وَمـض الذاكرة

 أحمد غانم عبدالجليل*

  
 كومة من أحجار تلافاها لساني حتى استطعت النفاذ بكلماتي أمامك دون لجلجة تدفن أنصاف الجمل في صدري, تتركني في منتصف الطريق الصعب الذي اخترت سلوكه، لذا سوف أحاول الاسترخاء قدر استطاعتي، حتى أضع نفسي أمام مرآة سلبياتها، نزواتها وفجورها، يذهلكِ ذلك؟.
 أعرف أني لم أبدِ التردد أمامك ذات يوم، اعتدتُ أن أغلف أخطائي بصوتٍ عال، أرغمتك على التآلف معه منذ بداية زواجنا، تتهاوي غلاظته تحت جنح شبق لم يروض من احتدامه تهادي الأيام والشهور، حاولتِ مجاراة أطواري، وفي داخلك يكمن خجل العذارى، كنتِ بين أحضاني تلميذة مثقلة بالواجبات، تتطوحين بين ثنايا غيومٍ تتضمخ بخلجات عشق يطغى على استغراب لم تفلحي في مداراته طويلاً، هيامٌ أراد تطويق كل كيانك، صهر أضلعك بين جوانحي، عساني أمتلك اكتمالي وليس امتلاكك كما كنتِ تتوهمين.
 ههه... لن أقول إنك من رميت بي إليها لئلا تسخري من العذر الجاهز على ألسنة كل الرجال.  
 جذبتني منذ أن تعارفنا في الكلية، لكنها لم تكن ترى سواه، وكأنها ما خلقت إلا من أجل أن تكون له، من ضمن ممتلكاته, خضوعها الكامل أمامه كان يغيظني بقدر ما يثير غيرتي، وجدت نفسي مرغما أن أكون أحد شاهدي عقد زواجهما العرفي، عاجزاً عن التفكير بأي تصرف آخر أمام دلال فرحتها بدخولها عشهما السري، في سطوع عينيها تبرق نشوة تمرد على تسلط والدها وتعدد زيجاته، هجرانه البيت أغلب الأحيان، حتى تم الانفصال بينه ووالدتها المتلفعة بعباءة الاستسلام دوماً.
 كنت أعتقد أنه لن يفي بأيٍ من وعوده لها، التقدم وأهله لخطبتها بعد التخرج، إقامة أبهى عرس لها، بل كنت شبه متيقن بهجرانه لها عاجلاً أم آجلا، لا أن تتمرد هي على هوس الماضي بتلك السرعة المباغتة لمجرد شكها بوجود علاقة تربطه بغيرها. فسخا العقد أمامنا، ما خلد بذهني أبداً أنها يمكن أن تمتلك كل ذلك الجبروت لدى مغادرتها، مخلفة بكارتها في تلك الغرفة التي ظللت أتمعن في تفاصيلها قبل تسليم الدار لصاحبه.
  دهشةٌ كبرى تبحرت في حدقتيّ عند آخر مرة شاهدتها فيها، كانت تجلس في سيارة إلى جانب رجل يكبرها بعشرين عاماً على الأقل، وفي الخلف يطل رأس صبية من الشباك، نضحت فيها بعض ملامح وجهها الجميل, أدارته عني بحجة تعديل غطاء رأسها الذي سكن صدري بحنوٍ ما وجدت له مثيلاً مع كل من عرفت. لم تمانع بزواجٍ عرفي آخر، كنت أنا أحد طرفيه هذه المرة، لم نأتِ على ذكر الماضي أبداً، مع أنها فاجأتني بعد تعيينها في البنك الذي كنت أعمل فيه بمعرفتها خبر زواج صديقي بإحدى قريباته وهجرتهما إلى الخارج.
 لا أدري كيف أفسر لك سرعة تجاذبنا الحميمي، دون أن أجد عائقا يعترض سبيلي إليها، وافقت بسرعة، قبل أن تمضي ثلاثة أشهر على وفاة أبيها بين أحضان عروسه الشابة، رغم علمها بزواجي وأبوتي وتمسكي بالتزاماتي العائلية، لا تنكري هذا الأمر رغم كل شيء، بل لعل ذلك بالتحديد كان أكثر ما حفزها على القبول، فلم تكن من أنصار الزواج التقليدي، بقيوده ورتابته وتداعياته التي أظلت حياتها، المهم لديها الصراحة التامة في كل شيء، حتى عندما تحضر أحدنا نية ترك الآخر، بلا إساءة أو تجريح.
 قالت كما لو كانت تناقش أمراً إدارياً : في اليوم التالي من قرارنا الانفصال سأطلب نقلي إلى فرع آخر, أوكَي...
