وودي آلن يتحدث عن وودي آلن: أصنع الأفلام التي أُريد ولن أهتم بمجيء أحدهم لمشاهدتها

مروان ياسين الدليمي*

عام 1992 يلتقي الكاتب والمخرج والناقد السويدي ستيج بيوركمان بالمخرج الأميركي وودي آلن في مكتبه في مدينة نيويورك التي يعشقها كثيرا، ويقترح عليه أن يوافق على أن يبدأ معه رحلة حوار مطوّل، على شكل مقابلات يجريها خلال عدة فترات، لتتجلى فيها مسيرته الفنية، فكان هذا الكتاب «وودي آلن عن وودي آلن» الذي صدرعام 2005، وفي عام 2018قدمته دار المدى إلى القارئ بعد أن تولت ترجمته دلال نصر الله إلى اللغة العربية.

 
موهبة فذّة
إن مكانة وودي آلن مقارنة مع زملائه السينمائيين تبدو استثنائية في عالم السينما الأميركية، باعتباره كاتبا ومؤديا كوميديا وممثلا وصانع أفلام، ومن هنا يملك عقدا مميزا مع المنتجين، لم يحظ به غيره من الفنانين، ينص على أن يملك حريته كاملة في كتابة وإخراج فيلم واحد على الأقل كل عام، كما يمنحه حق اختيار الموضوع وكتابة السيناريو والحوار، واختيار الممثلين وفريق العمل، والتقطيع النهائي للفيلم، وشرطهم الوحيد عليه أن يلتزم بالميزانية المخصصة للمشروع.
ولا شك في أن هذه المساحة الواسعة جدا من الحرية التي منحت له، تأتي تقديرا وإيمانا من المنتجين بما يمتلكه من موهبة فذّة، سبق أن كشف عنها مبكرا منذ بداياته الأولى عندما كان يقدم مشاهد كوميدية قصيرة، في النوادي الليلية، فانتبهوا إلى عبقريته في كتابة نصوصه الكوميدية وتمثيله العفوي على خشبة المسرح.
عبر حوار امتد عدة أعوام يكشف كتاب «وودي آلن عن وودي آلن» للقارئ ذكرياته وأفكاره، والأفلام التي شاهدها في طفولته، وهوسه بموسيقى الجاز، حيث تبدو أحد روافد الإلهام في حياته، وحديث مثير عن خفايا صناعة الأفلام، من خلال تجربته الشخصية، وإعجابه بعدد معين من المصورين السينمائيين الأميركان والأوروبيين الذين عمل معهم، وآرائه بالممثلين، وكذلك الممثلات اللائي الهَمْنَه. وتقودنا الأسئلة الذكية إلى أن نكتشف شخصية وودي آلن الحقيقية، إذ يبدو كما وصفه محاوره «رجلا منضبطا في عمله، وصانع قرارات، وفنانا جادا ذا وعي وبصيرة تمكنِّه من صنع تأثيرات بعيدة المدى بنفسه، وهو يرفض المساومة على فنه ورؤيته».
كان وودي آلن يعشق الأفلام الكوميدية للأخوة ماركس وافلام الجريمة الغامضة والكوميديا الرومانسية.
 
طفولته
مطلع أربعينيات القرن العشرين عاش وودي فترة طفولته في بروكلين، حيث ولِدَ هناك عام 1935، فوجد نفسه منتميا إلى أقل فئة اجتماعية في الطبقة الوسطى، وخلال العطلة المدرسية أيّام كان في الخامسة والسادسة والسابعة من عمره، بات يقضي وقتا طويلا في مشاهدة الأفلام يوميا، هربا من حرارة الصيف، بينما تقتصر مشاهدته للأفلام أيام الجمعة والسبت والأحد خلال فترة الشتاء. وهنا يشير إلى أن السينما سلبت لبّه في تلك الفترة، إذ كانت هناك 25 صالة سينما يمكن الذهاب إليها في محيط منزله، وخلال شهر واحد يشاهد أفلاما لنجوم تلك الفترة: جيمس كاغني، همفري بوغارت، غاري كوبر، فريد استير، وأفلاما من إنتاج والت ديزني، وكانت غزارتها تذهله كما يقول. إلاّ أنّه كان يعشق الأفلام الكوميدية للأخوة ماركس وافلام الجريمة الغامضة والكوميديا الرومانسية بشكل أكبر. وحسبما يرد على لسانه فإن ذوقه كان راقيا في مشاهدة أفلام الكوميديا منذ وقت مبكر من شبابه، ولم يكن مهووسا بالكوميديا التهريجية، بل منجذبا بالفطرة إلى نوع أرقى من الكوميديا، ولهذا أحب مشاهدة «الأخوة ماركس» وهم يمثلون لأنهم حسب وصفه كانوا شاملين، رغم أنهم يشبهون المهرجين، ومع ذلك كانوا ممثلين في منتهى الرقي، لأنهم يملكون الفطنة والبديهة. في الوقت نفسه يشير إلى أنه لم يستمتع بمشاهدة نجمي الكوميديا آنذاك لورين وهاردي، بينما اثار اهتمامه شارلي شابلن، لأن «هناك شيء ما ينبعث منه وهو يتجول في الشوارع» حسب قوله.
 
