ندوة في الدار البيضاء حول رواية ومئوية كاتب براغوائي بارز

Printer-friendly versionSend to friend
رضوان متوكل*
 
رواية" أنا، الأعلى" لروا باسطوس، أكبر من أن تكون رواية تاريخية، بل هي وثيقة تاريخية وقصيدة نثرية وحكاية شفهية وممارسة لغوية ومقال اجتماعي، إنها كل ذلك مجتمعا في نص واحد لا يمكن فصله، إنها نص شامل ذو تنوع ثقافي ولغوي، وباختصار هي ساعة من الخيال المحض.
نظم مختبر السرديات والخطابات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، يوم الثلاثاء 13 يونيو 2017، بقاعة الندوات عبد الواحد خيري، لقاءً ثقافيا انصب حول أيقونة الأدب الأميركي لاتيني، الروائي البراغوائي أوغسطو روا باسطوس.
افتتحت د.عائشة المعطي (أستاذة الأدب الإسباني) هذه الجلسة، بالإشارة إلى سياق اللقاء الذي يتزامن مع الذكرى المئوية لميلاد الكاتب روا باسطوس، إذ تم ويتم الاحتفال في هذه السنة ، في دول شتى من قبيل بلده الأصلي الباراغواي و كل من إسبانيا وفرنسا والبرتغال وصربيا واليابان، وأشارت أن المغرب من خلال مختبر السرديات والخطابات الثقافية بالدار البيضاء، ينفرد عربيا وإفريقيا بهذا الاحتفال الثقافي والرمزي، الذي يتوخى مقاربة روايته الشهيرة " أنا، الأعلى". 
  بعد هذا التمهيد، تم عرض شريط أول، عبارة عن رسالة مقتضبة خصّت به ابنة الكاتب السيدة ميرتا روا ماسيشيروني مختبر السرديات، عبّرت فيها الابنة عن امتنانها وتقديرها الكبيرين  للمختبر العتيد والمشرفين عليه، وإلى القائمين على كلية الآداب بنمسيك بكازابلانكا، وأبدت سعادتها وحبورها بهذا النشاط الذي يتناول بالدراسة والتحليل والتعريف بشخصية والدها الكاتب والمبدع.
الشريط الثاني تضمن كلمة بالمناسبة من سفير الباراغواي بالمغرب، وجّه الشكر لمختبر السرديات ولكلية بنمسيك لتخليدهما للذكرى المئوية لميلاد الكاتب روا باسطوس، وقدم نبذة عن حياة هذا المبدع، معتبرا أن ما يميز باسطوس رغم وفاته سنة 2005، هو استمرارية حياته  بشكل متصاعد في عدد من دول العالم .
محاضرة الأكاديمية عائشة المعطي، التي اختارت لها عنوان " سلطة الكلمة في رواية "أنا، الأعلى"، استهلتها بالحديث عن أدب أميركا اللاتينية، والذي هو في الحقيقة آداب مختلفة تخص أكثر من عشرين دولة، إلا أن القاسم المشترك الذي يجمعها هو الاستعمار الإسباني الذي تعرضت له كل تلك البلدان. وتحدثت عن أهم السمات الشكلية والمضمونية لهذه الآداب، ما مكنها من احتلال منزلة رفيعة بين سائر الآداب العالمية، مركزة على مميزات هذا الأدب وتأثيره على الأدب الإسباني، مما جعله يتوهج، وبخاصة في مرحلة سنوات الستينات والسبعينات، ومع غابرييل كارسيا ماركيز بالخصوص، والتي طغت عليها الواقعية السحرية.
وانتقلت  المحاضرة، بعد هذه الإطلالة العامة على أدب أميركا اللاتينية، إلى التعريف بالمحتفى به ( 1917- 2005)، أديب وقاص وروائي باراغوائي، يعد قيدوم الكتاب الأمريكو لاتينيين، شارك في حرب تشاكو(1930-1935)، كتب أول إبداع وهو في عمر 15 سنة، وبالتحديد مسرحية بعنوان " القهقهة "، قبل أن يبدع في مجالات مختلفة كالقصة، مثل "دوي رعد بين الأوراق"، وهو أول عمل ترجم له إلى اللغة العربية، وصدرت له أول رواية  بعنوان "ابن الإنسان" سنة 