محي الدين زنكنه من مرجعيات المعرفة إلى مهيمنات الكتابة
صباح الأنباري*
لكل خطاب أدبي مرجعياته، ولكل كاتب جذور تمتد إلى ملكوت طفولته حيث بذرة الوعي الأولى
لكل خطاب أدبي مرجعياته، ولكل كاتب جذور تمتد إلى ملكوت طفولته حيث بذرة الوعي الأولى
وجذور المعرفة وأساسيات ومحفّزات ومستلزمات ثمرة الكتابة ، وذاكرة الكاتب خزين حياته بتجاربها ومعارفها ، بأحداثها وجسامتها ، بزهوها وانكسارها ، بتأثّرها وتأثيرها ، خزين هائل من المرجعيّات والإمتدادات والحيوات . إنها معين تتوغل مساراته القصية لتمسّ عبر تلك الجذور بذار الكاتب، أو تحثّ أجنّتها كلما ألحّت عليه ضرورة الكتابة، وهي تشتمل على بيئته الأولى ومحفّزات موهبته منذ مرحلتها الجنينة ، ولسبر أغوار تلك الأقاصي لابدّ من إلقاء الضوء على تشكلاتها الأولى وأفكارها المنبثقة من أعماق الذاكرة، لارتباطها الوثيق بحياة الكاتب عبر الحبل السرّي لتجربته في الكتابة . عليه فإنّ إلقاء الضوء على أفكار وتشكلات ذاكرة كاتب مثل محي الدين زنكنه (1)، تفرض علينا عودة إلى ماضيه وبحثاً في مطبّات حياته، وخفاياها ومؤثّراتها وموجّهاتها ومهيمناتها .
لقد كان لانحدار محي الدين زنكنه من عائلة ذات جذر كردي عريق ، أثره الكبير على طبع حياته وتجربته بطابع خاص أضفى نكهة مميزة على كل خطاباته الأدبية ، وكان والده حميد محمد زنكنه ، وهو رجل ذو سطوة على أفراد عائلته ، أثر كبير على صقل شخصيته وتفرّدها على بقية أبناء الأسرة الذكور .
عاش زنكنه الابن مع أمّه في غرفة متواضعة، كل صغيرة فيها وكبيرة تخضع بشكل أو بآخر ، لمشيئة الأب حتى مصباحها ، الوحيد، لا يضاء فيها، ولا يطفأ إلا بأمر منه . لقد نشأ ذكور الأسرة متأثّرين ومقلّدين ومباهين بشخصية وسلطة أبيهم، إلا زنكنه الصغير محي الدين الذي بدأت أفكاره تتقاطع مع أفكار أبيه، لكنه وبما عُرف به من حياء وخجل وأخلاق حميدة ، لم يعلن عنها ، كان يدّخرها كما تدّخر السماء البروق، وإذ تبرق في داخله يحبسها ، ويعتّم عليها ، فهو لم يمتلك من الحرّية، بعد، ما يعينه على إعلانها ، وسوف لن يمتلكها لوقت طويل مما جعل شعوره بفقدانها يتفاقم يوماً بعد آخر ليسلك ، في ما بعد ، سلوكاً مغايراً لا بدافع المشاكسة ولكن بقناعة ووعي مبكّرين . لقد صار، مذّاك ، يعشق الحرّية ويودّ من أعماقه لو يستطيع منحها لكل المحرومين منها، والمضطهدين لأجلها والرازحين تحت نير الظلم والاستعباد، حتى تحوّلت لديه إلى شرط من شروط الحياة وحق من حقوق البشر، ولم يملك إلا أن يمنحها لشخوصه ، فتراه في نصوصه كلها ، مستقلاً عنها وهي تتفاعل مع الحياة ، وتتعامل بحرية كاملة مع الآخرين ، وتقرر مصيرها بعيداً عن تدخله مادامت أفعالها محكومة بطبيعة سلوكها الذي أوصلها إلى هذه النتيجة أو ذاك المصير، ولعل تحمله قسوة وعسف ظروفه ، وصمته إزاء ما يحدث ، واحتباس انفعالاته ، وكظم غيظه وغضبه، وكبت ثورته أمور كلها، ساهمت في جعله رجلاً متأنياً لا يقدم على خطوة قبل أن يخطط لها، ولا يكتب فكرة قبل أن يقلّبها على كل الوجوه ، مراراً وتكراراً ، دارساً كل أبعادها وتأثيرها وما يمكن أن تولّده من ردود أفعال معاكسة، تؤدي في نهاية الأمر إلى احتدام الصراع .
