هيمنة الجغرافيا ونقد سلطة القيود

د. رائد جبار كاظم*

 
ليس من السهل على أي أنسان أن يصنع له خصوصية أو هوية أو بصمة فكرية تميزه عن غيره من البشر، فالبشر رغم اختلافهم في ألوانهم وألسنتهم وقومياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم، لكنهم قد تجدهم متشابهين في الكثير من ذلك، وفق حدودهم الجغرافية والثقافية والفكرية والحياتية، والجغرافيا هي الميزة أو الخصيصة أو المسألة الأهم التي تصنع طريقة التفكير والثقافة ونمط الحياة لدى الفرد والمجتمع، في أي زمان ومكان كان، فالجغرافية الطبيعية تصنع الجغرافية الاجتماعية، وتلك الجغرافية تصنع الجغرافية الحياتية، وتلك تصنع الجغرافية الثقافية والفكرية لأي مجتمع من المجتمعات، ولذلك فالعلاقة قوية ومؤثرة ومتبادلة بين الجغرافية الطبيعية وجغرافية المجتمع وطريقة تفكيره، فنحن أبناء الجغرافيا، وأبناء الحدود المحددة والمرسومة لنا سلفاً، التي لا نخرج عن سطوتها وسلطتها الا بشق الأنفس، ممن يريد الخروج على تلك الجغرافيا والحدود والإطار الذي يعيش الفرد والمجتمع حياته فيه بأكملها، ممن يجد نفسه داخل هذا السور أو ذلك الوسط أو الكهف الذي يألفه منذ نعومة أظفاره.
نولد في هذه الحياة وكل شيء معد لنا سلفاً دون خيار أو حرية، من المهد الى اللحد، الاسم، القوم، الوطن، الدين، العادات والتقاليد، وباختصار (جغرافية الأرض والمجتمع والجماعة والدين والثقافة)، نولد ونحيا في مجتمعاتنا وفق تلك الجغرافيات المتعددة ونألفها وننسجم معها بصورة تقليدية دون نقد أو تمحيص، وكأنها يقينيات مطلقة لا يمسها الخطأ والسوء والتشويه، ومسألة الخروج على هذا النسق والإطار المحدد أمر في غاية الصعوبة، فهو أمر أشبه بالسباحة ضد التيار، أو الخروج على نسق الجماعة وسلطتها، وهو أمر مستحيل بالنسبة للإنسان العادي، لأنه معتاد على ذلك النمط والنسق الجاهز سلفاً، ولكن بالنسبة للإنسان المثقف والمفكر فهو يناضل ويجاهد ذاته ومجتمعه من اجل المواجهة والاقناع والدفاع عن الحقيقة التي وصل اليها، وهي حقيقة عقلية، فكرية، قد تصل الى الحقيقة والتجربة الصوفية في بعض الأحيان، لأنك تواجه فكر وثقافة ومعتقد الجماعة وسلوكها التقليدي النمطي البارد، بفكر عقلاني نقدي فردي حر، تبذل في سبيله الكثير من أجل الوصول اليه، قراءة ودراسة وبحثاً وجهداً ودراية، لتخرج على سلطة الجماعة وسطوتها وهيمنتها الجاهزة والمعلبة في معامل ومطابخ الايدلوجيا والتقليد، لتنقد تلك السلطة وتصوب الكثير من أخطائها وتفضح زيفها، تحتاج لذلك الى قوة وطاقة فولاذية مع حراسة سماوية للخلاص من ذلك القاع المظلم والقبو المتعفن.
الانسان حين يكون في مقام ما يفكر وفق حدوده، مكانياً وزمانياً وجغرافياً ومجتمعياً وحياتياً، فالإنسان أبن الحدود والجغرافية والمكان، فالإنسان العربي مثلاً يفكر وفق حدوده وجغرافيته، والانسان الغربي أيضاً يفكر وفق حدوده وجغرافيته، وحين تكون حدوده الجغرافية واسعة ورحبة وحرة فهو بالتأكيد يكون أبناً باراً لتلك الجغرافيا، يفكر بحرية وصحية ونقاء، عكس الانسان أبن الجغرافية الضيقة والمختنقة، الذي يكون تفكيره مسموماً ومقيداً ومهدِداً لغيره من البشر. والدليل واضح على ذلك وهو ما نشهده اليوم من سلوك مختلف في طبيعة المجتمعات البشرية، فالشعوب تتنفس هواء جغرافيتها الطبيعية والاجتماعية والثقافية والفكرية، ان كانت نقية فالنقاء يسري لداخلها، وسلامة فكرها من سلامة حياتها ومجتمعها والعكس غير صحيح، وفي مقابل ذلك نجد شعوباً كثيرة تفكر بطريقة ملوثة وجرثومية كهوائها المصاب بالحشرات والجراثيم والوباء، فالديدان الموجودة في رؤوس الكثير منا تسللت وتناسلت من بيئتنا التي نعيش فيها، فنحن لا نستطيع أن نفكر تفكيراً حراً لأننا شعوب مُستعَبدة وضعيفة ومقلِدة نتبع غيرنا وجماعتنا حذو النعل بالنعل، كما يقال، ولا نستطيع الخروج على سلطة الجماعة، لأننا نؤمن ونعتقد أعتقاداً جازماً بأن "يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار" وخلطنا الأوراق وتشابهت الأفكار والأقوال علينا، وأخذنا نسير مع الجماعة في القول والفعل، دون نقد أو تحليل أو تمحيص، متناسين أن الله قد كلف كل انسان تكليفه الخاص به دون غيره، وأن كل انسان مسؤول عن عمله وفكره ومعتقده، دون جماعته، ولكن الانسان في واقع الحال ليس له من أمره شيء ولم يسر وفق عقله بحرية، فهو يسير وفق ما محدد ومرسوم له سلفاً، وهذا لا ينطبق على مجتمعاتنا المغلقة فحسب، بل يشمل حتى المجتمعات المفتوحة، ولكن نسبة الفتح والفتوحات والانفتاح الفكري في المجتمعات الحرة أكثر بكثير من المجتمعات المغلقة والمغلفة بأطر متعددة الهويات والأهواء.
