الرعشة الجديدة في أعمال بدرخان سندي الكاملة

لقمان محمود*
تنتمي الأعمال الكاملة "قصائدي" للشاعر بدرخان سندي إلى قصيدة الكلاسيكية المحدثة، التي تعكس خطاباً شعرياً يواكب تنامي النضال التحرري للشعب الكردي.  مضامين هذه القصيدة ذات وضوح ونزوع  واقعي، من خلال التمسك بكل ما يمت إلى الإنسان و الأرض والوطن والهوية، وبرغبة جامعة للشعر في شراكة المصير الإنساني، حيث يمتزج الإدراك العقلي بالإحساس العاطفي ضمن مناخ تتلاقى فيه مشاعر وأفكار تتمحور حول بناء عالم إنساني أفضل وأجمل يجسدأشواق الحرية والعدالة والسلام، ، بحيث لا تستطيع الذات الشاعرة إكتشاف الحياة إلا فيها.
اكتسبت هذه "القصائد" في سياق تطورها صفات ثورية غنائية، تشكلت بالأساس في قلب الحياة المحلية، وهذا ما دفع الشعراء بإتجاه فهم حقيقي لوظيفة اللغة الابداعيةفي مجتمعهم.    فالخطاب الشعري الرفيع، ينطلق من قيم رفيعة، خاصة إذا أخذنا بعين الإعتبار إن الشعر المؤهل أكثر، لتحقيق التواصل الانساني، هو الذي يراهن على البساطة والوضوح والتجربة، وثراء الصورة الشعرية.
من هنا، كان طبيعياً أن يتبدى بدرخان سندي شاعراً ثورياً و رومانسياً و واقعياً معاً. وعندما يُذكر هذا الاسم، ترتسم صورته كأحد  الشعراء الذين إحتلوا موقع الصدارة في شعر الحب والمقاومة والقضية الوطنية والقومية.
ما زال هذا الشاعر – حتى يومنا هذا – يملك مكانة خاصة في الشعر الكردي (باللهجة الكرمانجية) في جنوب كردستان. حيث بدأ به مرحلة شعرية جديدة، ظهر فيها كشاعر "كلاسيكي مجدد"، في تجربة شعرية اتصلت لأكثر من نصف قرن من الابداع المتواصل.
إن أهمية بدرخان سندي ترتكز على كونه أفضل من إستخدم اللغة الكردية بجمالية فنية متناهية، وذلك من خلال المزج بين اللغة الكردية الكلاسيكية و الأغاني الكردية الرومانسية، لإستنسال لغة فنية جميلة وطليقة، جعلت شعره حياً طيلة هذه الأعوام،  حيث تعود شهرة هذا الشاعر إلى أن معظم قصائده الشعرية قد أصبحت مواداً غنائية، لكثير من  الفنانين المعروفين، أمثال: تحسين طه، محمد شيخو، أياز زاخولي، كول بهار، شفان برور، فؤاد أحمد، سيتاكو بيان، أحمد خليل، بشار زاخولي، وشاكر عقراوي، إلخ.

   ومن هذه الأغاني التي انتشرت بسرعة في تلك الفترة، وكان لها تأثيرها الواسع على الكرد بشكل عام، تأتي قصيدة "الرحى"، المؤرخة بعام 1966، والتي غناها الفنان تحسين طه، وفيها نقرأ:

اطحني أيتها الرحى

آلامنا جسيمة

صوت الرحى: ألم وأنين

حسرة، مناداة، واستنجاد.

اطحني أيتها الرحى

لسنا واحداً أو اثنين

نحن ألوف الآلاف

ولكن 

في أربعة أماكن منقسمين.

   لقد أضاف بدرخان سندي في هذه القصيدة، وفي مجمل قصائد هذا المجلد (399) صفحة، رعشة جديدة على الشعر الكردي الكلاسيكي، ملامساً بذلك ألم الإنسان الكردي، وأمل وحدته إزاء وطن مقسّم إلى أربعة أجزاء، بمسحة متحسرة تتقاطع بشكل واضح مع الميل "الإستنجادي" المشحون بعاطفة وطنية مستندة إلى واقع واضح، تشكل رؤيا معتمة تجاه الوطن "المحصور" بين طيات التاريخ غير المبالي بهموم المقهورين.

