إدمون عمران المليح المغربي اليهودي غير المقروء عربياً

معن البياري*

لا يحوزُ الروائيُّ والكاتبُ المغربيُّ إدمون عمران المليح، الذي رحل عن 93 عاماً قبل أيام، في خارجِ بلادِه، شهرةً بين الجمهورِ العربيِّ، ومقروئيتُه محدودةٌ بين النخب العربيةِ المشتغلةِ بالكتابةِ والأدب. وإلى ذلك، لم تحظَ كتُبُه ورواياتُه التي كتبها جميعَها بالفرنسيّة باهتمامٍ كبيرٍ من الصحافةِ الثقافيةِ الفرنسيةِ، وهو الذي أقامَ في باريس 35 عاماً بين 1965و2000. ويشيعُ اسمُه عربياً كاتباً مغربياً يهودياً ناهضَ إسرائيلَ وناصرَ القضيّةَ الفلسطينيّةَ بجسارةٍ، وقد يكون هذا من  أسبابِ عدمِ حظوته، أدباً وحضوراً، في فرنسا. وحَدَثَ أنَّ دار "لوسوي" رفضت نشر إحدى رواياته، بدعوى أنّها تتضمّنُ معاداةً لليهود، لمجرد أنها تتطرّقُ بين وقائِعها إلى مذبحةِ صبرا وشاتيلا.

وإذ أفادَ الراحل في رواياته من مناخاتٍ شعبيةٍ مغربيةٍ، وخصوصاً من مسقطِ رأسِه مدينةِ الصويرة، فإنها تخلو من الفلكلوريةِ والعجائبيةِ والكليشيهاتِ ذاتِ الإحالاتِ الجنسيةِ التي حضرت لدى غيرِه، ما قد يكونُ من أسبابِ عدمِ رواجِ كتبهِ في فرنسا، وهو الذي ظلَّ ينتقدُ الكتّابَ الذين يتحمسون للفرنكفونيّة، ويعتبرونَها سببَ تألّقهم، مشدداً دائماً على أنّه يكتبُ أدباً مغربياً، ولكن، بلغةٍ فرنسية. وكان يرى أنَّ الأدبَ أساساً قيمةٌ فنيةٌ وجماليةٌ وفكريةٌ على درجةٍ ساميةٍ من النبل،  وصرَّحَ، قبل شهور إنَّه "عادةً ما تُنسجُ أساطيرُ حول الكتابة، وتنسجُ حول الكاتبِ هالة، فيما الأمرُ بسيط، فهو يكتبُ مثلما الآخرونَ يرسمون أو يغنّون أو يبيعون الخضر".

وباستثناءِ صحيفةِ "القدس العربي" ومجلةِ "الكرمل" اللتين يسَّرتا لقرّائِهما نصوصاً للكاتب الراحل، وكتاباتٍ عنه ومقابلاتٍ معه، فإنَّ الصحافةَ الثقافيةَ العربيّةَ قصّرت في الإضاءةِ على نتاجِه ومواقفِه، مع انتباهاتٍ عجولةٍ هنا وهناك لم تفِ بالمطلوب بشأنِ كاتبٍ كبيرٍ شكَّلَ حالةً متفردةً في الأدب المغربي، المكتوبِ بالفرنسيةِ خصوصاً، وهكذا ظلت الحاجةَ قائمةً للتعرّفِ على أدبِه الذي يحضرُ فيه موضوعُ نزوحِ المغاربةِ اليهودِ إلى إسرائيل، ما اعتبره إدمون المليح "كارثةً في التاريخ اليهودي"، على ما قالّ غيرَ مرة، كانت إحداها في مقابلةٍ صحفيةٍ أجريتُها معه في الرباط في منزلِ صديقِه الناقد محمد برادة في 1994.

نُقلت إلى العربيةِ رواياتٌ لإدمون منها "المجرى الثابت"، وهي الأولى له، (بدأ يكتب الأدب في الثالثة والستين من عمرِه) وصدرت في 1980. و"ألف عام بيوم واحد" و"إيلان أو ليل الحكي" و"عودة أبو الحكي" و"المقهى الأزرق"، وصدرت كلها مترجمةً عن دور نشر مغربية، ما قد يكونُ من أسبابِ عدمِ شيوعِ مقروئيّتِها ومحدوديّةِ توزيعِها. وله مما لم يُترجَم "أبنير أبو النور" (قصص) و"حقيبة سيدي معاشو" و"كتاب الأم"، وكتاب عن جان جينيه. وإلى جانب كتابٍ يضمُّ مقالاتٍ له في القضية الفلسطينية، يعكفُ التشكيليُّ حسان بورقية، على ترجمةِ آخرِ كتبه "رسائل إلى نفسي" الذي يتضمن في 78 صفحة عشرةَ رسائلَ يُخاطبُ فيها نفسَه بصيغةِ "الصديق" وأحياناً "الصديق الذي لا أملَ في تغييرِه". وقبل هذا الكتاب، صَدَرَ "33 يوماً في لبنان"، يضمُّ نصاً له يتوازى مع 33 لوحة لبورقيه، مستوحاةٍ من الحربِ الإسرائيليةِ على لبنان في صيف 2006.

