مملكة الرجل الوحيد

Printer-friendly versionSend to friend
محمد سهيل احمد*
 
بمفتاح بديل فتحت الباب فصرّ صريرا شرّخ صمت المكان .وجدتني بداخل الغرفة التي طالما ألفت وجودنا معا في الليالي الخاليات . ثمة على طاولة متقشرة السطح صينية كروم مستطيلة يتوسطها ابريق للشاي . رفعت غطاءه . ألفيته مترعا لحدّ الحافة بسائل كمد لونه . تبعثرت بجواره ثلاث ملاعق ووعاء سكر بلا غطاء وفتات خبز متعفن . 
.. ماذا لو ان الرجل لم يرحل بعد؟ ماذا لو عاد دونما توقع واكتشف امر الإقتحام ؟ شعرت بقلق خفي. لم اجد مناصا من ان أواصل زحفي بدأب نملة مصحوبا برغبة ذئبية حارقة في ان أم مهمتي المجردة من ايّما قدسية على أ وجه . كانت يدا مدير المدرسة خلف ظهري تدفعان بي الى الامام كلما تراجعت القهقرى. مؤكد ان هذه الفرصة لن تتكرر ابدا. قلما غادر رشوان ابو الفتوح غرفته. ما ان يؤوب من دوام المدرسة حتى يقفل الباب عليه فلا يخرج الا لأمر طارى كالذهاب لمسجد الواحة او ابتياع علبة سردين. كان الا ستثتاء الوحيد هو مساء كل خميس. كنا نلتقي في غرفتي او في غرفته هو ؛ نلعب الورق او نتنادم في حين يظل هو من دون بقية الشلة صامتا عدا عبارات مقتضبة يضطر لبثها من حين لآخر .. 
اغتنمت فرصة سفره بمناسبة الإجازة . بتأليب من مدير المدرسة ـ المولع بالمقالب وافتضاض الأسرار- عثرت على نفسي في غرفة رشوان الذي ترك من رائحته أثرا في كل ركن من اركان الغرفة .. على السرير؛ على الطاولة على الجدران التي توشك على ان تنطق بصور فتيات وقمم جبلية وسفوح ونمور متوثبة وأرى في اقفاص ؛ وبوسترات أفلام وصور مطربات ذائعات الصيت . على جلد ماعز جلسنا معا ولعبنا " الكارتة " وارتشفنا عشرات من اكواب الشاي  التهمنا الفول السوداني وسهرنا حتى الفجر. الحقيقة انني لم اطرح عليه ولو لمرة واحدة ما اضطرم بداخلي من تساؤلات، فيما اذا كانت الحكايات التي يرويها أبناء الواحة عنه صحيحة، او زائفة. بقي السؤال في ذهني حتى اللحظة الأخيرة عندما رحل متأبطا مصيره النهائي : فتاته التي اقترن بها مؤخرا والتي يحلو للبعض ان يغيظه بشأنها متسائلا فيما اذا كانت هبطت عليه من سماوات اعتكافه او وصلته عن طريق طرد بريدي ..ماذا عن الحكايات نفسها؟ يقولون ان قدرا كبيرا من رصانته كمعلم قد انحسر داخل الصف. صار يداعب بنات المدرسة فيسمح لأصابعه ان تقرص خدا متوردا . ويبدو ان جانبا من هذه القصص قد وصل لأسماع ذوي الطلبة من لدن اطراف عديدة . جاء آخرون وألقموا موقد الهمس بمزيد من الحطب، وتكهن من تكهن بأنه أصبح مصدر ضيق لسلطات الواحة لما يطرحه من آراء في اثناء خطب الجمعة. قال في احدى خطبه ( النارية ) بضرورة فصل البنات عن الأولاد في الصفوف المدرسية مما دفع بعض الأطراف للتكهن والريبة وهما دريئتا ابناء جلدتي تجاه كل وافد غريب. الإشاعة الأكثر إثارة للجدل انبثقت من مكتب بريد الواحة : 
- أقسم اغلظ الأيمان ان اكثر من عشرين رسالة قد مرت بين يدي . 
- رسائل فقط ؟ 
- مع صور وبطاقات بريدية . 
- كم واحدة بإلله عليك ؟ 
- عمليا انا غير قادر على ان اذكر احصائية دقيقة لعدد الرسائل فأنا اعمل بنظام المناوبة . 
 