   وبما أن فعل الكتابة الشعرية عند سندي مرتبط دائماً بالجذور، فإنه يستمد ألمه من علاقته العميقة بالواقع، بحيث يخضع هذا الفعل الكتابي إلى الاستعمال الموظف، والحامل للمعاني التي تحتوي على فكرة، كما في قصيدته المعروفة "أيها المدار"، التي لاقت رواجاً كبيراً عندما تحولت من "قصيدة" شبه مقروءة في مجتمع فُرض عليه الحرب بالقوة، إلى "أغنية" مسموعة بصوت فنان كبير مثل تحسين طه، الذي كان ذا حضور قوي في الذاكرة الوطنية والقومية والنضالية. تقول القصيدة – الأغنية:

أناجيك أيها المدار

لماذا ذبل نرجسنا

لماذا نحن غير محظوظين

لا صديق لنا ولا صاحب

ترى هل يأتي ذلك اليوم

الذي يتدفق فيه نبع المنزل

لنرتوي منه، رافعين أيدينا

إلى أقصى ما نستطيع.

قطعت الشجرة، يدُ الفأس منها

ساقوا الخروف إلى المقصلة

والحبل الذي ربط به

من صوفه.

   

   القصيدة السياسية في "عالمنا" الكردي، هي عنوان مهم من عناوين الهوية الوطنية، وهي إطار جامع لمفردات ثقافية مشتركة الجذور والطموح، تشكل مصدر قوة – معنوية على الأقل – ينبغي عدم التضحية بها لمجرد "سخطنا" على أخطاء بعض الأعداء، أو بعض الساسة الكرد.

   وكما لا يكاد يخلو زمن كردي من طاغية، فلا يخلو زمن كردي من شاعر ثوري، كرّس حسه الانساني وحميميته مع الكائن البشري في كل مكان، واهتمامه بما يدور حوله في هذا العالم. وخير دليل على ذلك قصيدة "النسر"، المهداة إلى الشهيد الفلسطيني:

في بلادي الكثير من الحجارة

وحجارتنا معروفة بصلابتها

فكل حجر من أحجار كردستان

كان في يوم ما

في زمن ما

قلباً

لكن العشق الصبور

والأمل العنيد

صيّره حجارة.

   على هذا النحو يسعى الشاعر إلى أن يطبع شعره بطابع انساني، بإعتباره رديفاً للقيم الكبرى، كالعدالة والأخوة الانسانية، وبذلك يتجاوز البعد المحلي الصرف – قليلاً – لينفتح على كل ما هو انساني، من خلال توليفة ذكية وبارعة بين الانتفاضة الفلسطينية، وبين حجارة كردستان الكثيرة.

   لقد استطاع المبدع بدرخان سندي أن يصور الواقع تصويراً فنياً، من خلال الكلمة الموحية بطاقتها وجرسها ومعناها، فجاء شعره قوياً مؤثراً، وفق اسناد شعري جميل في تطويع اللغة للحدث. وبحسب الشاعر مؤيد طيب (في شهادته على الغلاف الاخير)، فإن هناك عبارة في عالم الابداع، تقول: "إذا بقيَ نتاج أدبي حياً لمدة خمسين عاماً، فهذا يعني أن هذا النتاج حيّ"، وبدرخان سندي تخطى هذا الامتحان بنجاح.

   ما سبق يُشير إلى أن هذه الأعمال الكاملة، المعنونة ب "قصائدي" هي قصائد "نصف قرن" من إبداع شاعر خدم القصيدة الكردية، كما خدم الثورة الكردية. وهي – في كل الحالات – صورة مشرقة، وشمت اسم صاحبها، ومنحته هوية شعرية.  

 

*كاتب من كردستان