لعل معترض يعترض علينا فيقول أن لا فرق بين الفرد والمجتمع المغلق والمفتوح، فكلاهما يخضع لجبرية جغرافية واجتماعية وحياتية، لم تتح له الخيار في أفعاله، ولكنني أقول كلا فهناك فرق كبير بين الأثنين، فالإنسان في مجتمعه المغلق لا يستطيع أن يفكر بطريقة حرة، وهو مقيد بسلاسل مجتمعه، على عكس المجتمع المفتوح الذي يتيح حرية التفكير وشيوع الاختلاف في الأهواء والأفكار والسلوك، هذا المجتمع ينتج الجديد من الافكار والافعال، ويحفز أبناءه على التفكير والاختلاف والانتاج مهما كانت صوره، على عكس المجتمعات المغلقة التي تصب أبنائها وفق قوالبها الجاهزة، التي لا يمكن الخروج عليها أبداً الا بالحبس او القتل أو التعذيب أو الانتحار، نحن نفكر وفق طبيعة مجتمعاتنا، ان خيراً فخير وان شراً فشر، وان نوراً فنور وان ظلمة فظلام. ورب انسان ينتمي لبيئة مغلقة قد تحرر من قيود مجتمعه وجماعته وحرر فكره من معيقات التفكير ومهيمناته، ولكن هذا الشخص بالتأكيد يواجه بحرب ورفض من قبل مجتمعه وجماعته لأنهم يعتقدون انه خارج عن ملتهم والأفكار التي نشأوا عليها التي لم يأتها الباطل ـ باعتقادهم ـ لا من قبل ولا من بعد، والمقاومة التي يقوم بها ذلك الشخص الناقد والمثقف تحتاج الى جهد كبير وصبر ومواجهة، من اجل الدفاع والاقناع والمحاججة، وقد يرفض الكثير ما يجيء به ذلك الشخص من أفكار، كونها أفكاراً جديدة غير مألوفة وخارجة عن منطق الجماعة وفكرها العتيد، وبلا شك ما يقوم به المثقف وسط ذلك المجتمع المغلق والمقيد يعد جهداً فكرياً كبير،  وكشف فكري كبير يصل اليه بقوة تفكيره وصبره وتفوقه، وهو ما يميزه على غيره من البشر، وهو يمتاز ببطولة وشجاعة وجرأة لا تتوفر لغيره ممن يعيشون في البيئة التقليدية، فالمثقف والمتنور يجاهد للخروج من نفقه المظلم، ليبصر النور في ذاته قبل أن يشرق في مجتمعه، ويكفيه فخراً أن يرى النور في ذاته، ويبصر الطريق ويؤمن بما يصل اليه من فكر وحقيقة دون قيود الجمهور والعوام، الذين لا هم لهم سوى التصفيق لكل من هب ودب، ممن يجهلون نور النور وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود، فهم أتباع كل ناعق، وينهقون مع كل ناهق.
قد تتصور وتتخيل كيف يفكر ذلك الانسان في وسطه الاجتماعي والثقافي المغلق أو المنفتح بطريقة تنسجم وطبيعة ذلك المجتمع، لكنني أتخيل وأشعر بقوة بألم واغتراب وغربة، وذلك الشخص المثقف المنفتح الذي يعيش وسط مجتمعه المنغلق، فهو قد أبصر النور وأكتوى بنار الحقيقة من جهة، ويقاوم مجتمعه والناس من جهة أخرى، ويخشى أن يبشر بفكره الجديد، كي لا يحل به ما حل بسقراط والمسيح والحلاج وبرونو وغاليلو، ولذلك فهو يكتم حقيقته في قلبه، لأنه مقيد بحدوده الملتهبة والمصابة بالالتهاب حد السرطان، ولذلك فهو  يخشى البوح بسره ووعيه وحقيقته، كي لا يصاب باللعنات من عامة الجمهور، وبالطرد من وطنه أو القتل والتهجير والتصفية من جماعات تنتمي الى فصيلة ونسل الديدان بقرابة. هذا في مجتمعاتنا المنغلقة، أما في المجتمعات الحرة فلك أن تفكر وتتخيل وتتصور وتتأمل وفق طبيعة ذلك المجتمع وجغرافيته، تبدع وتنتج كما يحلو لك دون قيد أو شرط، أما نحن فمحكوم علينا أن نعيش كما يريد السلطان، سلطان الحكم والمجتمع والأيديولوجيا، فالناس على قيد حدودها وجغرافيتها وطبيعتها ومجتمعاتها تحيا وتموت، الا من رحم ربي، من مصلح أو مثقف أو ثائر، يأبى أن يخضع لسلطة الغير سوى سلطته الفكرية والمعرفية الناقدة.  
 
* باحث وأكاديمي عراقي.