وجدتني منطرحا تحت سريره الخشبي. عثرت على زوج أحذية في صندوق من الكارتون وعلبة تلميع وفرشاة. أدنيت مني حقيبة زرقاء كسيت بطبقة رمل مائل للاحمرار. فتحتها بأصابع مرتعدة : بضعة قمصان شتوية، سراويل داخلية ، صور ممثلات من شتى اصقاع الدنيا . لكن اين الرسائل ؟ راودني شعور بالإحباط واحساس بالإثم . كدت ان اعود أدراجي لولا ان تمسكت عادة الفضول بتلابيبي . عاودت إقترابي الحثيث مدركا ان عملية البحث ليست هينة على الإطلاق ،لا سيما وأن الرجل قد تمترس بصمت يفوق صمت "ابي الهول ". كنت ادرك انني انما اغرز ابرة في حاجز زجاجي صارم الصلادة. مضيت أجوس وأنقب. بعثرت ملابسه المكوّمة على رفوف دولابه. عدت للسرير. قلّبت حاشيته وهرست لدانة القطن بأصابعي . قلبت حواشي السجادة ولا من أثر. على السرير ارحت جسدي المتوتر. جعلت اتأمل السقف وخيوط العناكب ثم انقلبت على جنبي غارزا حدقتي في سجادة الحائط . هي اكبر مساحة من ان تصلح كسجادة لدرويش جوّال، وأصغر من ان تغطي بلاط " الزلّيج "الفسيفسائي الملون . انها تمثل فارسا تحفّ بوجهه غمامة قاتمة يمتطي حصانا يرفع قائمتين، ويتعكز على قائمتين. الفارس يسدد رمحا بإتجاه غزال نافر يعبر مرجا اخضر. أتكون الصورة تتنفس والرمح المنقذف قد انغرز بجسد الغزا لة  ليصيب منه مقتلا ؟ توقفت عند السجادة. داعبت بأصابعي القبة التي تتوسطها. انخسفت القبة قليلا ثم عادت لنتفتح ثانية. تأكد لي ان في الجدار كوة او شقا تنفذ منه الريح. خلعت السجادة لتهوي المسامير الأربعة مصلصلة. بدت لي في ذلك الصمت أشبه بدقات ناقوس بعيد، واذا بي المح باباَ حجبت السجادة جانبا آخر منه. زحزحت الدولاب بحذر. مددت يدي لأكرة الباب. أدرتها فانفتح دونما ابطاء. وجدت نفسي امام غرفة صغيرة هي اقرب في المساحة لمطبخ. 
.. الآن تتهاوى حصون اسرارك يا رشوان حصنا بعد حصن ! 
للمطبخ كوّة تشرف على حديقة البيت الخارجية . يبدو ان الكوّة لم تنفتح بشكل جيد اذ نفحت وجهي دفقة هواء بارد . 
هو ذا مخبأ الرجل الوحيد. هي ذي مملكته بأسرا رها . قبالتي منضدة كتابة وكرسي. 
ضعطت زر اباجورة كانت على المنضدة فإنهمر نور فاقع. قرأت على الدرج الأيمن كلمة ( الوارد ) وعلى الدرج الأيسر ( الصادر ). كلاهما مكتوب بقلم ( ماجيك ) . فتحت الدرج الأول . عثرت يدي على ملف اصفر وكمية من ورق الكاربون وسجل صغير، فضلا عن حفنة دبابيس وأظرف رسائل ودوى احبار وأقلام ملونة ومسطرة وختم يحمل اسمهــ قرأته بصعوبة بالغة ــ تناولت الملف. فضضته لأجد مجموعة من الرسائل مستنسخة كاربونيا رحت في لهفة اقرأ مطالعها : عزيزتي ليلى ، حبيبتي لطيفة ، الغالية فاطمة. هرعت للدرج الثاني . لقيت سجلا احمر الغلاف يضم رزمة اخرى من الرسائل ،كان من الواضح انها مرسلة لطرف رشوان. 
لم اكن في وضع يعينني على عدّها لكنني تخمينا قدّرت انها تجاوزت ثمانين رسالة . كان قسم منها مذيلا بتواقيع شتى او مختوما بورود او قلوب تخترقها سهام او عيون ملونة . قسم من الأوراق كان مضمخا بعطور نفّاذة. اما الأظرف فكانت تحمل اسماء من شتى بقاع الأرض : وهران، الفيوم ، القيروان ،بنغازي ، مليلة ،اشبيلية ، نابل ، تطاوين، طنجة ، الإسكندرية ، حلب ، بيروت .. 
هويت منهارا على الكرسي كي التقط انفاسي. اغمضت عينيّ لبعض الوقت . فيما انا على اهبة الوقوف من جديد ارتطم رأسي برف لم اكن أعيره اهتماما من قبل، ربما لإنزوائه ووقوعه في فسحة ترابية شوشاء. على الوجه الناتئء ترقد اضمامة اخرى من رسائل وأظرف محترقة الحواشي اكتشفت لفزعي ان ارضية الغرفة كانت مكدسة ايضا بتلال ورقية التمعت سطورها بكتابات وتواريخ ورسوم . ابصرت على الرف سجلا كتبت على غلافه عبارة (السجل العام ) . انه سجل انيق ، لو شئت الحق، فقد استخدم لهوامش الصفحات حبر احمر ،وللجداول حبر اسود بينما اختير اللون الأخضر للأسماء حسب الترتيب التالي : اسم المرسلة / بلدها / تاريخ الإرسال / تاريخ الوصول / تاريخ الرد /وتاريخ ارساله . قلبت صفحات السجل وهوحافل بأسماء فتيات ومرتب ترتيبا ابجديا و.. فجأة داهمني شعور بالغثيان أزاح فورا نزعة الفضول المتربعة على ارنبة انفي. لا ادري لماذا شعرت بأنني اتعفن في هذا الكهف، وإنني محاصر بركامات هائلة من الورق ستنقلب لا محالة الى انشوطات تلتف حول عنقي .. تكتم انفاسي. تضغط وتضغط حتى تجف آخر قطرة دم في شراييني وآخر حجيرة في اعصابي ومن ثم اجدني مجرد اسم في سجل انيق .. أجل مجرد اسم بداخل مربع تكتنفه هو بدوره هوامش وخطوط متعامدة او متقاطعة وخانات وجداول .. لم لا ؟ قد يخصص رشوان سجلا للمتطفلين ومقتحمي الشرنقات ! 
ما زال الغثيان يمسك عليّ انفاسي مختلطا بشعور آخر هو الرثاء تجاه الرجل " لا بد انه وحيد .. وحيد حتى النخاع ! " 
وأنا أسرع هارباً من مملكة الرجل السرية ألمح على الجدار كتابة بقلم الوان شمعي اسود تقول: 
ما أقسى العالم .. ربما لأننا نطلب أكثر مما ينبغي ! 
 
* أديب من العراق.