 بحثت عنكِ فيها، ولعل شيئاً مني كان يبحث عنها فيكِ؟ أحجية ما أدركت لها حلاً. يحق لك نعتي بما تشائين, اتهامي بالجنون، ولكن صدقيني، ما عشت فترة في حياتي أجمل ولا أصفى من تلك الأشهر المخملية, كنت مرتوياً بالكامل، فحصلت على الترقية التي كنت أحلم بها بسرعة أذهلتني قبل الجميع، توليت إدارة فرع غير الفرع الذي كنت أعمل فيه.
ـ الآن لست بحاجة لطلب النقل فيما لو انفصلنا عن بعضنا.
 كنت أمازحها وما دريت أنها قد اتخذت قرار محقي من دنياها للأبد. اضطرمت النار في وجهي وأنا أصد لكمات كلماتها المباغتة، أقسمت لها مدافعاً أني لم أخنها أو فكرت بخيانتها يوما.
استفزتني ضحكاتها: أنت تخون زوجتك معي.
 أوَ تصدقين النكتة السمجة تلك، أي هاجس مقيت ساطني حينئذٍ، يفح في داخلي هاجس ملل اقتفائها أثر حبيبها المهاجر بين أضلعي. 
 يصعب السيطرة على جسدك عندما تنتفض كل عروقه، تسيطر على انفعالاتك، وتشل قدرتك على التفكير تماماً. كنت عصباً مشدوداً لم يلن أو يركن إلى الهدوء إلا بعد إطلاق كل رعدي في وجهها, خصل شعرها المنسدلة إلى أعلى ظهرها, وجهها، عنقها، كل جزء في جسدها.
 غزوتها بفضاضة رجل يمتطي صهوة آخر أمانيه، يهتاج رغبة وامتعاضاً يستمدان صلابتهما من العناد الراسخ فينا.
 كل رفسة دلال لا تريد الخلاص عاجلتني بها غرزت بتلات أنوثتها في داخلي أكثر، حتى صرت على أتم استعداد لإعلان زواجنا أمام الجميع، لكني مع اقتراب منتصف الليل وجدتني أرتدي ثيابي بسرعة، ومع التماع قدح نظراتنا أرمي عليها يمين الطلاق، غادرت الشقة التي شهدت في ما بعد جل أوقات عزلتي وتوقي للاختلاء بنفسي، بعد يوم مشحون بالعمل ونرفزة المجادلات، وسلسلة غير منتهية من الأرقام متباينة الأصفار، وأيضاً عدد من علاقات تماهت ما بينها، ليس في تفاصيلها ما يستحق أن يذكر، لم تخلف سوى نزق سخرية مضمرة من جسدي الواهن أمامك في هذه الغرفة الخانقة كعلبة مفرغة من الهواء.
 جرفتنا السنون سريعاً يا حبيبتي، كبر الأولاد والبنات، تزوجوا وأنجبوا، غادرونا فعدنا وحيدين، حل المرض في جسدك أكثر مني، وها أنت تتمددين فوق فراش المرض أمامي، مغيبة عن الوعي, تعتاشين على المحاليل منذ أيام ألقتني إلى سعير الجحيم، افتقدت أحاديثنا، أكيد أنك افتقدتِ مشاكساتي أيضاً، لفح مداعبات السنوات الخوالي، شكواك من إهمالي الذي لم تستطيعي ترويضه عبر خمسة وثلاثين عاماً.
 ينهض عن الكرسي بتأنٍ, متكئاً على ركبتيه، يطلق تنهيدة ترامت حدتها في فضاء الغرفة، يقترب منها هوينا، ينحني نحوها, ترتجف أصابعه لدى تلمسها خصل فضية من شعرها، تنفرج عن شفتيه حرارة قبلة تستعذب لدانة جبينها الدافئ بعصف شوق غاب عنه طويلاً.
 تلتقط أذناها صوت انغلاق الباب, بعد ثرثرة طويلة واصلت زحفها إلى أذنيها كرجع صدى من غور كهف سحيق, لم تدرِ إن كانت للحياة أو الموت أقرب، حتى انتظمت الكلمات والجمل في ذبذبة صوت محددة، تعرفها جيداً، عاشرتها أكثر من نصف عمرها، أضرمت النار في هشيم أخيلة تدحرجت طويلاً على شواطئها الشائكة، في لجة الهوس أكثر من فترات الجفاء. تسترسل كهذيان السكارى، تومض في خبايا حب سبق عهد الزواج، لم تجنِ منه سوى رسائل عشق رشفت رهافة أشعارها من ظمأ الوجيب الأول، نجحت عقوداً في إخفاء مواساتها عنه.
 يرمش جفناها الشاحبان بمواجهة الضوء الخافت قبل فتحهما، وجسدها مستسلم للخدَر، تخضب غضون حدقتيها الدموع، نظراتها المضببة تهيم في فضاء الغرفة المبهمة لديها، مثل فراشات تخشى أجنحتها الاحتراق، ينتهي ترنح تجوالها عند الكرسي المقابل للسرير.
                                                                        
* قاص من العراق.