1960، في الأرجنتين، والتي بدأ فيها أيضا كتابة روايته الشهيرة "أنا، الأعلى". والملاحظ على هذا الكاتب أنه كتب في كل الأجناس الأدبية من مسرحية وقصة وشعر ورواية ومقالة وغيرها، ولقب باسطوس، بـ "المنفي الأبدي" لأنه تنقل بين عدة بلدان هربا من الديكتاتورية في بلده الباراغواي والتي دامت لأكثر من أربعين سنة، إذ شهدت الباراغواي بعد الاستقلال من إسبانيا، خمس ديكتاتوريات متعاقبة مما أثار حفيظة الكتاب، ودَفَعَهم إلى البدء بمشروع  سمّوه " آباء الوطن" يعنى بالكتابة عن الديكتاتورية ومناهضتها، والتعبير عن رفضها، انخرط فيه كُتّاب كُثر بمن فيهم روا باسطوس و كارلوس فوينطس وغيرهم.
وتوقفت مداخلة المعطي بعد هذا الحديث المفصل عن الكاتب، عند روايته " أنا، الأعلى "، التي نالت جائزة سرفانتس سنة 1989، وهي من أبرز الجوائز التي تقدم للكتاب باللغة الإسبانية، وكتب باسطوس هذه الرواية سنة 1974، والتي استغرقت كتابتها  ست سنوات، وضمت بين ثناياها خمسمائة صفحة، وتحمل على غلافها صورة الحاكم الديكتاتور فرانسيا، وقد طبعت طبعات مختلفة، كما تحولت إلى مسرحية من أربعة فصول. وحطمت الرقم القياسي في عدد قرائها، إذ تم تنظيم ماراثون قرائي خاص بهذه الرواية في كل من الباراغواي وإسبانيا. وتعتبر الرواية، حسب أحد النقاد، من أمهات الكتب، وأنها رواية غاية في التعقيد، فهي رواية أكبر من أن تكون رواية تاريخية، بل هي وثيقة تاريخية وقصيدة نثرية وحكاية شفهية وممارسة لغوية ومقال اجتماعي، إنها كل ذلك مجتمعا في نص واحد لا يمكن فصله، إنها نص شامل ذو تنوع ثقافي ولغوي، وباختصار هي ساعة من الخيال المحض. 
يمتد الخط الزمني للرواية من سنة 1810 إلى سنة 1840(سنة وفاة الديكتاتور فرانسيا)، ويتحدث فيها الديكتاتور، وهو بمثابة الراوي الفعلي، راويا قصته مبررا تصرفاته، مما جعل الرواية فسيفساء يتشابك فيها الخيالي بالواقعي، وهي عبارة عن نصوص ووثائق تتكامل في ما بينها، وتتشكل من خلالها صورة وشخصية ونزعات الديكتاتور الذي حكم الباراغواي بالحديد والنار في نهايات النصف الأول من القرن التاسع عشر، ومما يميز هذا النص الغني بخلاف باقي النصوص الروائية الأخرى هو تلك الإحالات والشروحات الكثيرة التي تحويها الرواية، والتي تصل إلى 700 إحالة تقريبا. وإلى جانب ذلك، فقد برزت في الرواية ثيمات مختلفة ومتعددة يمكن تلخيصها في ثلاثية: السلطة والازدواجية والكتابة، مما يظهر السلطة كموضوع محوري في المتن الروائي.
وفي ختام محاضرتها، أكدت عائشة المعطي أن هذا اللقاء يعرّف بتجربة فريدة من نوعها، وجديرة بالاطلاع والاكتشاف، لكون صاحبها يمثل واحدا من الأقلام التي ساهمت بعصاميتها في نقل الأشياء البسيطة العادية إلى أشياء مهمة ومميزة ومعقدة، أحيانا، وغير معتادة، تثير الانتباه، وتدفع القارئ اللبيب إلى فهم رسالتها الخاصة التي تهدف بالأساس إلى مناهضة النظام الديكتاتوري بالباراغواي آنذاك.
وأسدل الستار على هذا اللقاء المثمر بنقاش مستفيض، أجمع فيه المتدخلون من مثقفين وطلبة وباحثين في سلكي الماستر والدكتوراه، على أهمية مثل هذه اللقاءات التي تضيء أعلام الكتابة العالمية وبعض القضايا الأدبية والثقافية المتصلة بثقافتنا وبأحلامنا أيضا. 
 
* كاتب من المغرب.