عالم الكتابة
بدأ وودي آلن في عمر السادسة عشرة باقتحام عالم التأليف، فكتب نصوصا لعدد من الممثلين الكومديانات، الذين كانوا يقدمون عروض (Comedy stand) في النوادي الليلة، وهذا العمل لفت الانتباه اليه فدفع المنتجين في الإذاعة والتلفزيون إلى أن يتعاملوا معه، فتم توظيفه ليكتب قصصا قصيرة مضحكة، إضافة إلى ما كان ينشره من قصص في الصحف. كل هذا النشاط مارسه قبل أن يتجرأ ويعمل كوميديان في النوادي. وفي إجابة حول سؤال ما إذا كان يشعر بالفزع باعتباره كاتبا أمام الورقة البيضاء يقول «أنا لا أفزع.. من تلك الناحية أشعر بأنني مثل بيكاسو الذي قال مرة إنه إذا شاهد مساحة خالية، فإنه يشعر بأن عليه أن يملأها، وأنا أشعر بالشعور ذاته. لا شيء يشعرني بالفرح أكثر من فتح رزمة كبيرة من الورق الأبيض أو الأصفر، ولا أستطيع الانتظار لأملأها».

 

علاقته بالجمهور
في المراحل الأولى من دخوله عالم (Comedy stand) في النوادي الليلية، يذكر انه تعلم الكثير من متابعة الجمهور وردود أفعاله خلال تلك الفترة. وعندما نضجت تجربته في عالم السينما لم يعد يعير أهمية للجمهور، مؤكدا على أنه كلما كانت معرفته أقل برأي الناس يشعر بشعور أفضل، وهنا يوضح وجهة نظره، حيث يصر على أنه يقحم أنفه في صميم عمله فقط، وعلى أنه يصنع الأفلام التي يريدها أن تُعرض، وإذا أحبها الناس فهذا عظيم، وإذا كتب بعض الصحافيين أن هذا عمل عبقري (هذا لا يعني أنني عبقري، كما لا يعني أنني أحمق أيضا، إذا كتبوا أنني أحمق) ويصر على أنه ينسى ما يقوله الناس من آراء. وأن علاقته بالفيلم تنتهي ما أن ينتهي منه، ولهذا يجد في صناعة الأفلام أشبه بتناول البسكويت، ما أن ينتهي من فيلم حتى ينتقل للآخر فورا. فهو لا يعير أهمية مثل بقية المخرجين لقراءة مراجعات النقاد في الصحف والمجلات حول أفلامه، طالما هو يفكر دائما بالفيلم، وكيف سيكون ممتعا، لأنه شغوف بعمله كثيرا، حسبما يؤكد ولذلك يصر على أنه لا يهمه قبول الناس الفوري له، أما الجوائز فستأتيه بشكل تلقائي كما الأجر المادي.
يعبر آلن عن إعجابه الشديد بالسينما الأوروبية، حتى إنه قد وقع في غرامها ما أن وصلت أفلامها إلى أميركا بعد الحرب العالمية الثانية.

 

أسلوبه في الإخراج

يميل وودي آلن في عمله كمخرج، إلى التنقل بين الأزمنة على نحو غريزي على غير ما تكون عليه أساليب بقية المخرجين، حسبما يصنفهم، فهناك مخرجون يفكرون بطريقة أقل خطيّة وأكثر استطرادا. وهناك مخرجون يفكرون بنظام سردي خطّي طوال الوقت ويصنعون أفلاما رائعة. وبهذا السياق يقول غالبا ما تنبثق بين الحين والآخر فكرة في غرفة المونتاج، أو أثناء تصوير الفيلم، لكن وبشكل عام فإنه يستمد ذلك من البنية الأساسية للفيلم، والأمر الوحيد الذي يهمه هو سرد القصة بشكل فعال، وهذا مايؤرقه طوال الوقت طالما هو يتعامل مع الكوميديا باستمرار، لذا يجد نفسه حريصا على أن لا يقتل متعة السينما، وهذا يفرض عليه أن يكون صارما وبسيطا للغاية.