لقد وعى منذ وقت مبكر، أيضاً، إنّ أفكاره الجامحة نحو الحرية تتناقض مع السلوك القهري والنزوع القبلي نحو العسف، تناقضاً من شأنه أن يدفع صراع الأفكار إلى الاحتدام والاحتراق في أتون معركة فكرية ودرامية عنيفة، اتسمت بها نصوصه الدرامية منها والسردية ، وهذا هو عين ما دفعنا إلى الكتابة عنه كمسرحي في القصة وقاص في المسرح، ويندر أن نقرأ له نصاً خالياً من صراعات تتجسد عبر حوارات قصيرة، أو طويلة رأس السهم فيها يشير نحو تأجج واشتباك الأضداد واصطراع المتناقضات، ولم يعلن زنكنه في أي من نصوصه انحيازه لشخصية ما من شخوصه لأنه يريد من المتلقي أن يبني أفكاره بطواعية ووعي وإدراك ، وأن يتخذ موقفه من الشخصيات استناداً على ما يقدمه الكاتب من معلومات وبناء على جملة أفعال الشخصية الواحدة أو مجموعة الشخوص. ويقوم زنكنه بذكاء الكاتب، ومقدرة الفنان المجرّب، بدفع المتلقي إلى الجهة التي يريد، ونحو الهدف الذي يسعى إليه ويتمنى أن تصله شخصياته الأثيرة لديه، وعلى وفق هذا تقوم الكتابة، عنده ، بتحريك الأفكار الراكدة تحت سطح الواقع، وإبرازها، ودفعها نحو مثيلاتها ومغايراتها لتكوين حصيلة مهمة ونتيجة يدركها المتلقي وفقاً لدرجة وعيه وثقافته وتجربته الشخصية. بذا يزج زنكنه بالمتلقي ، من حيث يدري أو لا يدري ، في العملية الدرامية مساهماً في مجرياتها ومندمجاً فيها اندماجاً ستانسلافسكياً أو حاكماً عليها حكماً بريختياً ، فهو ينهل من التجارب والنظريات ما يمكنه من محاولة الظهور بتجربة مستقلة، ومتفردة، ورؤية موائمة لواقع شخصياته السلبية منها والإيجابية .
لم تكن الحياة التي خاض غمار تجربتها في بيئته الأسرية الأولى بالرغم من قسوتها ووقعها الرهيب عليه، كطفل، قد تركت في نفسه آثاراً عميقة كالتي تركته في نفسه أحداث (كاورباغي) عام 1946 عندما أضرب عمال النفط وتصدّت لإضرابهم الحكومة وقتذاك ، بالنار والحديد ، لقد حفرت (كاورباغي) في نفسه آثاراً قاسية عميقة، وخضّت دمه، وهو في السادسة من عمره، بطريقة لم يعد بمستطاعه أبداً محوها من ذاكرته ولا حتى تحييدها، كانت (كاورباغي) بضحاياها وجلاديها تمور في نفسه باحثة عن منفذ لتحرر نفسها من نفسه التي ضغطت فيها بقوة وقسوة وعنف دافعة إياه ، من حيث لا يدري ، إلى الاحتراق في أتون الكتابة . إنّ رهبة الموت وفداحة القتل ولون الدم وصوت الرصاص وعويل النساء وصراخ الأطفال ، كلها صور كمنت في ذاكرته السمعية والبصرية فادخرتها مع ما ادخرته من خزين طفولته ،لكنها بمرور الوقت ، لم تعد قادرة على احتباسها، وكان لابد لها أن تطلقها بعد أن فاضت بها المعاناة وأغرقها الكبت بسيل جارف من المرارة والشعور المتعاظم بالألم ولوعة الحقد والحب والثأر، من كل أولئك الذين يعملون ، أبداً ، على هدم الإنسان وهدر كرامته وسفك دمه وخنق حريته بظلمهم وظلامهم وجرمهم الذي لا يحدّه حد .
