ممدوح عزام… الكتابة "عمن قتلتهم الحرب" في زمن الحرب

زينة شهلا*

هل من السهل الكتابة عن الحرب أثناء الحرب؟ هل يُشكل خيار كهذا نوعا من المواجهة الحقيقية مع أحداث يعيشها الكاتب ويرصد آثارها المدمرة روحيا وفكريا؟ أم أنها تكون محاولة لصد الحرب ونتائجها؟ أسئلة تتبادر إلى ذهن القارئ عند الانتهاء من آخر صفحات رواية «أرواح صخرات العسل» للكاتب السوري ممدوح عزام، التي صدرت منذ أشهر عن دار ممدوح عدوان ودار سرد للنشر والتوزيع.

الرواية، التي تتعقب حياة ومصائر ثلاثة شبان ـ عابد وحامد وخالد- يعيشون في محافظة السويداء جنوب سوريا وتنتهي حياتهم أثناء الحرب فيها بطرق مختلفة، هي السادسة للروائي الذي لم ينشر أي عمل خلال السنوات السبع الفائتة. ورغم طول هذه الفترة، يعود إلينا بعمل لا تغيب فيه مميزات كتابته، التي تتسم بالسرد والأفكار المكثفة، والتحليل الاجتماعي لبيئة السويداء ـ التي ينحدر منها عزام- بشكل خاص والبيئة السورية بشكل عام، وأيضا التقنيات الروائية عالية المستوى مع استعادة تفاصيل حياة الشبان الثلاثة، من خلال راويين يقصّان الأحداث على راوٍ يتولى هو إيصال الحكاية للقارئ، ويساعدانه على لملمة كافة التفاصيل المفقودة أو الغائبة.
ومع الرواة الثلاثة يكتمل أمامنا المشهد، فنعيش مع عابد وحامد وخالد طفولتهم البريئة، ومراهقتهم الطائشة، ومعاناتهم من أدوات التطويع والعنف السائدة في البلاد، خاصة في المنزل والمدرسة وحتى مكان العمل، وارتباطهم خلال كل تلك السنوات بصخرات العسل الموجودة على طرف القرية، التي كانت الملاذ الدائم لأسرارهم وأحاديثهم اليومية ولصرخاتهم التي تنادي «عاش الحب»، وصولا للحرب التي نضجوا خلالها، لكنها كانت حاسمة في تقرير مصائرهم، في بلد لم يعرف سوى الموت خلال أكثر من سبع سنوات.
وفي حوار مع «القدس العربي» داخل منزله في السويداء، يُفصح ممدوح عزام عن عمله على أكثر من رواية خلال السنوات الفائتة، بعضها لم يكتمل وبعضها جاهز للنشر، لكنه اختار نشر رواية «أرواح صخرات العسل» من بينها «لأنها الصوت الأكثر حزنا وتعبيرا عن اللحظة التي نمر بها، مع محاولتها تقصي جذور الموت والدمار والخراب الروحي الذي تغلغل في الروح السورية، خلال الزمن الماضي القصير الذي عاشه أبطال الرواية الثلاثة، والذين ماتوا لسبب أو آخر يتعلق بما يحدث في منطقتنا».
ويشبّه عزام روايته هذه بالمرثية، «وقد آلت الأمور في بلادنا إلى هذا الخراب العميم الذي شارك فيه الجميع بلا هوادة. فالحرب لا تقتل أولئك الذي يشتركون في القتال وحسب، أو أولئك الذين يشعلونها، أو أولئك الذين يصادف أن يموتوا في أرضها، بل تقتل أناسا بعيدين عنها، ولا يهتمون بها»، ويستشهد على فكرته هذه بأن الحرب جرّت الشبان الثلاثة أبطال الرواية إلى مصائر مأساوية، بدون أن تكون لهم أي علاقة بها، فلا هم ممن اشتغلوا في المنظمات الحزبية أو السياسية، وقلّما كانت تعنيهم الشعارات من أي جهة كانت، كما أن الحراك الذي اندلع في البلاد كان متركزا في جغرافيا مختلفة عن تلك التي يعيشون فيها، في إشارة لمحافظتي درعا والسويداء، حيث شهدت الأولى مظاهرات تبعتها أحداث أكثر عنفا ودموية من الثانية التي بقيت إلى حد ما بمنأى عن نيران الحرب.
