ندوة في المغرب عن المدينة والثقافة: الترييف وتهميش النساء

Printer-friendly versionSend to friend
عزيز العرباوي*
 
في إطار أنشطة المكتبة الشاطئية بمدينة الجديدة المغربية في دورتها الرابعة صيف 2017، نظمت المكتبة الوسائطية التاشفيني وجمعية صفحات جديدة يوم الجمعة 11 أغسطس ندوة فكرية وثقافية تحت عنوان "المدينة والثقافة" بمشاركة كل من الباحثيْن السوسيولوجيين د. عبد الرحيم العطري ود. عبد الهادي أعراب وتسيير الكاتب ورئيس صالون مازغان للثقافة والفن د. إبراهيم الحجري الذي عرض في بداية الندوة  أهم الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين المدينة والثقافة متسائلاً عن أهمية هذه العلاقة وعن إمكانيتها في واقعنا المعاصر وعن أهم الأسس والحلول التي يمكن للمثقف المغربي عموماً أن يلجأ إليها ليساهم ما أمكن في خلخلة الوضع الحالي، وإعادة النظر في تأسيس المدن المغربية، ومواجهة الهدم والتخريب الذي تعرفه المدينة المغربية على مستوى العمران والتوسع.
في مداخلته وقف الباحث السوسيولوجي د.عبد الهادي أعراب على خمسة تساؤلات مهمة وأساسية كانت بالنسبة إليه هي المحددة لها، ومنها مسألة أساسية وهي المتعلقة بأهمية الموضوع المطروح للنقاش (المدينة والثقافة) وعن راهنيته بالنظر إلى التحولات التي يعرفها العالم في قضية التمدن والتحضر مستحضراً أن الأرياف والهوامش المحيطة بالمدن يمكنها أيضاً أن تمتلك ثقافتها الخاصة ولا يمكن إقصاؤها أبداً. ثم تحدث  عن مسألة الأسبقية والتأسيس (من يسبق الآخر ومن يؤسس للآخر؟)، داعياً إلى إعادة ترتيب العنوان. كما تعرض الباحث إلى قضية  تتعلق بسياق الحوار المفتوح باعتباره الدائرة الكبرى التي تحكم الموضوع، مستحضراً الشروط  التي يمكن تحقيقها في الرفع من مكانة الثقافة داخل المدينة المغربية بالجمع باعتبار أن المغرب بلد متعدد وغني ثقافياً وتاريخياً. ولتكون مداخلته منهجية ومؤسسة فقد عمل د.أعراب على تحديد مفاهيم أساسية تناسب السياق المغربي ،فانطلق من مسألة تنزيل مفهوم المدينة انطلاقاً من المفهوم الغربي، مروراً بطرح السؤال حول الهوية الحضرية للمدينة المغربية، وحول كيفية المراهنة على المدينة كفاعل ثقافي. 
ثم انتقل الباحث إلى محاولة تشخيص الأعطاب التي تحد من فاعلية الثقافة في المدن مثل: قوة سيرورة الترييف التي تخلف أشكالاً من البريكولاج الثقافي (تنتج انتماءات هجينة)، وتخلف ترييفاً مكلفاً على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... كما تطرق الى الأعطاب الأخرى التي توصل إلى الوقوف على مسألة أساسية وهي "الحق في المدينة" كحق جديد يقتضي إشراك كل الطاقات الثقافية والفاعلين الجمعويين والمدنيين في بناء تصور للمدينة كفضاء للعيش المشترك وتحقيق شرطين مهمين هما: الجودة والتوازن في اتجاهٍ يحفظ للإنسان آدميته فيما هو مادي (المعمار،...) أم فيما هو روحي (تحويل الثقافة إلى حاجة يومية ملحة وليست مجرد ترف...)، ثم تعزيز الانتفاع من الخدمة الثقافية لكل مواطن (دمقرطة الثقافة والحكامة الرشيدة...). أما بما يخص المقترحات للخروج من هذه الأزمة فقد اقترح د. عبد الهادي أعراب : الانتصار للمقاربة الثقافية من خلال الاستثمار الثقافي في كل ما يتعلق ببناء تصور للمدينة المغربية، والتحصين الثقافي ضد المخاطر التي تهدد فضاءاتنا الحضرية (العنف بكل أشكاله ومستوياته).
 الباحث السوسيولوجي د. عبد الرحيم العطري   أسس مداخلته على ثلاث دوائر أساسية كانت المفتاح المهم لمعالجة العلاقة بين المدينة والثقافة في المغرب، خاصة أنه باحث يستمد قناعاته من أبحاثه التي سبق له نشرها حول العديد من القضايا التي لها علاقة مباشرة بالمجتمع المغربي وارتباطه بالمدينة والقرية والثقافة السائدة في المجتمع. هذه الدوائر التي حددها في: دائرة السؤال، ودائرة العلاقة، ودائرة التفاوض. حيث طرح في الدائرة الأولى العديد من الأسئلة أهمها المرجعية الأساسية لمفهوم المدينة وتنزيله، إضافة إلى مسألة الرؤية الخاصة لعلاقة المدينة بباقي المجالات الأخرى المترابطة بها والتي تتعدد في المغرب. أما الدائرة الثانية والتي سماها دائرة العلاقة فقد تحدث فيها عن إعطاء أولوية خاصة لمفهوم الاتصال على حساب الانفصال محللاً عنوان الندوة (المدينة والثقافة) متسائلاً عن إمكانية الاتصال بينهما والانفصال، مستغلاً في ذلك بعض الأمثلة من الواقع المغربي أهمها أسماء بعض الدواوير والأحياء التي يختارها سكانها كانتقام من الثقافة السائدة والمهيمنة، أو حتى كتعبير عن ثقافة معينة ينفرد بها هؤلاء. أما أهم ما يمكن الوقوف عنده في مداخلة الدكتور العطري هو مسألة الجهل بالمدينة أو بالأحرى الهروب منها إن صح التعبير ولو على مستوى التعبير واللغة المستعملة في الخطاب، من قبيل أن يقول الشخص: "أنا سأتوجه الآن إلى المدينة (وهو يقصد وسط المدينة) رغم تواجده بها ويسكن بحي من أحيائها". أما عن دائرة التفاوض فقد تطرق الباحث إلى مسألة أساسية وهي تلك المفارقة التي تحدث في المغرب على المستوى التكويني والتعليمي، فهناك نسبة كبيرة من الفتيات في المعاهد العليا للهندسة تصل إلى 70 في المائة، وهن من يقمن برسم تصاميم الشوارع والمدن لكنهن مرفوضات في هاته الشوارع ، أو على الأقل يتعرضن فيه للتحرش والمضايقة، بل إن هناك أكثر من 70 في المائة أيضاً من رؤساء الجماعات الترابية لا يتوفرون على شواهد عليا ،وأنهم حاصلون فقط على شواهد أقل من شهادة الباكلوريا، وهم من يرسمون سياسة المدن ويقررون فيها، فكيف يستقيم ذلك؟...
 
* كاتب وإعلامي من المغررب.