منذ ذلك الزمن البعيد بدأت تتضح أمام زنكنه معالم وطبيعة القوى المتصارعة، وهي قوى تتناقض في قوتها وإرادتها وأهدافها وحجمها، وإنّ ملامحها جميعاً بدأت تترسخ في ذهنه لتنعكس في خطابه الدرامي صوراً دقيقة، وأفعالاً واضحة وسلوكاً بيّناً لم يعلن عن انحيازه لأي منها مثلما لم يعلن، وهو صغير، عن انحيازه لأبيه باعتباره متسلطاً ليترك المجال أمام المتلقي كي يطلق أحكامه، ويعلن انحيازه بطريقة اشتغل زنكنه على جعله ينحاز إلى مَن ينحاز إليه ككاتب وكإنسان وهنا يمكنني القول إنّ ما كتبه زنكنه إنما يستند بشكل أساس، إلى طفولته التي لم يعشها كما ينبغي . لقد عانى في طفولته من حرمان اشتد عليه فألغى طفولته واستمر شعوره بهذا الحرمان يتفاقم على مر السنين ، فإن أعادت ذاكرته بعض ملامح تلك الطفولة، فإنه لا يضع خطابه لها (للطفولة) بل يضعه عنها من وجهة نظر الكبار لا الصغار، بالرغم من امتلاكها لطاقة تشويقية، تسوّغها للكبار وللصغار على حد سواء كما هو الحال في قصة (طفولة ملغاة) وقصة (حرمان) وقصة (قصة تقليدية جداً) .
إنّ حياته كطفل والبيئة التي عاش تفاصيلها ومحيطه الأسري المؤثر وطبعه الهادئ المتأني كلها جعلته يتحاشى الإفصاح المباشر، عن موقفه من شخصياته المتسلطة .إنه يريد تقديمها بطريقة أشبه بالطريقة (التسجيلية) في عرضه ما يتعلق بها من ظلم وجبروت وتعنّت وشراسة ورغبات تدميرية ليتسنى لنا معرفة حقيقتها ولنبني موقفنا منها على أساس تلك الحقيقة كما في قصصه (سبب للموت .. سبب للحياة ، حيث الناس يعيشون كالهواء ، الشمس .. الشمس ، الموت سداسياً) وفيها يضع زنكنه القبح ، بكل بشاعته ،أمام الجمال بكل قداسته، ويزجّ بهما في صراع غير متكافئ تتحقق الموازنة فيه بعد أن تصل العملية إلى المتلقي الذي يضع نفسه في كفة الحق ضد الباطل، والجمال ضد القبح . ولم يقتصر تقديمه لشخصياته بهذه الطريقة على الرجال من دون النساء ، ومع ذلك لم تحتل المرأة في خطابه الأدبي المساحة المطلوبة بسبب ندرة علاقاته مع النساء، ولأنه لا يريد البوح عن تلك العلاقات إلا من خلال ما تفرضه عليه طبيعة الخطاب ومرجعياته السيرية . ففي نصه المعتمد على ذاكرة الكتابة "نثارات حلم تبحث عن حالم" مثلاً يسترجع صوراً شفافة وحالمة عن حبيبين يعمل الخجل الطفولي على إرباكهما، فتخطئ قبلته الأولى طريقها إلى شفتي حبيبته، وظلت هكذا ، بسبب براءتهما ، تخطئ طريقها على الدوام .
منذ ذلك الزمن، زمن المراهقة ، ظل زنكنه يحمل في دخيلته ملامح المرأة التي يريد من دون أن يعثر عليها، وظل متأنياً في الولوج إلى عالمها، حذراً من الانسياق خلف مغامرات القلب وشطحاته ، متهيباً من خوض التجربة ربما بسبب الخجل ودماثة الأخلاق، أو بسبب صدقه الأصيل والتزامه الحديدي أمام نفسه والآخرين. إنه لا يريد أن يسفح عذرية الحب على مقصلة المغامرة العاطفية، وتجربته مع المرأة لم تتبلور إلا بعد أن اقترن بها، وهرب معها من عالم العزوبية الفسيح إلى قفص الزوجية الضيق .
نساء خطابه الأدبي، في الغالب، من الأمهات اللائي يعرف طباعهن وميولهن وسلوكهن معرفة تفصيلية، تجعله قادراً على رسم شخصياتهن بشكل دقيق . إنهن يمثلن، في خطابه، تنويعات مختلفة وتفريعات متباينة لجذر واحد هو الأم/المرأة الوحيدة التي عرفها معرفة تفصيلية دقيقة مستوحياً منها ومستنسخاً عنها ، بتصرف وإبداع ، كل نساء نصوصه القصصية والروائية والمسرحية .
* مسرحي وناقد من العراق مقيم في استراليا.
(1) رحل إلى جوار ربه في 21/8/2010 .
