"موسم الحوريات" رواية لجمال ناجي.. تعتمد زوايا النظر

د. إبراهيم خليل*
 
بعد رواياته الطريق إلى بلحارث 1982، ووقت 1984، ومخلفات الزوابع الأخيرة 1988، والحياة على ذمة الموت 1993، وليلة الريش 2004، وعندما تشيخ الذئاب 2008، وغريب النهر2012، تصدر للكاتب الروائي المعروف جمال ناجي رواية جديدة بعنوان " موسم الحوريات ". والرواية التي صدرت عن دار بلومزبري Blooms Bury في لندن، ومؤسسة قطر للنشر في الدوحة (2015) تمثل لونا جديدًا، ونمطاً فريدًا، في كتابات هذا الأديب، الذي صدرت له، إلى جانب الروايات المذكورة، أربع مجموعات قصصية لفتت انتباه الدارسين، ونقاد الأدب، مثلما لفتتهم رواياته.
فهي رواية لا تروي حوادث عن غربة الشخوص، وهي تسعى من أجل التغلب على متطلبات العيش الكريم في المنفى، مثلما هي الحال في رواية " الطريق إلى بلحارث ". ولا تقف بنا إزاء إشكاليات الوضع السياسي والأمني، والاجتماعي، في الضفة الغربية قبل الاحتلال عام 1967 مثلما هي الحال في روايته " وقت ". ولا يتناول فيها مشكلات الصراع الطبقي في مجتمع غلبت عليه المضاربات العقارية، والمصرفية، وتجارة الأسهم، في حقبة الطفرة، مثلما هو الشأن في روايته " الحياة على ذمة الموت " أو " عندما تشيخ الذئاب ". ولا يكرر الوقوف عند مصائر عدد من الشخوص ينتمون لعائلة واحدة (أبو حلة) التي تتقاذفها رياح النكبة، فتفرق أفرادها في الأردن،وتركيا، ولبنان، وسورية، وغيرها من بقاع الأرض، ليلتقوا في آخر الأمر، ونهاية المطاف، عند دفن أحدهم(مصطفى أبو حلة) غربي النهر، بعد أن حال الاحتلال دون تنفيذ وصيته بدفنه في قريته العباسية التي أخرجته منها عصابات صهيون في  العام 1948.
فهذه الرواية - خلافًا لروايات كثيرة غيرها- تتناول أجواء الربيع العربي، وشيوع ظاهرة التطرف، والجهاديين، والسلفيّين. ويتنقل رواتها، وشخوصُها، في فضاءات متشابكة، ومتشعبة، ومتباعدة، ومتكررة: في عمان، وأفعانستان، وسورية، وتركيا، وباريس، والهند، وغيرها من محطات امتد إليها رذاذ العنف، والقتل، وإراقة الدماء بالعربات المفخّخة، والأحزمة الناسفة.
 
أول الغيث
تبدأ رواية" موسم الحوريات" بداية مثيرة تحثُّ القارئ على متابعة الحوادث بشغف، كون البداية تتضمن نبوءة من العرافة المغربية (عروب) التي تتنبأ لفواز باشا الشرداح في ليلة عيد ميلاده الستين بنهاية مأساوية قريبة على يدي ابنه الوحيد الذي يجهلُ وجوده. وأن هذه التراجيديا تبلغ مشهدها الختامي في عامه الحالي هذا. وأن أحدًا لا يستطيع تغيير ما قضت به الأقدار، إلا الحكيم الهندي هارشيا الذي يؤكد بدوره لفواز باشا ومدير علاقاته العامة ساري أبو أمينة نفاذ النبوءة، كون السماء في هذا العام عدلت عن سياساتها القائمة على التخفيف عن بني البشر، في الديار التي نسميها جوازا بالشرق الأوسط،  وانتهجت سياسة أخرى، فدولاب الموت بدأ بالدوران ولن يتوقف. من أجل هذا يقرر فواز باشا الاستعانة بمدير علاقاته للبحث عن الابن المزعوم، والخلاص منه تلافيا لتحقيق ما تنبأت به المغربية عروب.
