أنور حامد في رواية "شهرزاد تقطف الزعتر في عنبتا": ومضات..

د. إبراهيم خليل*
 
أنور حامد كاتب من فلسطين يكتب الشعر والرواية والقصة بالعربية والمجرية واللغة الإنجليزية، صدرت له روايات عدة، منها رواية حجارة الألم 2004 ورواية جسور وشروخ 2010 ورواية يافا تعد قهوة الصباح 2012 وقد رشحت للبوكر واحتلت موقعا في القائمة الطويلة . وله رواية جنين 2002 صدرت في العام الماضي 2013 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت . وأما روايته هذه (شهرزاد تقطف الزعتر في عنبتا) فقد صدرت في العام 2008 بالعربية بعد أن كان قد كتبها ونشرها بالإنجليزية في العام 2004 والعنوان يوحي – بداية – أن في الحكاية حضورا أو استدعاءً لنموذج سردي معروف هو " شهرزاد " التي نهضت بدور الساردة والبطلة في ألف ليلة وليلة، الكتاب القصصي المعروف، غير أننا ما إن نتجاوز المقدمة القصيرة – عتبة النص- التي كتبها المؤلف في صفحة واحدة عن علاقة روايته هذه بشهرزاد، حتى ننسى العنوان نسيانا تاما لأن الرواية، من حيث هي متخيل حكائي، تخلو من أي إشارة لشهرزاد، وللحكايات العربية المعروفة بهذا العنوان، المرتبطة بهذا الاسم " شهرزاد ".
ففي المدخل ثمة استهلال عن عم الراوي، واسمه محمود، عُرف عنه سرعة البديهة، والبراعة، في اختراع النكتة، فقد سألته زوجته أم فايز يوما إن كان يظن أنن الإسرائيلين سينسحبون من الضفة، ومتى، فقال لها مجيبًا:
- الأربعا
وعندما مر الأربعاء، وسألته من باب التذكير، قال:
- الأربعا الجاي!
وهذا المدخل يذكرنا بحكاية إبريق الزيت، ورمزيتها المعروفة عن عبثية السؤال، وعبثية الجواب المفتوح على أسوأ الاحتمالات. وتبدأ الحكاية في الفصل الذي يليه – حكاية فدوى وسامي ويوسف وبرهان وأم يوسف(فوزية) والخال المتدين نزيل المقاهي إبراهيم، وغيرهم من الشخصيات التي هي في مطلق الأحوال قليلة، وتمثل تصنيفا نمطيا معروفا في القرية التي تقع فيها مجريات الحكاية، وهي قرية عنبتا، مسْقِطُ رأس الكاتب 1957 . 
ومن تلك البداية يتضح الوضع الاقتصادي لأسرة برهان (أبو يوسف) فهو عامل بسيط يعمل في (إسرائيل)؛ تارة في نتانيا، وطورا في تل أبيب. ولديه من الماشية بقرتان حلوبتان، يقوم برعايتهما ابنه يوسف، ويسعون سعيا كبيرا لزيادة دخلهم ببيع اللبن والحليب والبيض والأجبان والدجاج وتأجير التنور(الطابون) الذي يقع في حاكورة المنزل، مقابل بعض النقود أو التبرعات العينية من قهوة وسكر وشاي. ولكن هذا الوضع تقابله في الجهة الأخرى متطلبات باهظة، ومسئوليات كبيرة، فالبنت فدوى توشك أن تنهي الدراسة الثانوية، ولا بد أن تذهب للجامعة في بير زيت لعله يخرج من (بيت المطبّلين مْزمّر ) مثلما تردّد فوزية. 
في الأثناء يتعرض يوسف لإغراءات من بعض زملائه كي ينضم للتنظيمات التي منها الديني، ومنها اليساري، والشيوعي. ولكنه يعزف عن ذلك فيتهم أحدهم (رائد) والده بالعمالة كونه يعمل في (إسرائيل) دون تصريح. على أن الاختلاف بين يوسف ورائد وأيمن وعلاء لا يستمر طويلا، إذ يتمكنون من استمالته في نهاية المطاف، لكنه يأبى حضور الاجتماعات السرية، وفي النهاية يقنعونه بضرورة حمل السلاح، وأنه ينبغي له أن يقتني مسدسًا على أقل تقدير يستطيع به أن يدافع أن نفسه إذا لزم الأمر، فيوافق..