في كتابة هذه الرواية، والكتابة بشكل عام في زمن الحرب، العديد من الصعوبات، كما يتحدث الروائي السوري. فالشبان الثلاثة رفضوا الانخراط في أعمال العنف والتسلط التي عمّت بلدتهم «المنارة»، وآثروا أن يسلكوا طريقا مستقلة تبحث عن العيش وحده، «وهذه هي الصعوبة الكبرى في الكتابة، أن نذهب للقول إن عددا من الناس يعتبرون العيش وحده هو المقدس، خاصة في ظروف حرب كارثية من طراز الحرب في سوريا».
صعوبة أخرى هي الدمار الروحي العميم الذي يتغلغل في أرواح البشر الذين يعيشون في أتون الحرب أو في ظلالها، والذي يترك أثرا عميقا في وجدان الروائي، وفي فكره وعقله وسلوكه، وفي محاولاته لصد الخراب ووقف التهدم النفسي والروحي والأخلاقي من حوله. 
ورغم أن الكاتب يعتـــبر بأنه لم يعش داخل الحرب فعليا، بل على هوامشها أو في أطرافها ومدارها، ولم يرَ في الواقع الكثير منها كحرب مباشرة، إلا أنه اضطر للنزوح من منزله في ريف السويداء هربا من شظايا القنابل والصواريخ، ليقيم مع زوجته في مدينة السويداء، ولتلحق بهما الشظايا النفسية والوجدانية التي تمتلك، وفق رأيه، قسوة المتفجرات وقدرتها على تدمير الروح. 
كما أنه كان شاهدا على تحوّل الحرب إلى لعنة يومية تختلس أمان البشر وطمأنينتهم، وتدمر ضمائر الكثيرين، وتشعل الجشع والأطماع، وتدفع الآلاف من الشبان الذين كانوا طيبين ومسالمين بالأمس، إلى العنف والرغبة في الربح المالي السريع، وتعاطي الممنوعات، وتجارة السلاح، وغياب رقابة الوجدان والضمير.
بذلك، تتحول الكتابة عن الحرب أثناء الحرب إلى مهمة كبيرة يقف الكاتب أمامها مترددا، فالكتابة كما يقول عزام «تعني أن يتخذ الكاتب موقف المتفرج، المشاهد والشاهد، وهي تجربة قاسية ومربكة أخلاقيا. فالكاتب مواطن أولا، وعليه أن يشترك بطريقة أخرى في صد الحرب ونتائجها، إذ أن مفعول الرواية متأخر وذو طيف واسع بعيد».
مهمة اختار الكاتب خوضها أملا منه بأن دور الكاتب والمثقف، ورغم انحساره وضعفه الكبيرين اليوم، إلا أنه لن ينتهي. هذا الأمل ليس مجرد إرادة شخصية نقررها لأنفسنا ونتبناها كما يقول الروائي، بل هو «شكل الوجود الإنساني، والالتزام به ضمانة شبه وحيدة للاستمرار والمتابعة بالنسبة للكائن الحي». 
فالحروب العديدة التي مرت بها البشرية لم تتمكن وفق رأي عزام من تحطيم هذا الأمل. فتولستوي كتب «الحرب والسلم» بعد حرب نابليون المدمرة، وشولوخوف كتب «الدون الهادئ» بعد الحرب الأهلية الروسية التي سحقت الملايين، والأفلام وكتب الشعر والمسرح صورت مختلف الحروب بأشكال شتى. «الأمل البشري باستعادة الحياة يعيد بناء ما تهدم، ويجدد الماضي، وينشئ ثقافات جديدة بعد الخراب»، يضيف عزام.
ولعلّ أبلغ دليل على هذا وفق رأيه هو استمرار طرح السؤال عن الوظيفة التي يضطلع بها الكاتب اليوم في سوريا، على الرغم مما يبدو من أن القرار هو للبندقية ولرجال السياسة والأمن ولتجار الأرواح. يعني ذلك بالنسبة للروائي أن «ثمة من ينتظر من هذا الكائن الذي يهمش اليوم، ويشتم ويندد به أحيانا أخرى من أقرانه ومن غير أقرانه، أن يقود حركات الأمل، سواء في الرواية أو الشعر أو المسرح أو الفلسفة أو في أي مجال من مجالات المعرفة".

* كاتبة من سورية، المقال عن " القدس العربي".