تذكرنا هذه النبوءة بمأساة الملك أوديب. 
ففي الأسطورة الإغريقية ثمة نبوءَة، وثمة ابن، وهما متشابهان، فوفقا للأسطورة يسعى الابن لقتل أبيه الملك لايوس، والزواج من أمه جوكاستا، ليغدو وريثا للعرش، لكن الأسطورة تمنح الملك الأب هامشا واسعا يتيح له التخلص من غريمه المنتظر، لكون الأم معروفة، والابن المنتظر سيكون معروفا تبعا لذلك، وعليه يمكن أن يتجنب الملك لايوس النهاية التعسة بالامتناع عن معاشرة جوكاستا، أو بقتل المواليد الذين تنجبهم زوجته تباعا، غير أنّ الابن المنذور لهذه المهمة نجا من القتل لظروف لا متسع لذكرها ها هنا، إذ قدمه الراعي الذي كلف بقتله هدية لملكي كورنثة، فشبّ فيها وكبر، ونفذ أوامر القدر، في حين أن نبوءة عروب التي أكد صدقها هارشيا الحكيم، زاعمًا ألا سبيل للفرار من هذا المقدور، على الرغم من أن الباشا لا يعرف ابنا له من بني الناس، وزوجته سماح شحادة لا تنجب أطفالا، فقد أثبتت التحاليل الطبية أنها عاقر، وتبعا لذلك، فإن الاحتمال الوحيد لنفاذ هذه النبوءة أن تكون إحدى النساء، ممن أقام الباشا علاقة حب بهن، قد أنجبت منه وليدا غير شرعي، وأن هذا الوليد غير الشرعي هو الذي سينفذ النبوءة، وأن القدر أسند إليه دورًا في تراجيديا الحياة يشبه دوْر أوديب.
 
ثلاثون عاما
يتذكَّر فواز باشا أنه قبل ثلاثين عاما زار باريس، وبرفقته موظفة من موظفات إحدى شركاته (مالكو) التي لم تعد موجودة، واسمها منتهى الراية، وأنه في الأثناء راود الفتاة البكر عن نفسها، واستجابت طمعا في المال، والحظوة، وانتهت علاقته بها بعد عودتهما من باريس، ولكنه لا يعرف إنْ كانت تلك الفتاة قد أدركها ما يدرك الحوامل، فأنجبت منه مولودا ذكرا غير شرعي، هو الذي يعزو إليه القدر القيام بهذه المهمة. ولذا يستدعي الأمر البحث، والتدقيق، ولا يستطيع القيام بهذا إلا مدير علاقاته ساري أبو أمينة، الذي استطاع بما يتصف به من عقلية مباحثية التوصل إلى تلك الفتاة.
 
منتهى الراية
كانت منتهى الراية قد تركت العمل في شركة (مالكو) بعد العودة من باريس، وبعد أن تنكر لها الباشا تنكرا لا يخلو من نذالة، وخسَّةٍ، ينمّان عن سوء في الطبع. وقد تقدم لها أحد الشبان ( نبيل) خاطبًا بعد أقل من شهرين، ولم يكن يخفى عليها ما تركته لديها علاقتها بالباشا في ذلك الفندق الباريسي، وما هي إلا أسابيع حتى أدركت العروس أن الجنين قارب أن يكون في شهره الثالث. وتجنبًا للفضيحة تحاول إسقاطه، بيد أن الأطباء الذين ترددت إليهم امتنعوا عن إجراء عملية إجهاض، وأبوا ذلك لأسباب عدة، منها أن الإجهاض من الكبائر، ومنها أن القانون يعاقب من يقوم بعمليات كهذه عقابا شديدا قد يصل حد منع الطبيب من مزاولة مهنة الطب. وقد نصحتها أمها بعد أن يئست من المحاولات أن تحتفظ بالجنين، وأن تدعي عند الولادة بأنه سُباعي. وقد انطلت هذه الحيلة على الزوج لما عُرف عنه من الغفلة، وحسن النية.