لم تتيسّر مقروئيةٌ عربيةٌ واسعةٌ لكتبٍ أخرى أنجزَها إدمون عن تشكيليين ومصورين مغاربة، منها "العين واليد" عن خليل غريب و"نور الظل" عن الفوتوغرافي أحمد بن إسماعيل. ولافتٌ أنَّ كتابَ يحيى بن الوليد "الهويات القاتلة"، وهو دراسةٌ في "مرجعية" إدمون عمران المليح، صدر عن دار أزمنة في عمّان في 2008، ولم تُنشر عنه مراجعاتٌ في الصحافةِ الثقافيةِ الأردنية والعربية، تطلُّ على مشاغلهِ المتعلقةِ بمنجز إدمون ومسارِه الفكري. ويؤشّرُ صاحبُ الكتابِ إلى صعوبةٍ في ترجمة نصوص الراحل، حيث " لغتُهُ مفتوحةٌ، وتتعذّرُ على الترجمةِ من خارجِ دوائرِ التأويلِ الذي يستلزمُ، وعلى صعيدِ الترجمةِ نفسِها، نحتاً في اللغةِ العربية، ما يفسّرُ كذلك عدمَ ترجمةِ نصوصِه أو كتاباتِه في غير الرواية والسرد". ويرى بن الوليد أنّ الأهم لدى إدمون هو الكتابة ذاتها، لا باعتبارِها وسيلةً أو أداةً، وإنّما باعتبارِها الفكرَ نفسَه في زئبقيتِه وتشذّرِه وانسيابيَّتِه. ووصف حسّان بورقية الراحل بأنه كان يكتبُ وفق مشروعٍ روائيٍّ كبيرٍ فريدٍ من نوعه، اختارَ له لغةً أدبيةً خاصّةً ومتخيّلاً أدبياً صرفاً.

أما الإسباني خوان غويتسولو فرأى أنَّ اللغةَ الفرنسيّةَ التي كتبَ بها إدمون نصوصَه "خاصّةٌ به، وليست فرنسيةً كما ينبغي أن تكون، أو كما تتطلبُه القواعد، بل لغةٌ يكتبُها كاتبٌ مغربيٌّ بعمقٍ مغربي". وقال إدمون نفسُه إنه يكتبُ بالفرنسية، غير أنَّ لغتَه لا تشبهُ لغةَ الفرنسيين، ويمكنُ اعتبارُ هذا الأمر من أسبابِ محدوديةِ قراءة إدمون عربياً، ذلك أنَّ الحضورَ الشعبيَّ المغربي، وبالعاميةِ المبثوثةِ في النصِّ الفرنسيِّ أحياناً، كان وفيراً في أعمالِه.

في مقابلةٍ صحفية أجراها معه شاكر نوري، في 2001، قال إدمون الذي انتسبَ إلى الحزبِ الشيوعيِّ المغربي في 1945، وناضل من خلالِه ضدَّ الحمايةِ الفرنسيّةِ في بلادِه، وغادَرَه في 1959، "كلُّ أديبٍ ملتزمٌ بشكلٍ أو بآخر، لأنّ الأدبَ على كلِّ حال ممارسةٌ للحياة من خلال الفكر والوجدان، أمّا الالتزامُ بالمفهومِ الأيدولوجيِّ فالمسافةُ بيني وبينه أصبحت زمنيةً أكثرَ منها روحيّة، فالمرءُ لا ينسلخُ من لون بشرته". وتتوفر حواراتٌ مع الراحل، أنجزتها الفرنسيّة ماري رودونيه ونشرتها في كتابٍ في 2005، على آراءَ وأفكارٍ له في غير شأنٍ وموضوع. وجاء في مقدمتها للكتاب، كما نقلت عنه مراجعةٌ له، "المغرب في غناه وتركيبِه وانفتاحِه يحضرُ في حكي إدمون المليح، الكاتب المغربي اليهودي الذي لا يعرفُ العبريةَ ولا ممارسةَ الطقوس اليهودية، ويحتفلُ مع المسلمين في أعيادِهم، ويرفضُ كل أنواعِ المحارق الفلسطينية والعراقية والرواندية وغيرها، مثلما يرفضُ فكرةَ المحرقةِ اليهوديةِ عندما تتوظف فقط لتبريرِ الصهيونية، واستغلالِ ملايين اليهود الذين ماتوا فيها ولم يموتوا".

إقامةُ المغربِ في وجدانِه، وعداؤه الشديدُ لإسرائيل والصهيونية، والانحيازُ إلى الثقافةِ الراقيةِ البعيدةِ عن التسطيحِ والبهرجة، والأدبُ باعتبارِه مُنجزاً يهدفُ إلى الإمتاعِ أولاً، بعضُ قضايا التزمَ بها إدمون الذي اعتبر إسرائيلَ تستعمرُ الدينَ اليهوديَّ وغيّرت مفهومَه الروحيَّ، وأنّها في عدوانِها الوحشيِّ على غزّة كانت على حافّةِ البشرية، بحسبِ عنوانِ بيانٍ أطلقهُ في حينِه، وَصَفَ فيه العدوانَ بأنّه جرائمُ حربٍ حقيقةٍ وإرهابُ دولة.

يستحق هذا الكاتب الذي من طينةٍ استثنائية، بحسب أحد مؤبنيه، أنْ نقرأَهُ ونتعرفَ إلى سردياته، فهو مغربيٌ يهوديٌّ مضيء. وفي وسع المؤسّسة التي تحمل اسمَه، وتمّ إطلاقُها في الرباط صيف 2004 أنْ تنهضَ بواجبِ تيسيرِ كتبِهِ للجمهور العربيِّ العريض، وتوفيرِ محاوراتِه وتأملاتِه في غيرِ قضيةٍ ومسألة، لحمايةِ مُنجزِه من النسيان والتجاهل، وهاتان راسختان في الثقافةِ العربيةِ السيّارة.

* كاتب من الأردن مقيم في الإمارات