مدينة الثقافة التونسية

حسونة المصباحي*
 
كانت مدينة الثقافة التونسية على وشك فتح أبوابها عندما اشتعلت تلك الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي. وقد سارع أول وزير للثقافة في الحكومة الانتقالية المؤرخ عزالدين باش شاوش بإصدار قرار يقضي بإيقاف أشغال بنائها، زاعما أنها “مشروع ستاليني عديم الفائدة والجدوى”.
وقد استغرب العديد من المثقفين والمبدعين ذلك الموقف الغريب إذ أن صاحبه كان من رموز النظام المنهار، ومن أكبر المستفيدين من نعمه وامتيازاته، وأبدا لم يظهر تجاهه أيّ معارضة، ولم يصدر عنه أي انتقاد لسياسته الثقافية. ونهج وزير الثقافة في حكومة “الترويكا” التي تزعمتها حركة النهضة، المهدي المبروك على منوال سابقه، معلنا عن رفضه المطلق لمشروع من تصميم وتخطيط “العهد البائد”.
إلاّ أن قسما كبيرا من المثقفين والمبدعين الذين لمسوا المخاطر التي تتهددهم وتهدد مصير الثقافة والفنون في بلادهم أمام تصاعد المدّ الأصولي، رفعوا أصواتهم عاليا مطالبين بضرورة إنهاء أشغال مدينة الثقافة التي تمثل بالنسبة إليهم مشروعا مهما يمكّنهم من الحصول على مكاسب كبيرة مادية ومعنوية، ويتيح لهم فضاءات تتناسب مع طموحاتهم وآمالهم من أجل تطوير الثقافة الوطنية، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة إبراز مواهبها في مختلف مجالات الفنون.
وكان عليهم أن ينتظروا 7 أعوام عجاف لكي يتم الاحتفاء بإنهاء أشغال مدينة الثقافة على جادّة محمد الخامس لتهب العاصمة رونقا وجمالا بعد أن ظلت أعواما طويلة شبيهة بخربة متروكة، ترتع فيها الفئران.
بإمكاننا أن نستخلص من مشروع مدينة الثقافة، ومن عدة مشاريع أخرى، العديد من الحقائق، أولها هو أنه علينا دائما وأبدا أن نحذر من كل الذين -اعتمادا على “الثورة”- يحرضون الناس على تدمير كل مشروع من مشاريع النظام المنهار، باعتبار أن فترة ذلك النظام كانت “سوداء”، وكانت “خرابا في خراب” على حدّ تعبير الرئيس المؤقت السابق محمد المنصف المرزوقي.
والحقيقة الثانية التي يمكن استخلاصها هي أنهم ليسوا على حق أولئك الذين كذبوا على التونسيين زاعمين أن الثقافة في عهد نظام بن علي عانت “من التصحّر ومن الإقصاء”.
قد تكون هناك الكثير من السلبيات في المجال الثقافي والفني والفكري، وقد يكون هناك مثقفون وفنانون عانوا من مختلف أنواع الإقصاء والتهميش، إلّا أن كل ذلك لم يمنع من أن تتمتع الثقافة التونسية في الفترة المذكورة بحيوية فقدتها خلال سنوات “الثورة”.
بل إن المخاطر التي باتت تهدد المثقفين والمبدعين في السنوات السبع الماضية، كانت شبه منعدمة في عهد نظام بن علي. ولعل الإحباط والخيبة واليأس من المستقبل، وكل هذا يفسر موت العديد من المثقفين والشعراء والفنانين في الفترة الأخيرة بسكتات قلبية، وبأمراض خبيثة ومستعصية. وكثيرون منهم يعانون من حالات اكتئاب ومن انهيارات عصبية تعرقل عملهم، وتقيد حياتهم.
وما نترجاه ونتمناه هو أن تكون مدينة الثقافة وسيلة لنشر ثقافة الحياة والمحبة والتآخي بين التونسيين، ودعم كل ما يمكن أن يعيد لهم الثقة في المستقبل، وفي مواهب أبنائهم، ويقطع الطريق على المسلحين بالأحقاد والضغائن بهدف تزوير التاريخ، وتخريب كل مظاهر التمدن والتحضر التي حصلوا عليها خلال العقود الستة التي أعقبت استقلال بلادهم في عام 1956.
 
* كاتب تونسي، المقال عن " العرب " اللندنية.