 
وليد والتديُّن
وقدْ استخرج ساري من ملف الذاكرة أخبارا كثيرة، وتفاصيل أكثر، عن الطفل الذي سمي وليدا. فوالده نبيل توفي، أما هو، ففي مقتبل العمر جنح إلى التديُّن. واعتاد استعمال المسواك باستمرار في ما يشبه التظاهر بتطبيق السُنن. وارتدى دشداشة قصيرة متجنبا إطالة الرداء منعا للخيلاء مثلما ينحو السلفيون. وأطلق ذقنًا كثة تمتد من أذنية حتى صدره. وحاول أن يفرض على أمه منتهى ارتداءَ النقاب، فلم يستطعْ، وإن كانت تتقبّل ارتداء الحجاب. وعلى نحو مباغت، ومفاجئ، اختفى وليد، وافتقدته منتهى طويلا قبل أن تصلها الأخبار بأنه انضم للمجاهدين في أفغانستان، وأنه اتخذ لنفسه اسمًا حركيًا هو شرحبيل تيمنًا بأحد القادة الإسلاميّين: شرحبيل بن حسنة، أما قائد الفصيل الجهادي الذي ينضوي فيه، فاسمه أبو حذيفة. 
وقد كشفتْ المعلومات التي جمعها ساري أبو أمينة عن وليد من مصادر عديدة أن لوليد صديقا جهاديًا من الأردن (ضرار الغوري) وأنّه عاد من أفغانستان إلى قريته في الأغوار، وأنه اسْتُدعيَ للتحقيق. ولم يهدأ ساري حتى التقاه، وعرض عليه مبلغا كبيرًا من المال مقابل العودة إلى حيث وليد مع المجاهدين، والقيام بتصفيته. ووعده بمبلغ آخر بعد إتمام المهمَّة. وقد ذلل ساري لضرار العقبات، والعراقيل، التي تحول دون سفره إلى سورية عن طريق الوُسطاء، ومعارفه من المُخْبرين، والمحققين، ورجال الأمن، وشرطة مكافحة الإرْهاب. بيد أن ضرارًا، الذي أرسل لساري صورة عن طريق الهاتف المحمول لسيارة جرى تفجيرها مدعيًا أنَّ وليدا قتل فيمن قتل فيها من جهاديّين، سرعان ما تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة، قام بها عميل سوري ( ياسين) استأجره ساري للتخلص من ضرار بعد التخلص من وليد – وفقاً لرسالة ضرار المذكورة-  لإخفاء آثار الجريمة. وقد ألقيَ القبض على ياسين، واعترفَ بتلقيه مبلغًا من المال، مقابل الذهاب من مخيم الزعتري إلى الغوطة لاغتيال ضرار. وبعد إعدام ياسين، ودفْنه، وبعد أن اكتشف ضرار ما يدبِّره لهُ ساري، قرر العودة، وفي نيته الانتقام منه. والطريقة الوحيدة لهذا هي تلك الطريقة التي يلجأ إليها الجهاديون للتخلص من خصومهم: عبوة ناسفة، أو حزام ناسف، أو سيارة مُفخَّخة. أما ضرار فاختار الطريقة الأولى، فزرع عبوة ناسفة في طريق سيارة ساري التي لا بد عند مغادرتها قصر الباشا من المرور فيها، ثم اختبأ بين الأشجار، وبيده جهاز للتفجير عن بُعْد، وما هي إلا دقائق حتى كانت سيارة ساري ذات الدفع الرباعي تتطاير. وتشاء الصدف أن يكون الباشا نفسه إلى جواره. مُزق الرجلان تمزيقا، ولكنهما لم يقتلا، ولم تفارق الروح الجسد، وعلى الفور أرْسِل الباشا إلى أحد مستشفيات باريس لترميم جسده.