في موازاة ذلك يشير الراوي إشارات غير مباشرة لعلاقة سامي ابن الجيران بفدوى شقيقة يوسف، التي تلتقيه مرتين على الأقل تحت التينية بعيد منتصف الليل، ويتبادلان القبلات في ظروف تختنق بمشاعر الرهبة والخوف. ثم يلتقيان في حافلة ركاب تسير على الطريق بين نابلس ورام الله، وهما في طريقهما إلى جامعة بير زيت ليقدما طلبين للحصول على منح. ويزوران (أسماء) وهي دكتورة متخصصة باللغة الإنجليزية من أهالي عنبتا، وتعمل في الجامعة المذكورة، وتشجعهما على الالتحاق بالجامعة، مؤكدة ما فيها من أجواء حرة يستطيعان فيها أن يعمّقا علاقتهما العاطفية التي ينبغي لها أن تؤدي لتكوين أسرة جديدة تحيط بها السعادة. غير أن الرياح لم تجر بما تشتهيه السفن، فسرعان ما اكتشف أيمن، ورائد – وهما من زملاء يوسف – وجود هذه العلاقة، فراحا يتغامزان حول الموضوع أمام يوسف وعلى مسامعه، مما لفت نظره لما بين شقيقته وسامي، وتذكَّر طلبها منه أن يدعو سامي لبيتهم كي يضيف إلى جهاز الكومبيوتر ملفا عربيا لبرنامج الأوفس. وتفاقم الأمر أكثر عندما أفاق في الليل مع عودة فدوى من تحت التينة، وفاجأها بسؤال أين كنت في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ واكتشفت أنه على دراية بالعلاقة. وحذرها من أن الاستمرار في ذلك قد يؤدي إلى علم خالهما إبراهيم، وما عليها عندئذ إلا توقع فضيحة بجلاجل، ربما تنتهي بجريمة من جرائم الشرف.
وما هي إلا ايام حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. ففي اللقاء الثالث لم يحضر سامي للمكان الذي يلتقيان فيه في الموعد المضروب، وقد عزا ذلك لاكتشافه أن بعض الأشخاص يراقبونه، ويتتبَّعون خطاه، مما جعله يمتنع عن الحضور خشية أن يؤدي ذلك لضبطهما بالجرم المشهود. وتبلغُه فدوى بعدم الاستعداد للقائه ريثما تنتهي الإشاعات . ولكن سامي ما فتئ أن أخذ يلح عليها بضرورة اللقاء، وشرع يهددها، مما دعا إلى فصم العلاقة بين الاثنين. ولكن هذا كله لم يمنع، ولم يضع حدا لاتساع دائرة الشائعة عن علاقتهما، وانتشارها في قرية يعرف الناس فيها بعضهم بعضًا معرفة تامة. وسرعان ما بلغ الخبر مسامع الخال إبراهيم الذي هاجم البيت فجأةً، وفي يده إحدى سكاكين المطبخ، يريد أن يقتل فدوى غسلا للعار والشَنار، ولكن محمدًا شقيق يوسف، وفدوى، يهرع للبيْت، وينبه الأسرة لمجيء خاله المغْضب، وهو يتأبط شرًا.
وتنتهي المشاجرة بمقتل إبراهيم على يدي يوسف الذي استعمل المسدس، مطلقا رصاصات عدة على خاله الذي كان يهم بتنفيذ تهديده بذبح فدوى. يحدث ذلك فيما برهان- والد فدوى - بعيد عن البيت يتابع بعض جولاته في توزيع الأجبان، والألبان، وعند عودته يجد أن ما حدث قد حدث، وأن يوسف استسلم للشرطة، ووضع في السجن. أما فدوى فقد التحقت بعيد ذلك بالجامعة، وتنتهي الحكاية بسؤالها عن موعد الإفراج عن يوسف، فتجيبها الأم: 
- الأربعا.
