقته المكثفة ، المنطوية على قدر جارف من الإيهام المطلوب لاستفزاز الخيال ، كيف يمكن بالتناقض المشار إليه سلفاً وحينما يوضع في مكانه المناسب ـ أن تتساوى تفاصيل العالم ورغباته ، حفرة في السقف أو كوة للسقوط ، ماذا لو كنا نتحدث عن السقوط والطفو في قلب ! هل هو تراكم من الحفر الذي مهما طفوت ستظل ساقطاً داخلها ؟ أم أن الغرق يتم في مكان آخر بعيداً عن قلب المخاطَب ، ولا يحتاج صاحب المونولوج سوى لحفرة في قلب"ها" حيث السقوط فيه هو النجاة من ذلك الغرق .
تُحِسُّ بكلِ هذا الضوءِ
عندما تلمحُ الضحكةَ الخضراءَ
تحتَ سجادتِها .. 
لكنَّ الطائرَ المُتيبِّسَ
يشي الآن بالرعشةِ 
والعيونُ غادرت نحو 
جِلْدِكَ ،
على شَمَّاعةِ القنصِ 
إذا كان على الشعر أن يصير طقساً تديره الأشباح بالتناقض المجازي فإن الغاية المنشودة ـ إن جاز لنا أن نسميها كذلك ـ تبدو تحويل العالم إلى مهمة، مسار، سياق متخذ لتنفيذ أمر ما . قد يكون مجرد تحقق ذلك الطقس هو هدف المهمة وسرها ، وذلك يفسر العبث الوامض حول لغة  مؤمن سمير. أن الطقس لا نتيجة يريد الوصول إليها أكثر من أن يحدث فحسب. كل شيء هو شبح كما سبق وأشرت : ضوء ، ضحكة خضراء تحت السجادة ، طائر متيبس يبدأ في إشعال التناقض المنتظر: العيون غادرت نحو جلدكَ / على شماعة القنص. 
ما هو الآخر الذي يخاطبه  مؤمن سمير  طوال الوقت ؟  حفرة في القلب ، ضحكة خضراء تحت السجادة. الحاضر أو الغائب في الطقس، والذي في مواجهته تحدث خسارة ما، أو بشكل أكثر وضوحاً يكشف عن هزيمتك الكونية . ذلك التساؤل الذي يسعى لبلوغ الملامسة لما يستعصى الإمساك به، النظر إليه ربما، تخيله أو مراقبة آثار وجوده ؛ هذا مؤكد . لنقرأ النص الآتي ونتأمل في قوة ذلك الاحتمال أو الهاجس :
ثم لن يمضيَ سَيْلٌ سَمينٌ
إلا وقد لَبِسَ اللونُ خيمتَهُ ،
وحَفَّ
ذاكرتَهُ ، 
 
كأنهُ 
نفسُ 
الظِلِّ ..
 
ينبغي تكرار الجملة السابقة الآن: " تتساوى تفاصيل العالم ورغباته " تتساوى عناصر الحياة والموت، الألوان .. الذاكرة، هل النهايات تتساوى أيضا ؟  ذلك الالتباس متروك لمن أراد التورط مع الأشباح في ألعابها الطقوسية ، ليس من أجل المعرفة ولكن ربما من أجل الاستمتاع بالاشتباك، بالمراوغة مع الكوابيس التي لا تبقيها اللغة على حالها كسيرة يومية أو كهامش يوثق بين طياته رعب هزلي، وإنما تحولها إلى متن ينشط كلما زادت قوة قمعه وتنوعت أساليب العنف الممارس ضده.
("رفة شبح في الظهيرة "، شعر، مؤمن سمير ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013).  
 
 
* أديب من مصر.