 
حبكة فرعية
مقابل هذه الحبكة الرئيسة في الرواية ثمة حبْكة أخرى فرعيّة أقلّ أهمية، وأقل أثرا في دفع الأحداث، فقد اختلت سماح شحادة- زوجة فواز باشا - بالعرافة المغربية (عروب) ليلة الاحتفال بعيد ميلاد  الباشا الستين، وذكرت لها أنها رأت في منامها جدارًا ينشقُّ، وتخرجُ منه قطة رمادية تنفض رأسها، فأخبرتها أن تأويل هذه الرؤيا هو عودة القطة إلى الحياة، أي أنّ سرًا ما سوف يُعلن قريبًا، وأن هذا السر يوضّح بالكشف عنه إلى أي مدى ظلت مخدوعة بهذا الذي هو فواز باشا. وقد ظلتْ تحاول معرفة ما يشغل الباشا، وأن تكتنه علاقته غير البريئة بساري، ورحلتهما معا للهند، وعلاقة ذلك كله بمنتهى الراية، وبرشا زوجة ساري، ولكن دونما فائدة. وأخيرًا، وبعد تفجير السيارة بالرجلين، والإعلان عن خفايا الحادث، وظروفه، اتضح لها أن فوازا كانتْ له علاقات جنسية بمنتهى، وربما بغيرها، وأنه قد لا يكون له ابن واحد منها غير شرعي، بل أولاد كثيرون، منها ومن أخريات، فيا لهُ من مخادع! " فواز كان دونجوانا لم يكتف بترويض النساءومضاجعتهن، إنما أنجب ابن زنا من إحداهن. وقد يكون لديه الكثير من أبناء الزنا والله أعلم."
ومع هذا كله تساورها الظنون بأن حكاية عروب أصلا كذبة كبيرة من الألف للياء، وأن والدها شحادة باشا قد يكون هو الذي اخترع هذه الأكذوبة، وأن عروبًا، وهشيار الحكيم، لم يكونا سوى أداتين مثلَ ساري. 
 
زوايا النظر
ويبدو لنا أنّ الكاتب، بعد تجارب روائية متعددة، يأنسُ، ويطمئن لبنية سردية تعتمد ما يعرف بتعدّد الأصوات، أو رواية زوايا النظر Point of View فقد لجأ إلى هذا في روايته عندما تشيخ الذئاب(2008) وفي روايته غريب النهر (2012) وها هو ذا يعود لاستخدام هذا النوع من السرد في "موسم الحوريات". فالشخصيات تتعاقبُ على أداء دور السارد، في الوقت الذي تؤدي فيه دورها من حيث هي شخصية روائية لها وظيفتها في الحوادث. ومن الشخصيات التي تضطلع بهذه الوظيفة المزدوجة: ساري أبو أمينة. ولعله من أبرز الشخصيات في أداء هذا الدور المركب، كونه- أولا - هو الذي يفضي إلينا مراراً بما قام به الباشا من أفعال، وما صدر عنه من أقوال، وما يساروه من أفكار، ويتردد في داخله من هواجس، وهو- ثانيا - الذي يقوم بالتحري، والبحث، وبيده المفاتيح التي تؤدي إلى تحريك السرد، والانتقال به من متوالية سردية لأخرى. وقد اتصف أبو أمينة هذا بصفات أضفاها عليه الكاتب تؤهله لأداء هذين الدورين معًا، فإلى جانب أنه مقرب جدًا للباشا، ويكاد يكون المؤتمن الوحيد على أسراره، ذو طبيعة صفيقة، إذ لا يحرجه أن يتدخَّل بطريقة مخجلة في خصوصيات الآخرين، أو أنْ ينتدبه الباشا للقيام بمهمات قذرة، والتستر على ما يتعاطاهُ الباشا من ممارسات غير أخلاقية، سواءٌ على مستوى الاقتصاد، والصفقات، أو على مستوى العلاقات النسائية، أو حتى علاقاته بالناس. وقد اتكأ الكاتبُ على شخصية أخرى فيها بعض ما في ساري، وهي شخصية القنفذ. وهذا اللقب، الذي عُرف به أحد الموظفين، اسم على مسماه، كونه يؤذي أكثر مما ينفع، فالمواقف التي ظهر فيها لا يُعرف منها إلا أنه مؤذٍ للآخرين، وقد كان أذاؤه منْ حظ منتهى. 