فلسفته حول الفن

وبخصوص رأيه حول الفنانين، فإنه يجدهم أنانيين عادة، ويحتاجون إلى وقت ينعزلون فيه عن العالم المحيط بهم، وإلى الانضباط، لكنهم ليسوا لطيفين مع الآخرين. ويستطرد حول ذلك فيقول «أنا أشعر أحيانا بأن الفن هو ديدن المثقف، ومن الفنانين من يظن أن الفن سينقذهم، وأنهم سوف يخلَّدون من خلال فنهم وسيعيشون من خلال فنهم. لكن في الحقيقة لن ينقذك فنك. لطالما كان الفن ترفيها للمثقفين. إن موتزارت ورامبرانت وشكسبير مرفِّهون على مستوى عال، إنه مستوى يستدعي أعظم شعور بالإثارة والتحفيز والإنجاز للأشخاص الحساسين والمثقفين، لكنه لا ينقذ الفنان. أعني، لم يستفد شكسبير من استمرار مسرحياته بعد وفاته، كان من الأفضل لو أنّه ظل على قيد الحياة ونُسيت مسرحياته». وعلى ما يبدو فإن هذا الرأي يحمل بين طياته قدرا كبيرا من الشعور بالعدمية، وتعليقا على ذلك يواجهه الكاتب ستيج بيوركمان بسؤال، ما إذا كان يشعر بالحاجة إلى العزلة والانسحاب عن الآخرين؟ عندها لا يجد حرجا في أن يقول له بأن لا مشكلة لديه إذ ما كان إنسانا منعزلا بطبعه، ويضيف موضحا هذا الأمر «عندما تكون صغيرا في السن تقول لنفسك سوف أكون فنانا، وسوف ينقذني الفن. إن إدراك الفنان لحقيقة أن أعماله الفنية لن تنقذه، ولن تعني شيئا بعد فترة من الزمن، وفي النهاية سيفنى الكون. إذن، حتى أعمال شكسبير، وكل أعمال بيتهوفن ستختفي». ويعود مرة أخرى ليؤكد على أنه لا يهتم بالعيش في قلوب بني آدم، ويفضل أن يعيش في شقته، وهذا هو شعوره الحقيقي نحو الحياة. ويضيف إلى ذلك معمِّقا فكرته «ما نتكلم عنه حقيقة هو مأساة الزوال، التقدم في العمر والفناء، إنه شعور مريع، ومن المريع أن يتأمله البشر، لكنهم يتأملونه، ولذلك نجد بعضهم يتعمق في الديانات، ويمارسون كل الطقوس عدا تأمل الفناء، إنهم يحاولون حظره بكل السبل، لكن حظره مستحيل، وعندما تكتشف صعوبة حظره ستحاول التعبير عن مشاعرك عن طريق كتابة الشعر، لكن إن لم تكن محظوظا وموهوبا في الكتابة، فلن تجد نفسك البتّة ، وستصل في وقت ما إلى استنتاج أن الفن لن ينقذك وسوف تُفنى كباقي البشر».

 

السينما الأوروبية
يعبر وودي آلن عن إعجابه الشديد بالسينما الأوروبية، حتى إنه يقول بأنه قد وقع في غرامها ما أن وصلت أفلامها إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، فوجدها أنضج بكثير من السينما الأمريكية، التي لم يكن يعنيها إلا الترفيه، أما السينما الأوروبية فكانت أكثر مواجهة للواقع وأنضج، ولم تكن سخيفة كأفلام رعاة البقر «لهذا السبب أحببناها أنا وأصدقائي في بروكلين، حيث كانت تبهرنا.. وتجربة رائعة وسّعت مداركنا وجعلتنا اكثر اهتماما بالمخرجين وبتاريخ الأفلام ايضا». وهنا يستعرض أسماء عدد من المخرجين الأوروبيين الذين استهوته أفلامهم، في مقدمتهم أنغمار برغمان، رينيه كلير، جان رينوار، فدريكو فلليني، فيسكونتي.
يتضمن الكتاب في صفحاته الأخيرة ببليوغرافيا عن أفلام وودي آلن التي أخرجها وانتجها وشارك فيها كممثل منذ عام 1969 وحتى عام 2001. «وودي آلن عن وودي آلن» المؤلف: ستيج بيوركمان.
ترجمة: دلال نصر الله. الناشر: دار المدى – الطبعة الأولى 2018. 429 صفحة.

٭ كاتب عراقي، المقال عن " القدس العربي".