نـَبـيــذ قــَديم في قـنـاني جـَديدة

Printer-friendly versionSend to friend
د. عـبـد القـادر حسين ياسين*
 
من الظواهر التي نعاينها في الحياة الثقافية ظاهرة تقليب الكتب ، 
وأقصد بالتقليب عملية إعادة طباعة الكتاب ونشره ،
بشكل يختلف عن الشكل الذي ظهر فيه أول مرة ، في طبعته الأولى، 
كأن يحمل عنواناً آخر ، أو تظهر فصوله محرفة،
أو من دون تحريف لتكون أجزاء رئيسة في كتب أخرى للمؤلف نفسه. 
 
يقـتـرف هذه العملية كثير من الكتاب ،
من بينهم أكاديميون ومبدعـون ومترجمون:
فـنسمع من باحث أكاديمي قوله إن له "خمسة وأربعـين كـتـابـاً" ، 
ونسمع من شاعـر بأنه أبدع "ثلاثين ديواناً ونيف" ، 
ويقول لنا مترجم بأنه قد ترجم "ما يزيد على مائتي كتاب".. 
 
قد ينبهر المستمع العادي بأقوال هؤلاء الكتاب ، ويعجب بصنيعهم ، 
وربما يقارنهم ، وهو يستمع إلى الأكاديميين منهم ، 
بأجدادنا العـظام ، أمثال الجاحظ ، والثعالبي ، وابن منظور ... 
ولكن إذا ما تطرق إلى ذهن المستمع،
بعض الشك في عدد المؤلفات التي أعـدَّها بعض هؤلاء الكتاب ، 
وحاول أن يتثبت من حقيقة الأمر ،
بالرجوع إلى المؤلفات نفسها في المكتبات فـسـيـهـوله ما يجـد: 
 
فهذا الأكاديمي الذي يحمل درجة "بروفـيسور"،
لم يؤلف أو يعـد في حياته غير بضعة كتب ، 
لكن كيف تناسخت إلى خمسة وأربعـين كتابا؟ 
فالأمر لا يحتاج إلى عبقرية فـذة أو ذكاء خـارق... 
لقد لجأ صاحبنا إلى عـملية التقـليب: 
فأعاد طباعة كتبه تارة بتغيير عـناوينها ، 
وأخرى بتوزيع فـصولها على عـدة كتب ، تحت عناوين مختلفة. 
 
وفي النهاية لاستكمال عملية التقليب ، 
فإنه يجمع هذه الكتب تحت عـنوان جامع هو" الأعـمال الكاملة" ،
وهكذا تبدو قائمة مؤلفاته في سيرته الذاتية خمسة وأربعـين كـتـابـاً قابلة للزيادة. 
 
هنالك بعض الشعراء من يلجأ إلى مثل صنيع ذلك الأكاديمي ،
مع اختلاف يتناسب وطبيعة الشعر: 
فـيوزع قـصائده الشعرية الطويلة إلى مجموعات ، 
ثم يكون من كل ثلاث مجموعات أو أكثر ، على سبيل المثال ، 
كتاباً يحمل عنواناً جامعاً ، 
وينتهي به المطاف إلى إن يجمع إبداعه الشعري كلّه،
تحت عنوان" الأعـمال الشعـرية الكاملة" ، وهكذا دواليك... 
 
ويمكن إن نلحق بعمليات التـقـليب ما يلجأ إليه بعض المترجمين ،
وبخاصة مترجمو الأعمال القـصصية: 
إذ يسطون على كتب غيرهم فـيغـيّرون في عـناوينها ، 
وبعض فـقـراتها بالزيادة أو التحريف ،
وهذا يفـسر تعـدد الترجمات للعمل الواحد ، 
ويلاحظ هـذا خصوصاً في ترجمات سلاسل القـصص الانجليزية المبسـَّـطة ،
التي تدرس في المدارس الخاصة.
وهكذا نستطيع أن نفهم قول احد المترجـمين بأن له "مائتي كتاب" ... 
 
لـقـد أمضى رابنـدرانات طـاغـور ،
شاعر البنـغـال الأعظم وفيلسوفهم الأشهر ، 
والحائز على جائزة نوبل في الآداب ، 
25 عـامـاً (أجل ، خمسة وعشرين عـاما) في ترجمة " المهـا بـهارتـا" ،Mahabharta  ،
ملحمة الهـنـدوس الخـالـدة ، 
من السنسكريتية إلى الإنجليزية ، في ترجمة شعرية رائعة ،
يـحـسـده عليها وليم شكسبير وجون كيتس...
 
إن العمركله لا يتسع لهذا العدد من الكتب ،
حتى ولو إفـترضنا انه ولد مترجماً ، 
وبدأ عـمليات الترجمة وهو في بطن أمه. 
 
في النهاية ، ونحن نعاين هذه الظاهرة ، 
وهي تتنامى في حياتنا الثقافية نتساءل: 
هل الأكاديميون الحقيقيون ، 
والشعراء المبدعـون ، 
والمترجمون البارعـون ،
يحتاجون إلى تقـلـيـب مؤلفاتهم؟ 
وهل هنالك ضرورة لمضاعـفة العدد،
على حساب النوع والقيمة؟
 
* أكاديمي وكاتب فلسطيني مقيم في السويد.