ومن الشخصيات التي تضطلع بوظيفة مزدوجة أيضًا شخصية منتهى، وسماح شحادة، ورشا، زوجة ساري، وضرار الغوري. بيْد أن هؤلاء جميعا في حكايتهم، وروايتهم للحوادث التي كانوا قد تورطوا في بعضها تورطا غير مباشر، كتورط الباشا، أو تورط ساري، متفاوتو الحضور. وتبدو شخصية سماح أكثر حضورًا، وحضورها لافت للنظر لا بسبب مكانتها من الباشا، أو من أبيها شحادة، ولا من حيث علاقتها الفاترة برشا، أو اتصالاتها المتكررة بمنتهى، وإنما لكثرة ما تبديه من إلحاح- أولا- لمعرفة مغزى الرؤيا التي رأتها في المنام، وما قالته عروب، وثانيا لمعرفة الأسرار التي تحيط بالباشا وساري مما له علاقة وثيقة بما قالته العرافة ليلة الاحتفال بعيد ميلاده الستين. فظهورها من حين لآخر، وإثارة الموضوع مرارا، وإصرارها الشديد على معرفة ما يدور في الخفاء بين الباشا وساري ومنتهى، يشحذ البعد التشويقي للرواية، ويضع القارئ المتابع للحوادث أمام سؤال يتوق للإجابة عنه، وهو ما مصير الباشا في الرواية، وما مصير ساري، وما مصير وليد، ومنتهى؟ وهذه الملاحظة تنبّهنا في الواقع على (تكنيك) سردي يعتمده جمال ناجي، وهو وضعُ المتلقي، أو القارئ الضمني، داخل المقام السردي بما فيه من شخوص. فكلما اختلف الصوت استثير فضول القارئ لمعرفة ما الذي يضيفه السارد لما سبق، أو ما الذي يستخرجه من عتمة الخفاء إلى ضوء العَلَن، أو ما الذي يقوله في تفسيره ما حدث. وهذا شيءٌ يختصر المَسافة- إذا جاز التعبير - بين الكاتب والقارئ.
ومن الشخصيّات التي تؤدي مثل هذا الدور المركب أبو حذيفة، وضرار الغوري، وهما لا يظهران إلا عندما يقترب السارد من وليد ( شرحبيل) وأمه منتهى. فعن طريق الأول (أبو حذيفة) يتلقى القارئ بعض ما يختص بوليد في جهاده، وما يذكره من أخبار عن الغزوات، وعن القتال مع المشركين، وعمن استشهد من المجاهدين، ومن الذي أبلى بلاء أحسن من بلاء غيره، ومن ضرار الغوري يستقبل القارئ بعض ما يتعلق بوليد (شرحبيل) وياسين، وساري، وحتى منتهى الراية. واللافت للنظر أنَّ الكاتب أظهر في تصويره لشخصيتي ضرار الغوري، و أبي حذيفة، شيئا من عدم الارتياح لمثل هذه الشخصيات بصفة عامة، فهو يرسم لها وجوهًا كاريكاتيرية، لا تخلو من سخرية، وهذا السخرية تتجاوزُ المظهر العام للشخصيَّة إلى الحوار، والكلمات، وحتى ما يدور في رؤوس الشخصيات من أفكار، سواء عن الواقع، أو عن الحوريات اللائي ينتظرن المجاهدين بفروغ صبْر في الفردوس. وقد يستوقف المتلقي شيءٌ آخر، وهو عزوف الكاتب عن منح الشخصيتين الرئيستين: الباشا، ووليد، فرصتين مماثلتين، أو فُرَصًا، ليؤدي كل منهما دورًا مركبًا كالذي أداهُ ضرار، أو أبو حذيفة، أو ساري، أو منتهى، وعلى غير العادة أقصاهما المؤلف، وجعلهما موضوعًا يدور حوله