ناظم حكمـت بـيـن الـشّـعـْر والـسّجْـن والمـنـفى

د.عـبـد القـادر حسين ياسين*

 

ناظم حكمت  هو الشاعر الثائر الذي اجتمعت فيه كل هذه الصفات ، وبها واجه الحياة وتقـلباتها... وهو المولود في أسرة أرستقـراطية عام 1902. فقد كان أبوه ـ حكمت ناظم باشا ـ مديراً للمطبوعات، ثم قـنصلاً في وزارة الخارجية العـثمانية في هامبورغ ، وكان جـده ناظم باشا أحد الولاة الأتراك. 
وكانت والدته عايشة جليل خانم رسامة مشهورة ، وإحدى نساء المجتمع التركي الجليلات.. 
في هذا الجـو الأسري قـدّر له أن يحيا التحولات السياسية والاجتماعـية.‏ 

 

التحق ناظم حكمـت بمدرسة بولو الابتدائية وفيها عرف حقـيقة الحياة في  الأناضول، وأوضاع أهلها ومعاناة الفلاّحين وشقاءهم.. 
وفيها تعرف إلى صديق حميم وهو فالا نور الدين ، الذي منحه معرفة وإطلاعاً على واقع الناس ، 
والحياة الشعبية القاسية في هذا الإقليم. 
وهنا انضم مع فالا إلى جماعة السبارتاكيين الأتراك، التي تألفـت مع بداية الحرب العالمية الأولى، 
بتأثير الديموقراطيين والاشتراكيين اليساريين الألمان، كارل ليبكنشـت وروزا لوكسمبورغ ، وهم أحد أهم روافـد الاشتراكية التركية. 
ثم ما لبث هؤلاء السبارتاكيون الأتراك أن التقـوا مع الماركسيين ، ليؤسسوا معاَ الحزب الشـيوعي التركي..‏ 

في عـام 1919 الـتحق ناظم حكمـت بالمدرسة الثانوية في اسطنبول ، ومنها إلى المدرسة البحرية ، لكنه ما لبث أن فـصل بسبب نشاطه السياسي..‏ 

ومنذ ذلك الوقت أخذ ناظم ينشط في هذا المجال ، فـنـشر قـصائده الثورية الهادفة التي تندد بالوضع القائم، والتي يصف حالة الوطن بعد سقوط مدينتي أورفة وبورصة، فانطلق صوته يشكو المظالم بصبر وأناة وينتظر الفرج من دون تعجل، وانداح صوته على أرض تركيا يوقـظ عصراً جديداً..‏ 

 

هـنا قـرر  ناظم حكمـت ترك منزل والده والالتحاق بجبهة الحرب ضد الحلفاء بقيادة أتاتورك، 
فكتب رسالة إلى والده يعلّمه فيها بالتحاقه بالنضال، تركها على المنضدة في غرفـته بقصر والده ، وغادر مع زميله فالا نور الدين إلى جبهة القتال.

 

وبعد عـودته من الحرب منحه مصطفى كمال أتاتورك بعـثة دراسية إلى موسكو، لدراسة علم الاجتماع في جامعة كوتييف حتى عام 1924، عاد بعدها إلى اسطنبول بعد إعلان الجمهورية في تركيا.‏ 
في موسكو تأثر ناظم حكمـت بالشعر الروسي (اشعار ماياكوفسكي، ويسينين)، وتفهم الماركسية والفكر الثوري، فانتسب إلى الحزب الشيوعي التركي، ودخل السجن فوراً بتهمة نشر ديوان شعر ثوري، وحكم عليه بخمسة عشر عاماً أمضى منها فترة بسيطة ثم فـرّ من السجن بمساعـدة رفاقه.. 

 

وهـنا دخلـت حياة ناظم حكمـت في دوامة القلق ، واتسمـت بثلاثية متناغمة هي: الشعر والسجن والمنفى، وظل أسير هذه الثلاثية حتى النهاية... 
وراح يكتب المقالات باسم أورخان سليم، وعمل خـفـية في المطابع والصحـف ، بعـيداً عن أعـين السلطة، لكسب لقـمة عيشه... 
ثم عمل في ترجمة الأفلام السينمائية في استوديو للأفلام، وكان بعـمـله هذا يقاوم النص الفاشي ،
وكل ما يسيء للشعب أو يشوش فهم الناس..‏ 

 

في العام 1925 صدر الحكم عليه ، وأحكمت الشرطة عليه الحصار ، فـفـرّ إلى موسكو ومنها انـتـقـل إلى باكو في أذربيجان ،
وبقي فيها حتى نهاية عام 1928، عاد بعدها إلى بلاده ليتابع نشاطه السياسي، ثم أصدر ديوانه الأول الشهير" 835 سطراً" ،  ثم "ملحمة الجوكندة وسيـاو" التي حكى فيها قصة صديقه الصيني سياو صن ، الذي التقاه في جامعة موسكو وقاسمه حب أنوشكا.. 