فكأنَّ الكاتب يريد أن يقول لنا إن ثمة صلة بين الأربعاء- ها هنا - ويوم الأربعا (الجاي) الذي يتوقع فيه عم محمود انسحاب الإسرائيليين. وهذه هي الإشارة الوحيدة التي يمكن له أن يسوغ بها وجود ذلك الاستهلال الذي بدأ به حكاية فدوى وسامي. والحقيقة أن هذه العلاقة لا تبدو لنا مقنعة ألبتة. علاوة على هذا تثير الرواية، وتطرح، الكثير من التساؤلات، وأول هذه التساؤلات يتعلق بفضاء الرواية.
 
فضاء النص 
فقد اختار أنور حامد من قرية (عنبتا) مسقط رأسه، فضاءً لحوادث الرواية ، وهو اختيار في ما أرى غير مناسب، ولا موفق، فالرواية بصفة عامة، ومن حيث هي فنٌّ سردي ، مديني، معروف عنها أن فضاءها المثالي هو المدينة، حيث الأشخاص يتنوّعون، والشرائح الاجتماعية تتعدَّد، وتختلف، فتمنح المدينة تبعًا لذلك الروائي هامشا واسعا لاختراع الأحداث، وترتيب المتواليات السردية، وباختياره القرية اختار الجانب الآخر الذي يضيق عليه فيه الخناق ضيقا تنعدم فيه حرية الروائي في الابتكار، والتنويع.
وثاني هذه التساؤلات يتعلق بطريقته في تسليط الضوء على حياة الفلسطينيين في ظل السلطة التي تمثلُ، في واقع الحال، نوعاً من الاحتلال بالنيابة. فعبر الإشارات المتكررة لعذابات الفلسطينيين عند الحواجز العسكرية، وتكرار الانتظار لساعات طويلة، والتفتيش مرة بعد الأخرى، وقيام أحد الجنود بإتلاف محصول برهان من العسل دون أي سبب إلا من اعتقاده بأن العسل مغشوشٌ، وغير حرّ، وهذا كله، أو بعضه، يلقي الضوء على هاتيك المعاناة، بيد أنه لا يحمّل – في الواقع- السلطة المكلفة بإدارة المناطق نيابة عن الاحتلال المسئولية عن تلك المعاناة. وغضُّ النظر عن هذا ينم على موقف غامض أحسب أنه ينبغي ألا يلتزم الصمت إزاء ما تفعله السلطة بالناس، وأن يضع الإصبع على الجرح، لا أن يقترب منه حسب. ومن التساؤلات التي تثيرها هذه الرواية في وجه القارئ والدارس على السواء سؤال العلاقة بين الكاتب والموروث السردي، والأسطوري، ولا سيما الحكايات المنسوبة للساردة ، والبطلة " شهرزاد " فعلى الرغم من أن العنوان – مثلما سبقت الإشارة- عنوان يحتوي في ما يحتويه اسم شهرزاد، إلا أن المؤلف تجنب أي إشارة لها في الأثناء، مما يطبع العلاقة بين العنوان ومضمون الحكاية بالافتعال، وانعدام التوافق. وهذا يعني أن موضوع شهرزاد فرضَ على هذه الرواية فرضاً وبأسلوب قسري لا مسوغ له قط.
أما لجوء الكاتب أنور حامد للعامية في الحوار، فهو شيء جيد لما يتطلبه تقريب المتخيل السردي من الواقع الموْضوعيّ، الذي ترصده الحوادث، ويحيط بالشخوص. غير أن القارئ - للأسف - لا يجد في هذا الحوار – غالباً- ما يرتقي به عن مستوى المحاكاة المبتذلة، والفجة، لما يردده الأشخاص في حياتهم اليومية فعلا، وفي مواقف كالتي ذكرها الراوي في الحكاية، واللافت للنظر توافر الشتائم في الحوار و(الداعاوي) بكلمات تخدش الإحساس، والذوق، والحياء، في بعض الأحيان. وقد يكون هذا دافعًا لتكرار التذكير – ها هنا- بأن الرواية فنّ، وبما أنها فنّ فلا بد فيها من الانتقاء، والانتقاء لا مناص من أن يتّجه نحو الأحسن، والأروع، والأدق.