الحديث، والحوار، وتروي أخبارهما المتتاليات السردية، وتصفهما المشاهدُ الوصفية، وتسخر منهما كلماتُ الراوي الضمْني. ولا ريب في أن لهذا دلالته التي لا يتوصل لها القارئ بغير التأويل، فمن ناحية يمكن القول: إن المؤلف يعدُّ هاتين الشخصيتين، بالرغم من اختلافهما الشديد كاختلاف السواد عن البياض، شخصيتين هامشيَّتيْن، ولا قيمة لهما، ومع ذلك يحتلان بؤرة الاهتمام لدى كلِّ سارد ممن تعاقبوا على رواية الحوادث. ومن ناحية أخْرى، قد يكون اقصاؤهما دليلا، لا على هامشيتهما، وأنهما لا تتمتعان بأي قيمة على المستوى الإنساني، والاجتماعي، وإنما هو دليل على انشغال الوعي السائد بهما انشغالا لا يخلو من تبايُن، وتناقض، يؤدي لشيوع الصراعات، والتناقضات، التي تفضي لمزيد من التناحُر، وإراقة الدماء، والموْت.
علاوة على ما سبق يحسّ قارئ هذه الرواية إحْساسًا كبيرًا بما في إيقاع الحوادث من أناةٍ، وتؤَدَةٍ، وبُطء يكاد يكون ثقيلا على من يرغب في قراءة الرواية بأسرع ما يمكن من الزَمَن، وأقلّ ما يمكن من الوقت، ونحن نرى في ذلك مسوّغًا لأن الحوادث في الرواية تقوم على حبكة تتطلب مثل هذا الإيقاع البطيء، المتئد، المتأني، فالتحري، والبحث عن شخصية الأم منتهى أولا، ثم عن الابن وليد ثانيا، يتطلَّب الكثير من المحاولات التي ينتابها النجاح تارة، والإخفاق الذريع تارة، والمراجعة من حين لآخر، والتدقيق في المعلومات، والملفات، وقد استطاع الكاتب إدارة هذه العملية باقتدار لا يُنكر، غير أنه يحاول من حين لآخر تجنُّب الإيقاع البطيء عن طريق الاخْتصار، والإضْمار، وحذف التفاصيل غير الضرورية، تشهد على ذلك تلك التحوُّلات التي ألمّ بها السارد (منتهى) وهي الأم، بخصوص وليد وهو الابن، فقد ذكرت في صفحاتٍ قليلة جدًا من ص94- 97 ما طرأ عليه من تغيير، وما طرأ أيضا من  تغيير على أبيه نبيل، في إيقاع سريع لا يتَّسق مع التسلسل المهيْمن على الأحداث. ولو أن الكاتب حريصٌ على الإيقاع  البطيء لكان بمقدوره أن يلقي الضوء على هذه التحولات بالكثير من الفصول أسوة بما أبداه من تفاصيل عند ذكرهِ لاحتفال الباشا بعيد ميلاده.
وأياً ما كان الأمرُ، فإن الرواية بتوجُّهها الجديد هذا، نحو إلقاء الضوء على أصداءِ الربيع العربي، وما طغى على  المشهد السياسي، والأمْني، من توجُّهات خطرة، ورؤى مكفهرّة ، وكدِرَة، تلقي بالظلال السود على الحاضر، والمستقبل المنذور للصراعات الطائفية، والمذهبية الدينية، وما اتبعه الكاتب فيها من بناء سردي يقوم على (تكنيك) زوايا النظر، بتعدد الأصوات، التي يتعاقب أصحابها على موقع السارد، وما غلبَ عليها من تشويق، رواية جيّدة تضيف لبنة أخرى لمشروع الكاتب الروائي.  
 
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن.