معرض لجياكوميتي في لندن.. أشكالٌ متكررة تتوسَّط الوجود والعدم

Printer-friendly versionSend to friend
ترجمة: نجاح الجبيلي*
 
في عام 1957 وصف الكاتب جان جينيه مشغل صديقه "ألبرتو جياكوميتي". كان "مستنقعاً حليبياً ومستودعاً فائراً وخندقاً حقيقياً". كان هناك جصّ فوق الأرضية وفي كل أنحاء الواجهة شعر النحات وملابسه. كانت هناك قصاصات من الورق ولطخات من الصبغ على كل سطح متاح. ومع ذلك "انظر إلى القدرات المذهلة السحرية للفوضى" – وكأن الفن عن طريق السحر نشأ من النفاية؛ الجص على الأرضية قفز للأعلى واتخذ الاستمرارية كشكل ثابت.
من بين جميع الفنانين العاملين في باريس في القرن العشرين كان جياكوميتي أكبر متحمس لاستعمال الجص. فقد اشتغل عليه بسكينته وأحياناً يسلط عليه الكثير من الضغط إذ إنه في النهاية يصبح مفتتاً مكوناً النفاية التي لاحظها جينيه. حين يكون سعيداً به يقوم بالصبغ به. كانت المنحوتة الأصلية "نساء البندقية" التي عرضت في بينالي البندقية عام 1956 أشكالاً جصية بخطوط سود وبنية محفورة على وجوهها وأجسادها جاعلاً منها شبيهة بالنساء في لوحاته. 
الآن مؤسسة جياكوميتي في باريس عثرت على طرق جديدة لاستعادة تماثيله الجصية التي تضررت العديد منها بعد أن تهشمت، وغطيت باللك البرتقالي من أجل صبّها بالبرونز. إن "نساء البندقية"  بسطوحها المصبوغة قد جرى كشفها يمكن عرضها مرة أخرى كما عرضت في البينالي بدلاً من عرضها كتماثيل برونزية. وسوف تظهر لأول مرة في المعرض الاستعادي الذي يقام حالياً في في متحف التيت بلندن. وسوف يكون هذا أول معرض لجياكوميتي في التيت منذ معرضه الاستعادي في عام 1965 حين كان النحات يشتغل في الدور التحتي وهو ينجز الأعمال التي لم يحضّرها تماماً لكي يعلن انتهاءها. وسيكون معرضه الرئيس الأول في لندن ويضم أعماله طوال عقد كامل.
 ولد جياكوميتي في  سويسرا عام 1901 وهو ابن رسام سويسري ناجح وواقعي تقليدي. نحت أول منحوتة لأخيه دييغو حين كان في الثالثة عشرة من عمره وكرسّ نفسه بسرعة للفن. انتقل عام 1922 إلى باريس إذ اكتشف السريالية وأصبح صديقاً لأندريه بروتون. توقف عن خلق الموديلات من الحياة وكرّس نفسه للرؤى التي تشبه الأحلام زاعماً في عام 1933 بأنه لبضع سنوات "أدرك فقط المنحوتات التي قدمت نفسها لذهني بحالة منتهية". كانت ثيمات هذا العقد هي الجنس والموت. فمنحوتة "المرأة بحنجرة مقطوعة"- 1932 بالبلطات المتقاطعة بشكل عنيف هي صورة عن الاغتصاب والجريمة. لكنه كان أيضاً مهتماً أكثر بالاحساسات اليومية. ربما عمله الأقوى معروف بعنوانيه المتناقضين "أيدٍ تحمل الفراغ" و"شيء متخيل"- 1934-1935. وهذه المنحوتة واحدة من أشد الاستذكارات ذكاءً للعلاقة ما بين النظر واللمس.   
كانت هذه نقطة حاسمة لجياكوميتي: على الرغم من أنه كان مسروراً باليدين والرأس، إلا أنه كان غير مقتنع بالساقين والصدر والثديين. وقد خيّب ظن بروتون بقراره بأنه احتاج إلى أن يعمل من الطبيعة. جرى تأجير موديل وقد جثم لمدة أسبوع لمهمة عمل من الحياة امتدت إلى 20 سنة. وجد أن "لا شيء كان مثلما تخيّل". "رأس.. أصبح شيئاً مجهولا تماماً ودون أبعاد". محاولة وصف الرأس غير القابل للتعريف أصبح مهمة مستمرة مدى الحياة.
خلال الحرب العالمية الثانية عاد جياكوميتي إلى سويسرا. وهناك التقى بأنيت آرم الفتاة الموهوبة والمعبودة التي تبدو أنها قررت تقريباً حالاً بأنها سوف تتقاسم حياتها، وانتظرته بصبر أن يوافق. عاش في فندق معها بجنيف ونحت أشكالاً أصغر فأصغر زاعماً بأنها تقلصت ضد رغبته. وكانت العديد منها بحجم أصبع فحسب. 
بعد عودته إلى باريس عام 1945 كانت لديه رؤية مكّنته من الانفصال عن المصغرات. حين خرج من السينما إلى شارع المونبارناس في أحد الأيام جرب "التحول الكامل للواقع" وفهم بأن رؤيته، حتى تلك اللحظة، للعالم كانت فوتوغرافية على الرغم من  أن "الواقع كان يتعارض مع الموضوعية المفترضة للفيلم". وحين شعر أنه كان يدخل العالم لأول مرة ارتجف من الرعب بينما هو يمسح الرؤوس التي حوله التي ظهرت معزولة عن الفضاء. حين دخل مقهى مألوفاً "براسري ليب" وجد بأن الزمن قد تجمد واكتشف رأس نادل كحضور منحوت، بينما هو يميل نحوه "عيناه مثبتتان في سكون مطلق". 
   هكذا أصبح قادراً على توسيع أشكاله، لكنه وجد بأنها حين تصبح أطول فإنها تفقد الضخامة وتصبح أكثر نحافة حتماً. وبفضل هذه الأشكال الممدودة المنقطة مع الأقدام الثقيلة سرعان ما ارتقى منصة الشهرة.  تحسن وضعه المالي  على الرغم من أنه أصر على العيش في مشغله الخاص رافضاً  انخراط أنيت في رغبتها ببيت عادي. أصبح في صحبة العديد من الكتاب والفنانين المثيرين في باريس. شرب في المقاهي مع جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وذهب في وقت متأخر من الليل بخطوات كبيرة صامتة مع صاموئيل بيكيت، وأصبح زائراً معتاداً- مع أنه في غالب الأحيان نقدياً بالأحرى- لمشغل بيكاسو. العديد من هؤلاء الأصدقاء كتبوا عنه. وصف سارتر أشكاله بأنها " تتوسط بين الوجود والعدم". أغلب موديلاته   عانت طويلاً مثل دييغو وأنيت جنباً إلى جنب  مع نساء أخريات دخلن وذهبن كونهن مصدر إلهامه وعشيقاته. ثمّة اختلاف ملحوظ بين الرجال والنساء في منحوتاته. الرجل الأكثر شهرة من هذه الفترة هو "رجل يشير" التي نحتها عام 1947. حين لا يشيرون فإن رجاله يمشون. النساء يقفن عاريات على قواعد مصاغة من الأسفين أو ، كما في المنحوتة الرائعة عام 1950 "العربة"، تشرف على عجلات واسعة والأذرع ممتدة بفخامة.
بعد أن سأله جينيه لماذا عالج الأشكال الذكرية والأنثوية بشكل مختلف، اعترف جياكوميتي بأن النساء بدت بشكل طبيعي أكثر بعداً منه. حين كان مراهقاً فقد خصوبته بسبب إصابته بمرض النكاف. وجه اللوم في ما بعد بسبب المشاكل مع العجز الجنسي الذي عالجه بمعاشرة  المومسات اللاتي لم يخيبن أمله. وصفه للموديلات الأنثوية يميل إلى التصنيف على طول خطوط الإلهة الكلاسيكية/ الغانية. هناك الإلهة إيزابيل والغانية ريتا والعذراء فلورا.
مع أنيت نجح في تجاوز ذلك الانقسام. في سنواتهما الأولى معاً لم يوظفها كموديل مطلقاً. وما أن عاشا سوياً في باريس وبعد ان مرت السنون أصبحت موديلاً معتاداً مثل دييغو. كانت مطالبه من جلسائه كبيرة وتتطلب فترات طويلة من السكون لكنه يصر على أن يقدموا له حضوراً يقظاً مثله. وصرح:" لو بمستطاعي أن أبقي النظرة في العيون فإن كل شيء آخر يتبع". عيون وجوهه ترى. والتحديقة حاسمة حتى في اوجوه الأصغر للأشكال النحيفة التي غالباً ما تتشكل من الذاكرة.     
هذه منحوتات تتغير حين ننظر إليها بسبب نسبها الغريبة وكثافة تعبيراتها. وحسب ديفيد سلفلستر الناقد المختص والمتحمس لجياكوميتي " بينما أقف أنظر لنحت "النساء الواقفات" فإنه سيكون بعيداً كبعد شخص في الجانب الآخر من الطريق ثم فجأة يلوح فوقي". المنظور تغير بالنسبة لجياكوميتي أيضاً.  