على أن الرواية لا تخلو من وَمَضاتٍ تمنح النص السردي هذا غير قليل من الإشراقات، فهو يعتمد المنولوج الداخلي اعتمادًا غير قليل في تحليل ما تعبُره الشخوص من مواقف، وما تمرّ فيه من أوضاع نفسية، وما تجتازه من حالاتٍ عاطفيّة متوترة. كالمونولوج المطول الذي يلقي فيه الضوء على عالم فدوى النفسي، وهي تتحدث في خلوة عن علاقتها بسامي (ص 50) وعن الشيفرة التي تتَّبعُ في التواصل السري بين الحبيبين. ومن ذلك أيضا المونولوج المطول الذي يلقي الضوء على عالم فوزية، وما يسوده من قلق، بسبب الوضع غير الطبيعي الذي تمر فيه فدوى: " تجلس طوال الوقت بغرفتها، ولا تخرج منها.. تأكل وهي شاردة الفكر.. لا تحدّث أحدًا.. هذا كله بفعل الدراسة؟ يلعن أبو المدارس. أنا عارفة شو بدها بهالشغلة؟ ما هي آخرتها للجيزة. تقعد في البيت، وتتعلَّم لها طبخة أحْسن. يا رييت تفلح.. وتروح ع الجامعة. وتتخرَّج.. وتصير موظفة..بسْ ما أظنِّش. عيلتنا مكتوب عليها الشقا من الأبّ للابن.. " (ص 118) علاوة على أن تقديمه للشخصيات لا يخلو من تشويق، فأحَدُ شخوصها، وهو سامي، يظهر لأول مرة مقترنا بتمرير رسالة منه إلى فدوى، وهذا شيء ليس لدى القارئ توقعات حوله كون سامي يظهر في هذا الحدث لأول مرة، ثم تطرد الحكاية عنه، دون أن يقوم الراوي بتقديمه مباشرةً مثلما هي الحال في الروايات التقليدية. وهذا يعني أنَّ الكاتب يعي الشخصية الروائية بوصفها أفعالا تترجمُها على أرض الواقع، وليست موضوعا للوصف الخارجي، أو الداخلي. وهذه نقطة تعد في صالح الكاتب الذي أسند ليوسف دورًا مساندًا، ولسامي دورًا مغايرًا، ولكلٍّ من أيمن ورائد وعلاء دورًا مفيدًا ينتهي بالحدث المهم، وهو قتل إبراهيم، بصفته نهاية تراجيدية مقبولة على مستوى الإخراج الفني. وأما دوْرُ (أسماء) فهو الآخر دور الشخصية المساندة، وإن تخلل حضورها بعض النكوص عندما قامت بإحراق الكتب. فهذا تعبيرٌ رمزيٌّ عن الإحباط، لكنها في نهاية الأمر استطاعت أن تنجو من تلك المحنة، وأن تستعيد دوْرها في مسرح الأحداث. ولا تفوتنا الإشارة إلى تكرير الراوي الحديث عن بعض المفكرين، والمبدعين، والفلاسفة، والروائيين النابهين، والموسيقيين، مما لا يتفق مع ثقافة الشخصيات، فهل من الطبيعي أن تحيا فتاة قروية فلاحة لم تنلْ الثانوية العامة بعد، بين الدجاج والأرانب والبقر الحلوب حياة من لا يسمع إلا موسيقى موزارت، وسمفونيات بتهوفن، وأغاني بوب ديلان، وموسيقى برامز، والفنلندي الذي لا تستطيع أن تلفظ اسمه (سيبيليوس). فهذا وما يشبهه من حديث عن إدوارد سعيد، وبابلو كاولو، وبورخيس، وغيرهم مما يسم هذه الشخصية بالافتعال، والتزييف. عدا ذلك لا ننكر ما في هذه الرواية من وعي بالشخصية الفلسطينية، وبالعلاقة الحميمة بين المدينة والريف، وبصلة الحوادث بالفضاء الروائي الذي تدور فيه. ولا ننكر أيضا إتقان الكاتب لأسلوب المونولوج الداخلي إتقانا مكنه من اعتماده في بعض المواقف التي تحتاج إلى الغوص في باطن الشخصيات.
 
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن