مرآة تتكلم

حسن بوفوس*

لم تعد تستطيع مقاومة اغماض رموش عينيها الكبيرتين. لا بد لها إذن أن تترك الكتاب جانبا. منذ ساعة  وهي لا تتعدى قراءة الأحرف الأولى. أنىَّ لها  أن تجمع شتات فكرها الذي تقتسمه بلا توازن مشاكل لا تعد ولا تحصى؟ إنها لتتعجب على الرغم من هذه المشاكل كيف في مقدورها السفر إلى عالم عجيب، مليء بالأحلام والذكريات المرة: أحداث مضت وتكهنات لا سبيل إلى التخلص منها.
اضطرتها الظروف للعيش لوحدها. غالبا ما ينتابها شعور بالضيق والاختناق. سلاحها الوحيد هو الصبر الذي اعتادت عليه مرغمة فكل يوم تأخذ قسطا منه وتنتعش به.
تتأفف. تتأوه. تتثاءب. ولكن هيهات. لا. قبل الارتماء على الفراش عليها أن تتخلص من الأفكار التي تجول بخاطرها. لتدع النوم ينحدر كالسلسبيل. هل لها حق مثل هذا الاختيار؟ بل تجد لذة في اجترار أفكارها حينا من الوقت، غير أن حالة رغبتها الهروب منها، تراها تجري وراءها كأنها ظلها. والأدهى تحس بلكزتها وطنينها وطعمها المر ورائحتها الكريهة.
تتقلب يمينا ثم شمالا. تستند بظهرها ثم تتمدد على بطنها. تتأفف.  تتأوه.  تتثاءب.  النوم يقترب.  تمسك بخيطه الرفيع لكن... زجاجة تتكسر. ربما كسرها عربيد. اللعنة عليه. لاحَظَّ لها. هل تعيد الكرة؟
لا. نعم. لا...
نحت الغطاء جانبا. اتجهت نحو المرآة تتأملها. بل تتأمل فيها صورتها كعادتها كلما انهمرت عليها الأفكار انهمارا. نظرت إلى وجهها. لم تكن تعلم أنها قبيحة الخلقة إلى هذا الحد. لكن حين تمعن النظر تجد نفسها كغيرها من النساء، لها جمال خاص بها. ولو لم يخترع الانسان المرآة لما كان له هذا الاهتمام المبالغ فيه بنفسه، ولقلل من غطرسته ونفاقه، ولأنعدم كذلك مجمل الحركات والانفعالات والأقنعة التي يرتديها والشطحات التي يؤديها كل صباح ومساء.ولكن الطبيعة تتحمل أيضا قسطا من اللوم. تداعت إلى ذهنها أسطورة مفادها أن الشيطان استغل معرفته لنفسية حواء إذ استدرجها حيلة إلى بحيرة هادئة، فأغراها بالنظر فيها ،ثم أسر لها بأن الحسناء التي تراها في قاع البحيرة منافسة لها في إغراء صاحبها أدم. فغارت من نفسها: شعور سابق لأوانه لأنها آنذاك لم تكن هناك امرأة غيرها.
ابتسمت.  انعكست ابتسامتها على المرآة، مرتسمةً على وجهها مشاعر بائسة. لها عينان وأنف وفم. ولو أن فمها انمحى فكيف ستكون؟  إذا، ما سوف يميزها؟ يحمل الإنسان معه مرآتان: هما عيناه؛ ففيهما يتضح أثر ما يثيره سلوكه أو حديثه من مشاعر سيئة أو حسنة. بدونهما أو غيرهما سيصبح الناس أناسا مختلفين عما هم عليه الآن. 
أنفها أفطس، لا شك أنه يبعث على الاشمئزاز، جبينها تظهر عليه علامات تعب وانكماش. ربما كانت هي؟  في حقيقتها هي أجمل مما عليه الآن في المرآة مع أنها تعكس لها ملامحها. وما أدراها؟ ربما مشاعرها السوداء تضفي على صورتها قتامة وقبحاًًً! أخذت قطعة من قماش وطفقت تمررها على سطح المرآة فيما تعكسه الصورة بأمانة. بأمانة أكثر. الصورة هي، هي...
 تكاد لا تصدق عينيها. أبمثل هذا الحزن تستطيع أن تقهقه لحد أن تبرز أنيابها؟ أيعقل أن تسخر منها صورتها؟ أيعقل أن تنسحب صورتها وتتركها هكذا أمام مرآة لا تعكس شيئا؟ أيعقل أن تجذبها قوة خارقة إلى داخل المرآة لتصبح هي نفسها صورة لنفسها كأنها لوحة معلقة؟ لا شك أن أعظم رسامي العالم سيعجز عن رسمها بمثل هذه الدقة التي هي عليها الآن.
 
* قاص من المغرب/ طنجة.