وكان ذلك السبب في إعادته للعمل بشكل دائم وتكرار الأشكال نفسها فكان يرغب بالأفضل في فهم  الآخرين لرؤيته. كانت طبيعة الجص هي التي تجعل من النحت لا ينتهي أبداً. ثمّة حس بأن قطع جياكوميتي، إذا جرى قصها قليلاً، فإنها ربما تتجزأ إلى العدم وتغور مثل تلك الأقدام الواسعة داخل الأرض. غالباً ما يرجع إليها بعد 20 أو 30 سنة. وحين لا يعيد العمل بها فإنه يصنع نسخاً جديدة من النحوت نفسها. ما هو مثير في هذه الأشكال المتكررة هو التواضع الضمني في الكفاح. حتى في قمة نجاحه فإن  النحت  لم يشكل له مهنة فنية ،بقدر ما هي محاولة فاشلة لانهائية وحتمية للإمساك بالحياة التي تحوم على حافة الجنون الشديد. "حاول دائماً. وافشل لا يهم. حاول مرة أخرى. افشل مرة أخرى. افشل أفضل" كتب بيكيت الذي ربما كان الصديق الذي يمتلك رؤية عن العالم شبيهة وقريبة لرؤيته. أوضح جياكوميتي قائلاً:"لا أعمل كي أخلق لوحات أو منحوتة جميلة. فالفن ليس سوى وسيلة من وسائل الرؤية. لا يهم إلى ما أنظر إليه فإنه يدهشني ويروغ مني وأنا غير متأكد مما أرى". على الرغم من أنه صديق لبيكاسو إلا أن كليهما لا يرتاحان لعمل أحدهما الآخر. وجّه بيكاسو النقد إلى جياكوميتي لافتقاده المجال، وسخر من تكراره الدائم،  بينما  نبذ جياكوميتي بيكاسو بسبب خلقه  لديكور فحسب، ولم يكن مقتنعاً بضرورة رحلة البحث المبطنة.
إن محاولة عكس حقيقة الرؤية لم تنتج فحسب في الأشكال الممدودة التي اشتهر بها، ومعرض التيت سوف يعرض تنوعه ومجاله.هناك أكثر من 2000 رسمة ومطبوعة في الأرشيف، وحفنة من هذه سوف تكون في المعرض بضمنها بعض الصور التي رسمها بشكل عابث في الكتب مع بيرو، وأصبحت رسمته المفضلة التي أنجزها في سنوات ما بعد الحرب. ستكون هناك قناديل ومزهريات ولوحات ومجموعة كاملة من الأشكال المنحوتة – وكلها غير نحيفة. 
في سنواته الأخيرة ركز على الرسم وأنتج سلسلة من الصور الشخصية اللافتة للنظر والمدهشة لعشيقته الأخيرة، نجمة شابة  تدعو نفسها كارولين وعلى نحت تماثيل نصفية بنسب دقيقة معقولة. هناك ما يقارب 10 تماثيل نصفية لأنيت من منتصف الستينات وأخرى مدهشة لكارولين في عام 1965. في تلك النحوت تبدو كارولين وأنيت متشابهتين على نحو غريب. في كليهما الأكتاف والأجسام منمذجة بشكل مهمل كي تكون البؤرة على الوجه والطاقة في الفجوات التي نستطيع أن نميّز فيها العيون الغائرة فقط.  
تبدو المرأتان كما لو أنهما يمكن أن يكونا بالعمر نفسه على الرغم من أن الفرق بينهما كان عشرين عاماً؛ جبين كارولين أكثر تجعداً مما كان في الحياة. كلاهما تظهران منهكتين لأن من خاصية العيون المجوفة ربما أن تعكس أيضاً إرهاق الفنان نفسه. كان يعمل على أنيت النهار والليل كله. في كانون الثاني عام 1960 مات من مرض رأى الأطباء أنه بسبب سنوات الإرهاق في العمل. كثافة نظرة كارولين في النحوت وبالأخص في الرسوم تخلق تأثير لحظة سرمدية. كان هذا شيء جدّ جياكوميتي في طلبه كي يمسك به منذ تلك الرؤية خارج السينما بعد الحرب. وفي التماثيل النصفية الأخيرة لأنيت هناك مرونة تظهر النحات وكأنه يصيغها مع العرفان بالجميل. أعلن قبل بضع سنين:"لقد حطمتها" مع مزيج من الغضب والذنب. والآن يبدو أنه اعترف بأعباء الزواج لزوجته بينما اعترف أيضاً بقوة رابطة أبقتهما معاً على الرغم من اختلافاتهما في وجهة النظر وإخلاصه لعمله ولسلسلة من عشيقاته.  في التمثال النصفي التاسع عام 1964 ترتفع عينا أنيت مباشرة إلى سطح النحت وتواجه الناظر بتحديقة هي اتهامية وحساسة في الوقت نفسه. هنا يبدو جياكوميتي وقد تولى المسؤولية لكل من حبها وألمها وفي الوقت نفسه يمنحها الوقار الذي لا علاقة له به. قال بأنه في هذه المنحوتات لأنيتا كان يحاول أن "ينجح لمرة واحدة فقط في جعل الرأس مثل الرأس الذي أراه". يستمر معرض جياكوميتي في التيت مودرن من 10 آيار لغاية 10 أيلول
 
* مترجم من العراق. المصدر صحيفة "الغارديان" البريطانية