 

بعد عام من رجوعه إلى بلاده ـ الصين ـ سمع ناظم أنه قـتـل على الحـدود ، لنشاطه السياسي المعادي لحكومة شـيـانغ كاي تشيك ، مما دفعه إلى الكتابة عن نضال شعوب آسيا، وتابع ناظم الكتابة عن مناضلي آسيا وإفريقيا ، والـدعـوة إلى رصّ الصفوف والخنادق ضد زحف الإمبريالية ،
والتبشير بمستقبل مشرق لكل شعوب الأرض.... 
 
 ودافع ناظم حكمت عن صمود ثوار مدريد في قـصيدته "عـنـد أبواب مدريد" ، وكشف عن عـسف وبطش الدكتاتور فـرانكو بعـد استيلائه على المدينة. 
بعد عام 1938 بدأت مرحلة جديدة في حياة ناظم حكمت، فقد ألقي القبض عليه في 23 آذار 1930 وأودع السجن، وقـدم إلى محكمة الأمن العسكري التي حكمت عليه، بتهمة نشر دعاية وأفكار معادية، بالسجن ثمانية وعشرين عاماً، بعد أن اعـترف أمامها بأنه شـيوعي ،ومعاد للنظام الدكتاتوري .
ونظراً لأن الدستور التركي حـدد أعلى فترة للسجن ، فـقـد أمضى من حكمه ثلاثة عشر عاماً في السجن ، وكانت أخصب فـترة لإنتاجه الأدبي والسياسي ، وأكثرها اختماراً للأفكار والإبداع تمترس فيه بكل وسائله الأدبية. 

 

كتب ناظم في السجن عدة أعمال منها "حرب الاستقلال التركية"، وصف فيها الأبطال المجهولين في هذه الحرب ،

في عام 1950 خرج ناظم من السجن ، وفـرّ إلى موسكو عن طريق بلغاريا، وهناك أقام ثلاثة عشر عاماً متتالية ،وأتيح له التنقـل بين عـواصم عـديدة، 

 

 وفي أثناء العدوان الثلاثي على مصر كتب قـصيدته "بورسعـيد"،  التي صـَوَّر فيها الجندي المقاتل المجهول ابن الشعب المصري منصور. 
 
وكتب عـنه   جان بول سارتر ذات مرة يقول: 
"كم أود أن أذكر بعظمة هـذا الرجل وقدرته التي لا تُحدّ، عـرفـته مريضاً وأذهـلتني رغـبـته في الحياة وإرادته في الصمود، 
هذا الرجل الذي نجح أخيراً في الإفلات من الموت ،ومن التهديد باغـتياله...
لم يسترح في أواخر حياته كما يودّ أن يفعـل كثير من الناس،
بل كان يدرك أن شيئاً ما لم ينته ، وأن عـليه مواصلة الكفاح بعنف ،
ضد العـدو في الخارج وكذلك الرفق بأصدقائه وأخطارهم في الداخل،
في اللحظات التي كان يناضل فيها من أجل السلام ضد الإمبريالية والفاشية"..

 

كان ناظم يؤمن بأنه يجب إعادة صياغة الإنسان وإصلاح النفـس ، إلى جانب محاربة العـدو ، فـلم يغـفـل ، ولم يـنـم ، والواقع أن الموت كان نومه الأرحب والأخير، 
غير أن أعمال الرجل الذي ظل ساهـراً دائماً، تأخذ مكانه وتسهر بعـده ...
لقد اعتمل في وجدان ناظم حكمت كل ما يدور في عالمنا ، من مآس وما يزخر به من ثورات. 

استنشق أنفاس البشر في قاراتهم وتعهد برفع أصواتهم، ورفع راية الكفاح الدائم من أجل الحرية والاشتراكية ، حتى فاضت روحه في الثالث من تموز من عام 1963، تاركاً لقرائه تراثاً أثيراً وإنسانياً خلّد ذكراه إلى الأبد.. 

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.